واشنطن: بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رافعا شعار وضع مصالح الولايات المتحدة فوق أي اعتبار، لمس حلفاء لواشنطن واقعا جديدا تمثّل في أن للصداقة مع واشنطن حدودها، وهو ما انعكس في الضربات الإسرائيلية على قطر وخرق مسيّرات روسية أجواء بولندا، أو فرض تعرفات على شركاء مثل الهند.
الثلاثاء، تعرضت قطر، وهي حليف رئيسي لواشنطن وتستضيف أكبر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، لغارات جوية نفّذتها إسرائيل، أوثق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
واستهدفت الغارة الإسرائيلية قادة حماس في الدوحة التي استضافت جولات تفاوض غير مباشرة بين الطرفين سعيا للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب في غزة. وأكدت الحركة الفلسطينية نجاة رئيس وفدها المفاوض خليل الحية من القصف.
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه اتخذ قرار شنّ الهجوم بشكل “مستقل”. وعلى رغم أن الضربة لقيت انتقادا علنيا نادرا من ترامب لإسرائيل، شدّد وزير خارجيته ماركو روبيو على أنها لن تغيّر في العلاقة الوثيقة بين الدولة العبرية والولايات المتحدة التي تدعمها سياسيا وعسكريا.
لكن طبيعة العلاقة مع حلفاء آخرين للولايات المتحدة لم تعد بالضرورة توفر الضمانة عينها منذ عودة ترامب إلى الرئاسة في كانون الثاني/ يناير.
ليل الثلاثاء الأربعاء، قالت بولندا إن نحو 20 مسيّرة روسية اخترقت مجالها الجوي. وفي حين أثار ذلك ردود فعل قوية في وارسو والحلفاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة عمليا، كان ردّ الفعل الأمريكي أقل حدة، اذ قال ترامب إنّ موسكو ربما ارتكبت “خطأ” غير متعمد.
لكنّه حذّر من أنّ صبره حيال نظيره الروسي فلاديمير بوتين “ينفد سريعا”.
لم تحقق جهود ترامب الرامية إلى التوصل إلى سلام في أوكرانيا أي تقدّم في ظل امتناع موسكو عن تقديم تنازلات، على رغم تواصله المباشر مرارا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على عكس التوجه الغربي إلى عزل الأخير دوليا.
وبعيدا من النزاعات العسكرية، فرض ترامب رسوما تجارية باهظة على دول تعدّ شريكة للولايات المتحدة، مثل الهند. وهو ربط ذلك بمعاقبة نيودلهي على مواصلتها شراء النفط من روسيا.
ولم تعفِ علاقة التحالف كوريا الجنوبية من تداعيات إجراءات إدارة ترامب، اذ تمّ توقيف المئات من مواطنيها في عملية دهم لعناصر إدارة الهجرة، قبل إعادتهم إلى بلادهم هذا الأسبوع.
ويرى داميان مورفي، المساعد السابق في الكونغرس الذي أصبح مسؤولا في “مركز التقدم الأمريكي” للأبحاث المتخصّص في السياسة الدولية والأمن القومي، أنّ “السياق الأعمّ (في هذه الأحداث) هو الضعف والفوضى والغرور”.
ويوضح أنّ “نتنياهو وبوتين اللذين يلمسان ضعفا (لدى الإدارة الأمريكية)، يحاولان استغلال الوضع وينجحان في تفادي تبعات (ما يقومان به)، وهو ما لا يجب أن يحصل عادة”.
ويؤكد ترامب ومستشاروه أن المصالح الأساسية للولايات المتحدة تتصدر أولوياتهم، ويقلّصون التزامات مكلفة وغير ضرورية امتدت عقودا، في تناقض مع وعود الإدارة السابقة للديمقراطي جو بايدن بالتركيز على التحالفات.
ويرى مورفي أنّ الواقع الجيوسياسي يناقض تصريحات ترامب بأنّ بوتين ما كان ليبدأ غزو أوكرانيا في العام 2022 لو كان هو، وليس بايدن، رئيسا للولايات المتحدة في ذلك الوقت.
ويضيف “نشهد تزايدا في عدد الدول التي تُدرك أنّ هناك ضعفا لدى إدارة ترامب وتحاول اختبارها”.
وفيما يتعلق بكوريا الجنوبية والهند، يقول مساعدو ترامب إنه يفرض على شركاء بلاده المعايير ذاتها، أو حتى أكثر، مما هو متوقع من الجميع.
ورأى ترامب أن الضربة الإسرائيلية على قطر لم تكن في صالح واشنطن والدولة العبرية، في موقف مناقض بشكل صريح لما قام به في حزيران/ يونيو عندما هاجمت إسرائيل إيران، اذ تدخلت واشنطن في حينه ووجّهت ضربات لثلاث منشآت نووية في الجمهورية الإٍسلامية.
ويعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو بول بوست أنّه بالنسبة لإسرائيل وروسيا “هناك انطباع بأنّ ترامب سيسمح لبعض الأفعال أن تمرّ بدون عقاب”.
وقال إنّ نتنياهو يثق بأنّ دعم ترامب له قوي للغاية، بينما يعتقد بوتين أنّه قادر على “تجاوز الحدود” بينما لا يزال الرئيس الأمريكي يأمل في التوصل الى تسوية في أوكرانيا.
وفي عالم يشهد أكبر عدد من النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية، يرى بوست “علامات على اتجاه أوسع نطاقا بكثير، يتمثّل في أنّ دولا وجهات باتت أكثر جرأة على اتخاذ إجراءات عسكرية والانخراط في نزاعات، لأنّ الالتزام الأمريكي لم يعد على المستوى الذي يسمح لواشنطن بأن تكون شرطي العالم”.
(أ ف ب)