بدايتُه مع الكتابة كانت غريبة، أتت في لحظة تجل أثناء مشاهدته لمباراة بيسبول وهو في الثلاثين من عمره سنة 1978 في ملعب جينغو في طوكيو، فحين حقق لاعب أمريكي ضربة موفقة، قال هاروكي موراكامي: سأكتب رواية. ووصف تلك اللحظة في ما بعد بأنها كانت «شعورا دافئا، ما زلت أشعر به في قلبي».
وعاد إلى حانة الجاز الصغيرة التي يديرها مع زوجته في طوكيو، وبدأ يجلس إلى طاولة مطبخه يكتب بضع صفحات بعد أن ينهي عمله في الحانة، وبعد عشرة أشهر كاملة كتب روايته الأولى «اسمع الريح تغني» وللمفاجأة نال عليها جائزة غنزو اليابانية. ثم أتبع روايته بأختين لها «بينبول» و»مطاردة الأغنام البرية»، وبعد هذه الثلاثية التي أُطلق عليها ثلاثية الجرذ، وكرسته روائيا يابانيا مختلفا، حدث التحول الثاني في حياته، فقد وصل إلى نتيجة أن السهر الطويل والجلوس لساعات وتدخين ستين سيجارة يوميا ستقصر عمره الروائي، فطبق حرفيا ما علموه لنا في المدارس صغارا «العقل السليم في الجسم السليم»، حيث أدخل الركض ولمسافات طويلة عنصرا يوميا في حياته، وألزم نفسه بروتين صارم: يستيقظ في الرابعة صباحا ويكتب – خمس أو ست ساعات – عشر صفحات كحد أدنى يوميا، وفي الظهيرة يركض عشرة كيلومترات أو يسبح 1500 متر، أو يفعلهما معا، أما الأمسيات فمخصصة للقراءة. ونتيجة هذا الالتزام الكبير الذي حول موراكامي إلى عداء ماراثون محترف يشارك في المسابقات، أصبح أيضا واحدا من رموز الرواية اليابانية في العصر الحديث فبِيع من روايته «الغابة النرويجية» أربعة ملايين نسخة في اليابان وحدها وترجمت رواياته إلى قرابة خمسين لغة. وعن هذين المحورين المركزيين في حياة موراكامي: الركض والرواية ألف كتابين، أولهما بعنوان «ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري» ـ صدرت طبعته العربية عن دار أدب، بترجمة بثينة الإبراهيم ـ ويمكن تلخيصه في جملة مركزية وردت فيه يقول فيها موراكامي: «إن حظيتُ بشاهدة قبر، واستطعتُ اختيار ما سينقش عليه فسأود أن أقول: (هاروكي موراكامي (1949 – ) كاتب وعداء لم يمش قط على الأقل)، هذا ما أود قوله في تلك اللحظة»، وفي لقاء مع مجلة «شبيغل» الألمانية، بعد صدور كتابه تحدث عن علاقته بالركض الذي أدمنه بعد أن لاحظ زيادة وزنه جراء الجلوس الطويل للكتابة، قال: «الركض لمسافات طويلة ليس مسألة تفوق على الآخرين. خصمك الوحيد هو نفسك، لا أحد آخر، لكنك في صراع داخلي: هل أنا أفضل مما كنت عليه في المرة السابقة؟ إن بذل أقصى جهدك مرارا وتكرارا هو جوهر الركض. الركض مؤلم، لكن الألم لا يفارقني، أستطيع تحمله. هذا يتوافق مع عقليتي».
أما عن الكتابة وعن طقوسه فيها وآرائه، فأفرد لها كتابا آخر بعنوان «مهنتي هي الرواية» نشره باليابانية سنة 2015 وصدر بالعربية السنة الماضية عن دار الآداب بترجمة أحمد حسن المعيني، والكتاب في أصله أحد عشر مقالا، ستة منها نشرها موراكامي متسلسلة في مجلة «مونكي بيزنس» وخمسة جديدة، وهي تجميع لأفكاره عن الكتابة وتدور في مجملها عن حياة موراكامي الروائي، وهو صنيع سبقه إليه روائيون كبار مثل ماريو فارغاس يوسا في كتابه «رسائل إلى روائي شاب» أو ستيفن كينغ في كتابه «عن الكتابة» وغيرهما. ودفعا لكل التباس ليس كتاب «مهنتي هي الرواية» دليلا لكتابة الروايات ولا ورشة تطبيقية على الورق لهذا الفن، بل هو آراء هذا المرشح الدائم لنوبل حول كتابة الروايات مطعمة بكثير من أحداث سيرته الذاتية، ناقش فيه مثلا علاقة الكتابة بالجسد، فالكتابة عنده «عمل بدني، أنا أكتب بجسدي كله وليس عقلي فقط» واستشهد بكتاب يمارسون نشاطا بدنيا يوميا ومنهم كافكا، الذي كان يسبح كل يوم ميلا في نهر فالتافا، لأن الجلوس، حسب رأيه، لساعات طويلة على المكتب مع حضور ذهني وتركيز تام يستلزم جسما سليما قادرا على تحمل ذلك، فالكتابة عنده حفر في الصخر وصبر وتحمل وليست الموهبة الفطرية سوى جزء بسيط منها.
والتكرار الذي يشبهه موراكامي بالتنويم المغناطيسي هو سبيل الإنتاج الأدبي الأسرع. وهذا ما دفعه – في مثال تطبيقي على حياته – إلى ترك أجواء السهر والتدخين والشرب، التي كان يعيشها وهو يدير حانة الجاز، إلى ما يشبه الانضباط العسكري من النوم باكرا والرياضة المستمرة والكتابة اليومية. والحقيقة أن هذه الوصفة ليست دقيقة تماما، فمع أننا نجد شبيها لنظام هذا الكاتب الياباني في مثال نجيب محفوظ وتنظيمه وصرامته، نجد في المقابل عشرات الروائيين كانت الفوضى أسلوب حياتهم، ومنهم روائيون عالميون مثل همنغواي وماركيز.
من المواضيع التي ناقشها موراكامي في كتابه فكرة الأصالة، فهو يشجع الروائي المبتدئ على الوثوق بإحساسه الخاص والإنصات إلى صوت نفسه واتباع إيقاعه، حتى لو خالف بذلك الأعراف الأدبية المتوارثة، وموراكامي نفسه فعل ذلك فرواياته تؤول إلى مرجعيات غربية لا يابانية وقد انتقده المثقفون والنقاد اليابانيون، بل انتقدته حتى شريحة من القراء، باعتبار أن لغته متأثرة بالصياغة الإنكليزية أكثر من اليابانية وهناك من ذهب إلى أنك حين تقرأ له رواية تشعر بأنها ترجمت إلى اليابانية من لغة أصلية أخرى، وهو ينظر إلى الكتابة على أنها رحلة لاكتشاف الذات، فعناصر الرواية مخبوءة في أعماق النفس، وليست في حاجة إلى البناء على نموذج مسبق الصنع، لذلك يصف أسلوبه الإبداعي الخاص بأنه «يسمح للشخصيات بالانبثاق بشكل عضوي، بشكل شبه مستقل، من عملية لا واعية يسميها «الأقزام التلقائية»، مؤكدا الطبيعة العفوية والبديهية للإبداع الأصيل»، ويميز بين الأسلوب، الذي يمكن تقليده، والصوت الذي ينشأ بشكل طبيعي من شخصية الكاتب وخبراته. ولتنمية هذا الصوت يجب التخلص من المؤثرات الخارجية و»السماح للإيقاع الداخلي والنظرة إلى العالم بتوجيه السرد».
من القضايا المهمة التي عرض لها هاروكي موراكامي موضوع الجوائز، وموقفه منها سلبي عموما، مع أنه حاز جوائز كثيرة تتابعت ما بين أول جائزة ينالها (جائزة غونزو 1979) وآخر جائزة (شخصية العام الثقافية لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2025) ولكن استعصت عليه جائزتان إحداهما نوبل وهو من المرشحين الدائمين لها، أما الثانية فلها أثر خاص في نفسه وهي جائزة أكوتاغاوا الأدبية الشهيرة، التي تُعتبر أرفع جائزة أدبية يابانية، ونيلُها اعتراف من أبناء وطنه بأدبه، رغم أن اثنتين من رواياته وصلتا إلى القوائم القصيرة لهذه الجائزة، ثم أقلع عن الترشح لها بعد أن أخبره محرره بأن حكام الجائزة ينظرون إلى رواياته على أنها «سلع مستعملة»، ويذكر حادثة طريفة حين رأى كومة كتب بعنوان «أسباب فشل هاروكي موراكامي في الفوز بجائزة أكوتاغاوا».، لذلك لا يرى صاحب «كافكا على الشاطئ» قيمة كبيرة للتكريم المبني على نيل الجوائز ويتحدى قراءه أن يتذكروا أسماء الفائزين السابقين بالجوائز، ويفضل «القراء الجيدين الذين يدفعون عشرين أو ثلاثين دولارا على الجوائز أو الميداليات أو المديح النقدي» فالجائزة الأدبية يمكنها أن تسلط الضوء على عمل معين، لكن لا يمكنها أن تبعث الحياة فيه. ويبرر موراكامي إعراضه عن الترشح للجوائز الأدبية برغبته في الاستقلال الإبداعي، فالجائزة تقيد المترشح لها بسياسة المانحين وفي أحسن الأحوال بما تتوقع المؤسسة الأدبية، أو النقاد من المترشح لها، ويذهب إلى أن أغلب الجوائز محافظة تكافئ من يسيرون على أساليب أدبية محددة وتتجنب الذين يكتبون خارج الصندوق.
أفكار كثيرة ومتشعبة وردت في كتاب «مهنتي هي الرواية» لهاروكي موراكامي قد نتفق مع بعضها ونختلف مع البعض الآخر، بعضها ساذج يذكرنا بما نقرأه في كتب التنمية البشرية، وبعضها عميق نتيجة خبرة تمتد على قرابة نصف قرن من الكتابة الروائية والتألق فيها، ولكن في الحالات جميعها لا نملك إلا الإعجاب بهذا العداء على الطبيعة وعلى الورق في آن واحد الذي حدد بوضوح ما يريد من فعل الكتابة حين قال: «أريد لقرائي أن يستطعموا هذه العاطفة نفسها حين يقرأون كتبي. أريد أن أفتح نافذة في أرواحهم، يدخل منها هواء منعش. هذا ما يخطر لي، وما أرجو حدوثه حين أكتب، تماما وبكل بساطة».
شاعرة وإعلامية من البحرين