من كانبيرا إلى سوريا وكولومبيا.. المرتزقة يغيرون وجه الصراع الروسي- الأوكراني

حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا أعده مارك بيننتس وجين فلانغان وستيفين غيبس، أشاروا فيه إلى الكيفية التي غير فيها المرتزقة الأجانب وجه الحرب في أوكرانيا.

فعندما أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، كانت الحرب تجري بين جارتين، إلا أنها وبعد مرور أربع سنوات تقريبا، أصبحت ساحة دولية يقاتل فيها الكولومبيون والكوريون الشماليون على جانبي الصراع.

 فقد اتخذت أكبر حرب في أوروبا منذ عام 1945 بعدا عالميا، حيث تسعى موسكو وكييف إلى تعزيز جيوشهما المنهكة بآلاف المجندين/المرتزقة الأجانب من جميع قارات العالم باستثناء القارة القطبية الجنوبية، وغالبا ضد رغبة حكوماتهم.

وتقول الصحيفة إن البعض يرى في الصراع صورة عما سيؤول إليه جيل كامل، وسيشكل صورة العالم لسنوات. وبالنسبة للبعض الآخر، فهو فرصة لكسب أضعاف ما يمكنهم كسبه في بلادهم إن نجوا من جحيم الحرب.

وقد أبرزت مقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع، بما في ذلك مقطع يظهر جنديا روسيا وهو يجبر مجندا أفريقيا يطلق عليه “قنبلة بشرية” على اقتحام الخطوط الأوكرانية، مدى سهولة التضحية ببعض المقاتلين الأجانب بالنسبة لموسكو.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي، كشف المسؤول العسكري الأوكراني ديمترو أوسوف أن روسيا جندت ما يقرب من 18,000 متطوع أجنبي من 37 دولة أجنبية، فيما لم تكشف أوكرانيا عن عدد المجندين الأجانب، حيث تضع تقديرات عددهم بنحو 15,000 شخص من 70 دولة أو يزيد. وفي كلا الحالتين، يذهب المجندون للقتال بسبب محفزات مالية، فيما خدع الروس الكثيرين منهم حسب التقارير الأوكرانية. وأخبر الأوكرانيون الجيش البريطاني أن نسبة أسرى الحرب في المعارك الأخيرة هم هنود وأفارقة.

وفي الجانب الأوكراني، يشكل المجندون من أمريكا اللاتينية نسبة 40%، غالبيتهم العظمى من كولومبيا، حيث أكسبت سنوات من المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية وجماعات حرب العصابات اليسارية والجماعات شبه العسكرية اليمينية، العديد من الرجال خبرة قتالية.

وشارك كولومبيون من اللواء الآلي المنفصل 47 الأوكراني العام الماضي في توغلات في غرب روسيا، حيث واجهوا قوات كورية شمالية نشرها كيم جونغ أون، حليف الكرملين، لدعم موسكو. وفي معركة استمرت عشرة أيام في نيسان/ أبريل، يقال إن الكولومبيين المسلحين بصواريخ “سكيف” المضادة للدبابات، المصنعة في أوكرانيا، دمروا أربع مركبات مدرعة روسية مكتظة بالجنود الكوريين الشماليين.

ويعتقد أن أكثر من 500 كولومبي قتلوا في أوكرانيا منذ عام 2022، وهي أعلى حصيلة من أي دولة خارج أوكرانيا وروسيا.

ورغم ما يقوله إديسون فابيان مينديز عن أنه سافر إلى أوكرانيا لحماية “سيادتها وحقوقها وحريتها”، إلا أن الحافز الذي يدفع العديد من مواطنيه هو راتب يصل إلى 190,000 هريفنيا (3,395 جنيها إسترلينيا) شهريا، مقارنة بما يعادل 260 جنيها إسترلينيا شهريا كجندي في جيش بلاده.

ولدى آخرين دوافع أكثر خبثا: ففي تموز/ يوليو، حذر مسؤولون في المخابرات المكسيكية كييف من أن أعضاء عصابات المخدرات الكولومبية والمكسيكية يتطوعون لاكتساب خبرة في تشغيل الطائرات المسيرة.

وإلى جانب المقاتلين من أمريكا اللاتينية، هناك ما يصل إلى 3,000 شخص من أمريكا الشمالية انضموا إلى “الفيلق الدولي” الذي أعلنت عنه أوكرانيا، قبل حله لاحقا. ومن بينهم كارل جونسون، وهو عامل سابق في مجال الرعاية والعناية المركزة من كاليفورنيا، والذي ساعد في إجلاء القتلى والجرحى من خطوط المواجهة، بما في ذلك أثناء القصف المدفعي الروسي. وساهم في عام 2024 بالكشف عن جثة جيمس ويلتون، أصغر بريطاني قتل في الحرب حتى ذلك الحين. كان ويلتون، الذي لم تكن لديه أي خبرة عسكرية سابقة، يبلغ من العمر 17 عاما عندما غادر منزله في هدرسفيلد متوجها إلى كييف.

ورأى جونسون، البالغ من العمر 53 عاما، أوجه تشابه بين الوضع في أوكرانيا والحرب الأهلية الإسبانية التي دارت رحاها بين عامي 1936 و1939، والتي استقطبت متطوعين للقتال ضد القوات القومية المدعومة من النازيين. ومع ذلك، انتقد جونسون بشدة القيادة العليا الأوكرانية، متهما إياها بإرسال الفيلق إلى هجمات “عبثية وغبية” و”إهدار جميع قواتنا”.

وكانت غلينا مانشيغو، التي يعرف اسمها العسكري باسم “بيبي دوك” مواطنة أمريكية أخرى استجابت لنداء الرئيس فولوديمير زيلينسكي للمساعدة، على الرغم من اعترافها بأنها “لم تكن تعرف مكان أوكرانيا على الخريطة” قبل الغزو الروسي. وعلى الرغم من أهميته لأوكرانيا كوسيلة لإظهار قوة الدعم الدولي لكييف، تم حل “الفيلق الدولي” بهدوء في كانون الأول/ديسمبر، وأُعيد نشر كتائبه في وحدات الهجوم داخل الجيش الأوكراني.

بينما تقول القيادة العسكرية في كييف إن الفيلق قد استنفد غرضه، قال قادته الأوكرانيون والأجانب الذين انضموا إليه إن القرار من المرجح أن يقلل من عدد الأشخاص القادمين للقتال.

وأفاد مصدر لصحيفة “التايمز” أن عشرات الأجانب نقضوا عقودهم مع الجيش الأوكراني بدلا من المشاركة في مهام هجومية، مضيفا أنهم اعتبروا قرار حل الفيلق “عارا”.

كما قاتل أمريكيون إلى جانب بوتين، وكان أبرزهم مايكل غلوس، نجل جوليان غالينا، نائبة مدير وكالة المخابرات المركزية للابتكار الرقمي.

وقتل غلوس في أوكرانيا العام الماضي بعد انضمامه إلى وحدة هجومية روسية، وحصل بعد وفاته على وسام لينين.

ويعد القادمون من كوبا، الأكبر من بين المقاتلين الأجانب، ويعتقد أن عددهم يتراوح بين 1,000 و5,000 مقاتل. ورغم دعم هافانا للحرب الروسية، إلا أنها نفت إرسال أي قوات.

ويعتقد أن ما لا يقل عن 45 مقاتلا بريطانيا لقوا حتفهم في أوكرانيا. وقد تم التعرف على أكبرهم سنا، وهو جيمس شورت، الذي كان يبلغ من العمر 69 عاما عندما قتل عام 2023. ولا تزال الظروف الدقيقة للعديد من الوفيات غامضة. وفي الشهر الماضي، سجن هايدن ديفيز، الجندي السابق الذي أسره الروس، لمدة 13 عاما بتهمة العمل كمرتزق. وقال هايدن إنه سافر إلى أوكرانيا للانضمام إلى الفيلق الدولي، الذي قال إنه كان يدفع له ما يصل إلى 500 دولار شهريا. وقالت بريطانيا إنه أسير حرب ويحق له التمتع بالحماية القانونية بموجب اتفاقية جنيف.

وقد قاتل بعض المواطنين البريطانيين إلى جانب بوتين. فقد حكم على بن ستيمسون، من أولدهام، بالسجن خمس سنوات عام 2017 بعد عودته من شرق أوكرانيا، حيث انضم إلى القوات المدعومة من روسيا. ثم عاد إلى موسكو بعد إطلاق سراحه، وانضم إلى الجيش الروسي عقب الغزو. وكتب في منشور حديث على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد أصبحت جزءا من روسيا وتاريخها”.

ويقال إن نحو مئة رجل من صربيا، التي تربطها علاقات تاريخية عميقة بروسيا، يقاتلون إلى جانبها، إلى جانب متطرفين من اليمين المتطرف من مختلف أنحاء أوروبا. ومع ذلك، فقد انحازت الغالبية العظمى من الأوروبيين إلى جانب أوكرانيا. حتى جزر فارو، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 55,000  نسمة، ممثلة في هذه الحركة.

وتعد أفريقيا أرضا خصبة للتجنيد الروسي، فسكانها في نمو متزايد وفي سن الشباب، ويتزايد عددهم في المدن، ويتمتعون بمهارات تقنية عالية، ويتوقون إلى فرص العمل في الخارج في ظل محدودية الآفاق المتاحة لهم في بلادهم. وتشير تقديرات كييف إلى أن أكثر من 1,400 شخص من عدة دول في أنحاء القارة يقاتلون في صفوف روسيا، وكثير تم خداعهم.

وفي هذا الشهر، اتهمت القوات الروسية بزرع لغم مضاد للدبابات على صدر مقاتل يزعم أنه من أفريقيا، وإجباره على التقدم أعزلا نحو مواقع أوكرانية. وأظهر مقطع فيديو جنديا يدفع الرجل، الذي عرف عن نفسه باسم فرانسيس، تحت تهديد السلاح عبر خندق. ولم يعرف مصيره.

وفي جنوب أفريقيا، كشفت محنة 17 رجلا، يدعون أنهم خدعوا للانضمام إلى قوات الكرملين، مدى نفوذ الشخصيات الموالية لموسكو. وقد أدت هذه القضية إلى انقسام عائلة جاكوب زوما، الذي كان حليفا لبوتين خلال فترة رئاسته بين عامي 2009 و2018. ورفعت ابنته، نكوسازانا زوما-منكيوب، دعوى جنائية ضد شقيقتها، دودوزيل زوما-سامبودلا، متهمة إياها بخداع الرجال للسفر إلى روسيا بحجة تدريبهم على الحراسة الشخصية. ودفعت هذه الفضيحة زوما-سامبودلا إلى الاستقالة من منصبها كنائبة في البرلمان عن حزب والدها، وقد نفت ترتيب إرسالهم، وقالت إنها نفسها تعرضت للتضليل من قبل شخص ادعى إدارة برنامج تدريبي شرعي في روسيا.

ويقال إن الكاميرون فقدت المئات من جنودها لصالح موسكو، وحظرت على أفرادها السفر إلى الخارج دون إذن.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 200 كيني جندوا أو خدعوا لمساعدة روسيا من قبل عملاء عرضوا عليهم مكافآت مغرية. ومنهم العداء إيفانز كيبيت، الذي قال إن وكيلا رياضيا دعاه للمشاركة في سباق في سانت بطرسبرغ، ليقتاد بعدها إلى معسكر عسكري حيث قيل له: “إما أن تذهب للقتال أو سنقتلك”.

وتعتبر كوريا الشمالية الدولة الوحيدة التي اعترفت بنشر قوات على خطوط المواجهة، وإن كان ذلك فقط لمساعدة موسكو في طرد قوات كييف من غرب روسيا، وليس لعبور الحدود إلى أوكرانيا. كما استقطبت موسكو أعدادا كبيرة من المقاتلين من أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، وهي جمهوريات سوفيتية سابقة في آسيا الوسطى، بوعود رواتب عالية وجواز سفر روسي.

ووقع مئات الرجال من الهند ونيبال واليمن ضحية خداع عملاء مجهولين، حيث تم تجنيدهم للقتال في صفوف بوتين. وكان سونو كومار، الذي سافر من الهند بتأشيرة طالب، واحدا ممن انتهى بهم المطاف في الجبهة بعد أن وعد بوظيفة حارس أمن، وفقا لما ذكرته عائلته. وقتل في أيلول/سبتمبر، وأُعيد جثمانه إلى الهند مع زي عسكري وعلم روسي. وقال شقيقه، فيكاس، لوسائل الإعلام الهندية: “لم يكن جنديا. لماذا أُرسل إلى الموت؟”.

وفي نيسان/أبريل، أثار اعتقال أوكرانيا لمواطنين صينيين اثنين كانا يقاتلان في صفوف روسيا، اتهاما من زيلينسكي بأن بكين تتغاضى عن تجنيد مواطنيها. وقال إن ما لا يقل عن 155 رجلا صينيا كانوا ضمن قوات بوتين. ويقال إن مئات الجنود السوريين انضموا إلى الجيش الروسي حتى سقوط بشار الأسد، حليف الكرملين، عام 2024.

وحثت أستراليا مواطنيها على عدم السفر إلى أوكرانيا، لكن هذا لم يمنع البعض. في نيسان/ أبريل، أُبلغ عن فقدان كاليب ليست، عامل سابق يبلغ من العمر 25 عاما من كوينزلاند، في منطقة خاركيف بعد قتال عنيف. قال عمه لوسائل الإعلام الأسترالية إنه ذهب إلى أوكرانيا لأنه صدم بالغزو الروسي ورأى في ذلك فرصة لتحقيق طموحه في الخدمة العسكرية. وأضاف: “لطالما حلم بأن يكون جنديا”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية