من يقدر على كل ذلك؟

تقول بعض التقارير التي يحاول أصحابها أن يكونوا أكثر دقة وصدقاً، إن أعداد ضحايا المجزرة الإبادية الإسرائيلية تقترب من السبعمئة ألف فلسطيني، وتسعى حثيثاً نحو المليون رجل وامرأة وأغلبية من الأطفال. ليس هناك مصادر موثقة لهذا العدد، فالآلة الصهيونية تمنع كل مؤسسة إنسانية حقوقية من الدخول والتيقن من المعلومات، كما أنها تمتنع عن إعلان أي أرقام لضحاياها. حتى إن حليفهم السابق الإعلامي بيرس مورغان، الذي انقلب عليهم بغرابة لا تغفر له مواقفه السابقة، أصر على مواجهة بعض من سياسييهم الذين ظهروا معه على البرنامج بأعداد ضحاياهم ضغطاً منه عليهم لإعلانها، فيما هؤلاء الساسة بقوا يصرون على أن العدد غير معروف، وأنه ليس برقم يذكر! مورغان واجههم بالسؤال: تعرفون أعداد «الإرهابيين» الذين يهاجمونكم وتقتلونهم، ولا تعرفون أعداد المدنيين القتلى؟ جوابهم الذي يختفي في متاهات التمييع والتبرير الحقيرين دوماً ينتهي بـ «لا»، لا توجد أعداد معلنة أو معروفة.
إلا أن كمية التفجير وأعداد القنابل الحارقة الرهيبة، وكأن مئات إن لم تكن آلاف القنابل النووية تقبع الآن في أرض غزة، ومشاهد الحرق والقصف والقنص مضافاً إليها مشاهد التجويع والحرمان من الطبابة والتهجير المستمرين، كل تلك تدل على الأعداد، وتشهد على فداحتها، تبيحها أرقاماً واضحة أمام أعيننا، تخبرنا عنها صوتاً وصورة بلا حاجة لإحصائية متقنة تعلمنا بالأرقام الفلكية غير المسبوقة. في الواقع، أعداد ضحايا المجزرة الإبادية المستمرة تتعدى حتى تلك المعلنة في أشد التقارير دقة وأعلاها أرقاماً؛ فالمدفونون تحت الركام، والمفقودين بين الأنقاض، والغائبون في السجون، والمتوفون غيبياً في البيوت وعلى أرضيات المستشفيات المهجورة، كلهم وغيرهم الكثيرون يبقون أعداداً مفقودة، يبقون أرقاماً غائبة عن الورق، ويستمرون مسؤولية وألماً وعذاب ضمير في وعي ولاوعي الإنسانية جميعها.
ولكن هناك أعداداً أخرى من المقتولين الذين لا يخطرون في حسبة أي آلة دقيقة أو تقرير صارم، أعداداً تبدو أنها لأناس من ضمن الأحياء ولكنهم في الواقع موتى، أجساد تتجول والسكاكين بارزة في قلوبها، والشظايا ظاهرة في أنحائها، والطلقات محفورة بفجوات عميقة على أجزائها المختلفة. هناك مقتولون لا تظهر عليهم علامات الموت؛ أرواحهم مصلوبة، وأفكارهم منحورة، ورغباتهم وآمالهم وحتى حبهم الغريزي الطبيعي للحياة متوقفة… كلها تجمدت يوم تجمدت الإنسانية وماتت بالسكتة المفاجئة في أكتوبر 2023. هناك، هؤلاء الذين حولهم الجوع إلى كتلة عذاب، هؤلاء الذين أفقدهم الفقد أرواحهم، هؤلاء الذين جردهم التشرد والهروب المستمر والقصف المتكاثف من القدرة على الرؤية والاستماع والإحساس الطبيعيين، هؤلاء الذين أخلاهم التخلي والخيانة والتجاهل العالمي من داخلهم، حتى من قدرتهم على التوجع أو الغضب أو البكاء. كل هؤلاء ميتون، أعدادهم غير محصاة، ودماؤهم غير المرئية في رقابنا جميعاً.
وهناك، هؤلاء الذين يساندون جريمة العصر الإسرائيلية، وهؤلاء الذين يبررون للصهاينة وأولئك الذين يقفون بلا تعبير، بلا تفاعل وكأن مجزرة المليون إنسان الآخذة في التجلي أمام أعينهم لا تعنيهم. هناك، هؤلاء الذين يرون في مقاطعة كوب قهوة مبالغة، هؤلاء الذين يحيون حياتهم بلا التفاتة، بلا مبالاة، بلا أي جهد، ولو كان مجرد «امتناع عن» لا «سعي إلى»، هؤلاء الذين يمرون على صور الأطفال المذبوحين بلا تفاعل يذكر، ألا يفترض أن يعد هؤلاء في عداد الأموات؟ ألم تقتلهم إسرائيل كذلك؟ ألم تقنص وعيهم وتفجر ضمائرهم وتنحر قدرتهم الإنسانية الطبيعية على التفاعل والتعبير؟
ترى، إذا توقفت الإبادة وإذا ما صفحت هذه الإبادة عن البعض من أهل غزة وأبقتهم أحياء بيولوجياً، وإذا ما تركت الأرض على خرابها مقراً لعودة أهلها إليها، وإذا ما مرت بلا حساب أو عقاب مثلما مرت الحروب الإبادية السابقة على غزة مع فارق أن السابقات لم يُسجلوا صوتاً وصورة ونقلاً حياً كما ُسجلت الإبادة الحالية، ترى… إذا ما حدث كل ذلك، هل سيحسب من بقي من أهل غزة من الأحياء؟ هل سيستطيعون العودة لأي درجة من الطبيعية، لأي مستوى من مزاولة الحياة اليومية؟ هل سيعود من تبقى من أهل غزة بروح قادرة على الاستمرار في الحياة وعلى إعادة البناء وعلى البدء من جديد؟
تلك تجربة بشرية جديدة لم يسبق لعنفها مثيل في العصر الحديث. وعليه، حقيقة، نحن لا نعرف ما سيكون عليه حال من تبقى من أهل غزة، ما ستكون عليه نفسياتهم وحالتهم الذهنية. على من تبقى من أهل غزة أن يتعاملوا مع واقع فقد أعداد هائلة من أهاليهم وأصدقائهم ومعارفهم وعائلات بأكملها، كانت تحيا بينهم وبدفعات كبيرة متتالية وفي وقت قصير، عليهم أن يتعاملوا مع ذكرى آخر ما قال هؤلاء الأحبة، آخر ابتسامة وآخر لقاء وآخر حضن، عليهم أن يتعاملوا مع ذكرى أشلاء الأطفال محملة في أكياس، مع ذكرى جوع فاحش وعطش حقير ومرض مستشر، عليهم أن يتعاملوا مع ذكرى خوف مستتب عميق متجذر كأنه ليل دامس لا تنبجس له شمس، خوف من الطلقة القادمة، من الصاروخ القادم، من التهجير القادم، من عبور الطريق تحت وابل الرصاص، عليهم أن يتعاملوا مع ذكرى النذالة المتربصة بهم عند مقار توزيع الأغذية، مع ذكرى اندلاق الطعام الحار القليل على رؤوسهم وأجسادهم في سعيهم الحثيث وتدافعهم الهادر للحصول على لقمة تسد الرمق. كيف يعيش إنسان مع كل هذه الذكريات؟ مع كل هذه الآلام والأحزان والمخاوف المدقوقة دقاً كالمسمار في قطعة لحم؟
هذا فقط؟ لا. على الغزاويين أن يعيشوا مع فوبيا الصوت العالي، مع رعب الاستماع لصوت شيء ثقيل يقع على الأرض مثلاً، أو صوت إغلاق باب أو نفير سيارة عال. على الغزاويين الكبار أن يتذكروا وجوه صغارهم ملفوفة بالبياض ينهال عليها التراب، وعلى الغزاويين الصغار أن يتذكروا وجوه آبائهم وأمهاتهم صامتة ساكتة تستقبل التراب المنهال عليها دون رد على توسلاتهم ونداءاتهم. على الغزاويين عموماً أن يتذكروا رجاءاتهم عند معبر رفح، تذكيراتهم للعرب والمسلمين على كل مرئي ومسموع، مطالباتهم وصرخاتهم واستغاثاتهم التي باءت كلها بالفشل وما حصدت سوى التجاهل والإهمال. على الغزاويين أن يحاولوا تفهم كيف أن علبة مشروب غازي أهم من دمائهم المسالة، وسندويتش لحم معطوب أثمن من أجسادهم الطاهرة الدامية.
على الغزاويين أن يتعاموا مع الكثير في آن واحد، أن يتعاملوا مع ذكرياتهم القاهرة، أحزانهم الطاغية، غضبهم وأوجاعهم الملحة، أجسادهم المعطوبة وأرواحهم المنكوبة، عليهم أن يتعاملوا مع الخيانة والإهمال والتجاهل من أقرب الأقرباء، عليهم أن يتعاملوا مع كل هذه الذكريات والآلام والمخاوف المرعبة والأوجاع النفسية والجسدية فيما هم يعيدون بناء غزتهم ويبدأون حياتهم بأكملها من جديد. ترى، من يقدر على كل ذلك؟
أعداد قتلى الصهاينة أعلى بكثير جداً من المعلن، لربما كل أهل غزة قتلى، قُتلت أرواحهم في أجساد لا تزال بالكاد تتحرك، ومن قتلها ليس فقط الصهاينة بأدوات الإبادة وبضروب التعذيب الممارسة عليهم، ولكن كذلك أولو القربى وشركاء الأصل والدين والدم، وهؤلاء -لعمري- ضربتهم أكثر وجعاً وأعمق انغراساً وأبقى أثراً. ترى، كم سيأتي جيل من الغزاويين ويغادر قبل أن تبدأ بوادر التشافي بالظهور؟
وترى، هل من شفاء أبداً للروح المعطوبة لهؤلاء الذي شهدوا وساندوا أو نظروا فتجاهلوا، أو سمعوا الصراخ الذي شق سماء الكرة الأرضية بأكملها وتوجهوا بصلافة لشراء ذلك السندويش المعطوب الذي يمول الجيش الصهيوني؟ لا أعتقد، هؤلاء سيبقون في عداد الموتى لآخر يوم في حيواتهم الرخيصة. عظم الله أجورنا بهم.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية