المخيمات ما تزال الأكثر هشاشة في مواجهة العواصف، ما يدفع منظمات المجتمع المدني إلى ابتكار مبادرات لسد الفجوة بين الاحتياج والإمكان، غير أن الحلّ الجذري لا يزال بعيدًا.
يضرب منخفضٌ قطبي قارس مناطق الشمال السوري منذ أيام، مسبباً تساقطاً كثيفاً للثلوج وهطولات مطرية غزيرة، مصحوبة بسيول وانجرافات طينية في عدد من المناطق الجبلية والريفية. ومع هبوط درجات الحرارة إلى ما دون الصفر ليلاً، بدت المخيمات المنتشرة على طول الشريط الحدودي بين إدلب واللاذقية وحلب الحلقة الأضعف في مواجهة العاصفة. فهذه المخيمات- التي ظهرت في الأصل كحلّ مؤقت- ما تزال حتى اليوم تعتمد على خيام مهترئة بلا عوازل كافية أو وسائل تدفئة آمنة أو ما يحول دون غرقها السنوي.
هذا الواقع دفع منظمات مدنية وفرق إغاثة محلية إلى إعلان حالة استنفار واسعة، شملت حملات لتأمين الوقود والحطب، وفتح الطرق المغلقة، وإنقاذ العالقين في الثلوج والوحول، في محاولة للتخفيف من آثار المنخفض وتقليص حجم الأضرار الإنسانية في ظروف مناخية استثنائية.
في مخيمات خربة الجوز الواقعة في المنطقة الفاصلة بين إدلب واللاذقية، أطلق فريق ملهم التطوعي بثًا مباشرًا ضمن حملته الإنسانية «حتى آخر خيمة ـ نصر يكتمل». يبدو واضحاً أن الفريق يسعى إلى نقل صورة مباشرة لمعاناة النازحين الذين حاصرتهم العاصفة داخل خيام لا تقوى على مقاومة الرياح أو منع تسرب المياه.
وسط الطين والثلج تحاول العائلات إشعال نيران بدائية تقيها برد الليل، بينما يتنقل المتطوعون بين الخيام لتوزيع البطانيات والحطب والمدافئ والوقود. وتظهر الأشرطة المصورة المتداولة مشاهد لأطفال حفاة يعبرون برك الطين، وكبار سنّ يلتفون حول مواقد بسيطة داخل خيام تفتقر إلى التهوية، ما يثير القلق من حوادث الاختناق التي تتكرر كل شتاء.
ويؤكد الفريق أن نشاطه ليس استجابةً موسمية، بل امتداد لمسار إغاثي طويل يستهدف المخيمات الأكثر هشاشة، خصوصًا تلك المنتشرة في ريف حلب والمناطق الجبلية حيث تنقطع الطرق سريعًا مع أول موجة ثلج.
وذكرت مصادر لـ«القدس العربي» أن الحملة ستخصص مبلغاً قدره 4000 دولار لترميم كل منزل متضرر، بحيث يُوزع الدعم عبر عدة محافظات بهدف تمكين أكبر عدد من العائلات من العودة التدريجية إلى مساكنها بدلاً من البقاء لسنوات إضافية داخل المخيمات. مع مراعاة لقرية «الكابينة» أعلى نقاط جبل الأكراد والتي شكلت ملحمة عسكرية بين فصائل المعارضة وقوات النظام منذ العام 2015 إلى لحظة سقوط نظام بشار الأسد.
وقال عاطف نعنوع، المدير العام لفريق ملهم، في تصريح مقتضب، إن التبرعات تُدار وفق آليات واضحة تضمن العدالة بين المستفيدين، وإن التركيز على ترميم المنازل القابلة للسكن يشكل خطوة عملية نحو تقليص الاعتماد على الخيام. وأشار إلى مبادرة «حتى آخر خيمة ـ شريك العودة»، القائمة على إنشاء صندوق مالي يمنح قروضًا ميسّرة تُسدّد خلال خمس سنوات، مع إمكانية تغطية جزء من الأقساط عن الأسر الأشد فقرًا عبر التبرعات والزكاة.
ويشدّد الفريق على أن أي حلّ إنساني لا يكتمل بدون معالجة جذرية لملف السكن، لأن استمرار المخيمات يعني استمرار دورة المعاناة، خاصة مع تعاقب العواصف الشتوية عامًا بعد آخر. بالتوازي مع هذه الجهود، أعلنت محافظة إدلب إطلاق حملة إنسانية جديدة لتأمين ألف طن من حطب التدفئة للنازحين، وذلك بتوجيه من المحافظ محمد عبد الرحمن وبدعم من صندوق حملة الوفاء لإدلب. وتستهدف الحملة المخيمات الأكثر عرضةً للعواصف والرطوبة، لا سيما تلك التي تضم عائلات بلا دخل ثابت.
وتوضح الجهات المنظمة أن التوزيع يتم وفق آلية تراعي عدد أفراد الأسرة واحتياجاتها، مع إعطاء الأولوية للأرامل وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. وتأتي هذه الخطوة في ظل تحذيرات من تفاقم الأمراض المرتبطة بالبرد، خاصة بين الأطفال الذين يعيش كثيرون منهم داخل خيام تسربت إليها المياه.
على الصعيد الرسمي، أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث استنفار فرق الدفاع المدني السوري لمواجهة آثار المنخفض. ووفق تقريرها ليوم الأربعاء 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، نُفذت 185 استجابة ميدانية في محافظات حلب وإدلب واللاذقية وطرطوس وحماة وحمص. وشملت هذه الاستجابات فتح 120 طريقاً أُغلقت بسبب تراكم الثلوج والسيول، إضافة إلى التعامل مع أكثر من 65 موقعًا غمرته مياه الأمطار داخل مخيمات ومنازل وأقبية وشوارع رئيسية.
كما سُجلت 17 حادث سير نتيجة الانزلاق وتراجع الرؤية دون وقوع وفيات، بينما تدخلت فرق الطوارئ في 21 موقعًا لسحب سيارات عالقة في الثلوج والوحول.
وفي اليوم التالي، الخميس، وثّقت الوزارة 132 استجابة جديدة في عدة محافظات، ركزت على فتح الطرق وإزالة العوائق وتأمين حركة المرور، إلى جانب الاستجابة لـ61 موقعاً شهد فيضانات و10 حوادث سير، وسحب ثماني سيارات عالقة.
وأكدت الوزارة أن فرقها تعمل على مدار الساعة، خاصة في المناطق الجبلية المرشحة للانقطاع، مشيرة إلى جاهزية غرف العمليات لتلقي البلاغات والتنسيق مع الجهات الخدمية منعًا لشلّ الطرق الحيوية. كما دعت السكان إلى توخي الحذر والابتعاد عن مجاري السيول وعدم استخدام المركبات إلا للضرورة القصوى.
وفي السياق نفسه، كشف رائد الصالح، وزير الطوارئ وإدارة الكوارث في الحكومة السورية الانتقالية، أن فرق الدفاع المدني نفذت خلال العام الماضي أكثر من 135 ألف استجابة إنسانية في مختلف المناطق. وتوزعت هذه الاستجابات بين إخماد الحرائق والإنقاذ والإسعاف وإزالة مخلفات الحرب.
وأوضح الصالح أن الجهاز تعامل مع أكثر من 11 ألف حريق، بينها ثلاثة آلاف حريق منزلي ونحو 2500 حريق في الغابات والأراضي الزراعية، كما سجل الدفاع المدني 350 حالة إنقاذ، إضافة إلى أكثر من 100 ألف حالة إسعاف.
وأشار الوزير إلى أن إزالة مخلفات الحرب تبقى من أخطر المهام، حيث فقد أربعة من عناصر الدفاع المدني حياتهم خلال العام الماضي. كما نُفذت 1100 جلسة توعية حول مخاطر الألغام، استفاد منها نحو 25 ألف شخص، فيما قدم الجهاز أكثر من 18 ألف خدمة مجتمعية مباشرة، شملت ترحيل الأنقاض وفتح الطرق المتضررة.
ويؤكد الصالح أن الدفاع المدني سيواصل أداء دوره كـ«جهاز استجابة أولى» ضمن الإمكانات المتاحة، في ظل استمرار التحديات المناخية والإنسانية.
تشير هذه المعطيات إلى أن المخيمات ما تزال الأكثر هشاشة في مواجهة العواصف. فمع كل منخفض قطبي، تتكرر المشاهد ذاتها: خيام غارقة بالمياه، طرق موحلة، نقص حاد في الوقود، وسكان يواجهون البرد بما تيسر من وسائل بدائية. وتدفع هذه الظروف منظمات المجتمع المدني إلى ابتكار مبادرات لسد الفجوة بين الاحتياج والإمكان، غير أن الحلّ الجذري لا يزال بعيدًا في ظل غياب رؤية شاملة لإعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية.
ويرى ناشطون أن التركيز المتزايد على ترميم المنازل – كما في مبادرات فريق ملهم – يعكس توجهاً لإيجاد بدائل عن الإقامة الطويلة في المخيمات. غير أن هذا التوجه يحتاج إلى موارد مالية كبيرة وإطار تنظيمي واضح لضمان العدالة في اختيار المستفيدين، وتجنب خلق فجوات اجتماعية بين من يحصل على الدعم ومن يُستثنى منه.
ومع استمرار تأثير المنخفض القطبي على مناطق واسعة شمالي سوريا، يواصل المتطوعون وفرق الدفاع المدني عملهم في ظروف شديدة الصعوبة. فالطرقات الجبلية الزلِقة، ونقص المعدات، وتواضع الدعم اللوجستي، كلها عوامل تجعل كل تدخل إنساني مغامرة غير محسوبة. لكن كما يردد كثير من المتطوعين «لا خيار آخر»، فالتراجع يعني ترك آلاف العائلات تواجه الشتاء وحيدة.
في النهاية تبقى قصة الشمال السوري مع البرد أكثر من مجرد حدث موسمي. إنها مرآة لوضع إنساني معلق بين خيمة وبيت قيد الترميم؛ حيث يبحث النازحون عن دفء صغير يكسر قسوة الليل، بينما تأمل فرق الإغاثة أن تسهم جهودها مهما بدت محدودة، في تخفيف جزء من المعاناة، ولو إلى حين.