في يومها العالمي، الذي يصادف الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول من كل سنة، استطاعت اللغة العربية أن تحتفي بذاتها من داخل أروقتها التي تقاذفها الزمن، وطوحتها السنين، ولم تعد تلك اللغة السهلة، والمتجاوزة، بل اللغة التي تحظى باهتمام كبير من لدن المراكز اللغوية عبر العالم، لا لأنها لغة التواصل فحسب، وإنما لغة الإبداع، والفن والعلم أيضا. وكسائر المراكز، احتفى مركز دراسات اللغة العربية في الثانوية الفرنسية ليسي روني ديكارت في الرباط، باليوم العالمي للغة العربية، وفيه تم استدعاء نقاد، ومفكرين، وسيميائيين، وشعراءَ، وروائيين، وبلاغيين، وتشكيليين مغاربة للمشاركة في هذا الاحتفاء الكبير.
ولعل من بين أهم القضايا التي أثارت نقاشا حادا، وحامي الوطيس بين المشاركين؛ علاقة الفن بالواقع. فكان شبه إجماع على أن النهم القرائي يخلق للقارئ صفة المبدع. إن معالجة مواضيع كهذه، تمر عبر مصفاة الشكلانية الروسية، لأنها هي التي أرخت بظلالها الوارفة، على النقد والإبداع الأوروبيين، ومن حيث إنها ـ أي الشكلانية ـ أتاحت للدارسين سبل اكتشاف الفن في الإبداع من جهة، والكشف عن الواقع من جهة أخرى، عن طريق البحث عن العناصر الأدبية الثاوية في النص الأدبي. ولم يكن الإيقاع الداخلي للقصيدة، مثلا، سوى ضفيرة فنية يكشف عن الساق الفنية للشعر، والكلام الموزون. فضلا عن خطية البداية، والعقدة، والحل في النصوص السردية، التي تعطي فرصة للقارئ أن يلج عوالم التخييل، وبالتالي تمكنه من أن ينسج، ذهابا وإيابا، عوالمه القرمزية. أسوة بإبداعات، في مجال القصة القصيرة، كل من غوغول، وتشيخوف، وإدغار ألان بو، وغي موبسان. هؤلاء هم الذين رسموا الخطية في الإبداع، ليتم تجاوزها والقفز عليها، بعد أن هيمنت في الساحة الأدبية زهاء ثلاثة قرون. علاوة على ظهور مذاهب حديثة في الأدب، اعتبرت ما جاءت به الشكلانية ضربا من انعدام الحرية في الإبداع.
في معزل عن النص، وعن كل ما يتصل به، قامت الشكلانية الروسية إقامة أبدية، من داخل أروقة الأجناس الأدبية، بتشريح منهجي وممنهج للبناء النصي؛ بهدف البحث عن الفنية التي تسبح فيها النصوص الأدبية. في هذا العمل الجبار، استطاع كل من يوري لوتمان، ورومان جاكبسون، وتينيانوف، وإيخنباوم، وباختين من بناء حصن حصين، ومنيع للنص الأدبي. لم تعد اللغة الأدبية تخون النص كما خان الشاعر وطنه من قبل، ففجر فيها بؤر الانزياح، وينابيع الهدم، والبناء والتشييد. فكانت اللغة تتحمل ما لا تستطيع من معان تذهب إلى حدود الحلم والهذيان والتيه.. ولما لا إلى الجنون.
إن يوري تينيانوف، في هذا الصدد، أقر بأن الفنية لا تأتي إلا عبر تفاعل عدة عوامل داخلية في النص، منها: النبر، والإيقاع، والنظم، والأسلوب، واللغة. وبالتالي تجشم تينيانوف عناء دراسة نصوص دهاقنة الأدب الروسي أمثال، دوستويفسكي وغوغول، لسبب رئيس هو البحث عن الأسباب الخفية، التي دفعت بنصوصهما إلى هذا الانتشار الواسع في أوساط الثقافة الروسية. فمن بين العناصر البارزة، التي سلط عليها تينيانوف الضوء نجد: الباروديا، وصراع الأضداد، فضلا عن البنية السردية للنص السردي، وتشريح الأفضية التي تأوي الشخصيات والأحداث. غير أن رومان جاكبسون، وكلود ليفي شتراوس كانا سباقين إلى إنزال الدراسة البنيوية الخاصة بالشعر الأوروبي من برجها العاجي، عندما التجآ سنة 1962 إلى تحليل قصيدة «القطط» لشارل بودلير، تحليلا خاصا بالأنساق الصوتية والصرفية والتركيبية؛ استجلاء للشعرية التي أضحت الفيصل في البناء الفني للقصيدة.
كما بودلير كما بدر شاكر السياب عندما التجأ إلى المطر في قصيدته «أنشودة المطر»، حيث حمل هذا الأخير فسيفساء المعاني؛ فتارة يأتي بمعنى الموت، وتارة يأتي بمعنى الحياة، وأخرى يجيء بمعنى النماء.. وهكذا. فالفنية لا تأتي من العبارة، بل في نظمها وتصفيفها إلى جانب المعاني الأخرى، كما أقرها عبد القاهر الجرجاني. ولعل قطط بودلير ترمز إلى النساء، وإلى الديمقراطية في الوقت ذاته. فاللغة حسب جاكبسون هي التي تحيل إلى فسيفساء المعاني؛ لأن الوظيفة اللغوية تلعب دورا في تشكيل هذا الاختلاف في الأذواق وفي المعاني.
وعودة إلى القضايا التي أثيرت في اليوم العالمي للغة العربية، فالقراءة وحدها، في نظري، لا تبعث على الفنية؛ لأن هذه الأخيرة تستدعي عيونا نابهة، ذات صفة الفنان المتمرس في استخراج الآليات التي تخلق من الإبداع فنا، أو من الأدب أدبا. في المقابل فالاشتغال بالاستعارة تمنح لنا اللغة الأدبية البعيدة عن الواقع، في حين الكناية تكون أشد ارتباطا بالواقع، بما هي تسري في القول المأثور كثيرا.
كاتب مغربي