«موعد على العشاء» مأساة السندريلا التي تنبأ بها محمد خان

لم تصمت السينما المصرية أمام مُشكلات الزواج والعلاقات الأسرية المُعقدة، فهناك العديد من المُعالجات التي قدمت نماذج لزيجات غير موفقة، انتهت بجرائم قتل كأسوأ ما يُمكن أن تصل إليه حالات النفور بين الزوجين اللذين ارتبطا بغير رضاهما الكامل، لاسيما الزوجة باعتبارها الطرف الأضعف، وفق المُعتقد الاجتماعي السائد، التي يُمكن أن تكون قد أُرغمت على الزواج وعاشت حياة تعيسة أدت بها إلى الاختيار بين سيئين، القتل أو الانتحار.
هذا بالضبط ما قدمه فيلم «موعد على العشاء» لمؤلف القصة والمخرج محمد خان، والسيناريست بشير الديك، حيث استوحى الأول القصة من حادثة واقعية نُشرت بعض تفاصيلها في الصُحف عام 1981 ونسج منها بشير الديك الأحداث باحترافية شديدة في حبكة درامية مؤثرة، كانت بمثابة درس قاس للمُجتمع الذي يتهاون مع مثل هذه الحالات الإنسانية، فيجعل الزواج رباطاً قسرياً بين الأضداد، لتتحول حياة الطرفين إلى جحيم مُستعر، فيدفع كل منهما حينئذ الثمن فادحاً، بينما يقف المُتسببون في العلاقة الفاشلة مكتوفي الأيدي، ويُمارس المُجتمع دورة المُعتاد في التدليس ليُخفي عوراته بمحاولات التعمية، وإسدال الستار على الحقيقة المؤلمة.
تحكي قصة الفيلم المأساوية أحداث الصراع النفسي بين الزوجة التي تزوجت رغماً عنها من زوج لا يُشبهها في أي شيء، وزوج يرى نفسه أكبر من أن يُحاسب، فهو رجل السُلطة والمُنفذ للقانون بمقاييسه وشروطه الشخصية، ومن ثم لا يكترث بمشاعر زوجته السلبية تجاهه، كل ما يُريده هو الطاعة العمياء، وعدم الخروج عن النسق الذي رسمه لها في حياتها معه بلا أدنى محاولة لفهم طبيعتها والالتفات لما تُحب أو تكره.
وفي المُقابل تتحول الزوجة المغلوب على أمرها بمرور الوقت إلى دُمية في حياة رجل السُلطة القوي، مدفوعة في سلبيتها تجاهه بقرارات أمها ونصائحها المُدمرة، فالأم وإن كانت حريصة على استقرار ابنتها عائلياً، إلا أنها في الوقت نفسه مُستفيدة من نفوذ الزوج المُستبد مادياً واجتماعياً.


تنحصر المأساة الدرامية المُركبة بين أربع شخصيات رئيسية، البطلة سُعاد حُسني «الزوجة» وحسين فهمي «الزوج» والأم زوزو ماضي، و»الغريم» أحمد زكي، فسُعاد حسني تشعر بالتعاسة ولا ترى مخرجاً من أزمتها إلا بالطلاق، في حين ترفض الأم هذا الحل، وتُرغم ابنتها على الاستمرار في الدرب نفسه مُتغاضية عن محنتها الشخصية، في سبيل مصلحتها الخاصة هي، وبفعل هذا الحصار يضيق الخناق على الزوجة الشابة فتُعلن تمردها عساها تجد حلاً، أو تتمكن من كسر الطوق الذي يلتف حول عنقها.

ومن جانبه يزداد الزوج حسين فهمي تمسكاً برهينته، فلا يُعطيها فرصة للخروج من سجنه، إلا بعد مُكاشفات عديدة ومُصارحة من جانبها برفضها له. وهنا يدخل الطرف الرابع أحمد زكي كمخلص، فهو من تتوافر فيه الشروط المُفتقدة، من حُب ورومانسية وطيبة. وعلى الرغم من تواضع مستواه المادي والاجتماعي ككوافير حريمي يعمل في محل باليومية، إلا أنه يحظى بالقبول ويرقى في نظر الزوجة سُعاد حسني إلى درجة البديل الأفضل، فتتغير الوجهة الدرامية، ويصبح الصراع قائماً بين الزوج، أو المُطلق (حسين فهمي) و(أحمد زكي) الحبيب والزوج المُنتظر.
وعلى هذه الخلفية تأخذ الأحداث في التصاعد لتصل إلى ذروة التعقيد، إذ يُصر البطل رجل القانون وصاحب النفوذ القوي على ملاحقة غريمه، ليس بالقانون وإنما بالقوة. ففي مواجهات عديدة غير مُتكافئة بطبيعة الحال، يكون التهديد هو الخطاب الأقوى والأكثر وضوحاً، وبالفعل يتمكن حسين فهمي من تأديب أحمد زكي، حسب وصفه، ولكنه لم يستطع كسر شوكته تماماً، فالأخير يدافع عن حُبه بكل ما أوتي من قوة وشجاعة، مدفوعا بحماس الشباب والثقة التي أولتها له الحبيبة. لكن تأتي المفاجأة الصادمة بموت الغريم عشية زواجه من البطلة، إثر حادث تم تقييده ضد مجهول بمعرفة الزوج السابق والرجل الأقوى.
وبوقوع الجريمة بدأت المرحلة الجديدة من المأساة السينمائية ذات المستويات المُتعددة، مرحلة الانتقام وتصفية الحساب بين الطرفين المُتناقضين، الزوج والزوجة، وبفضل الحيلة تنجح الزوجة في إعادة طليقها مرة أخرى إلى بيت الزوجية بدعوة على العشاء، متظاهرة بالانكسار والندم وقد رسمت خُطتها بإحكام لتوقع بالمجرم القاتل في شرك الخديعة. لكن فطنة رجل السُلطة المُدرب كانت أذكى من تدبيرها، فما حاكته له راحت هي أيضاً ضحيته، إذ أكل الاثنين من العشاء المسموم وانتهت الأحداث بالموت المُفجع، وفق ما ورد في القصة الحقيقية التي نشرتها الصُحف.
الغريب أنه في سياق أحداث الفيلم كان هناك مشهد بعينه، كرره المخرج محمد خان أكثر من مره في صورة كابوس يُلاحق سُعاد حسني في منامها، المشهد انطوى على سقوط البطلة صريعة من إحدى الشُرفات، وفق الحادثة التي رأتها في رحلة بحثها عن حبيبها، كأنها النبوءة بموت سُعاد نفسها قبل نحو أربعين عاماً بالطريقة نفسها التي تمت، وهو ما يُزيد من درجة الاندهاش والتعاطف عند مشاهدة الفيلم في كل مرة!

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية