بعد أن ينطفئ الإنسان هل تبقى أفعاله؟ أم يستمر فقط ما يقال عنه عن حق أو باطل؟ قلة هم الذين قدحوا في الرجل لما بلغهم نبأ موته وخاضوا في جانب وحيد من سيرته يخص مواقفه من الشريعة والميراث، فكفّروه وأخرجوه من الملة، مثلما فعل الداعية وجدي غنيم، لكن بالكاد كانت أصواتهم تسمع في تونس، التي فعل إعلامها الرسمي وغير الرسمي اقصى ما استطاع ليثبت أن الراحل كان زعيما وطنيا متشبعا بقيم الاسلام.
في سجل السبسي حسنة قد تكون بسبعين أمثالها وهي حماية الثورة الديمقراطية والحريات وصيانتها من كل المخاطر
أما الآن وهو يرقد تحت التراب فمن تراه سيفكر فيه وفي تجربته خارج تلك العلاقة، فينظر لجوانب أخرى من حياته وينشغل لغياب أو فراغ قد يتركه، أو حتى يستحضر بعض مآثره على دولة عمل فيها لما يقرب من سبعة عقود كاملة، في الوقت الذي لن تكون فيه الأضواء مسلطة عليه، وتعاود عجلة الحياة دورانها بعد أن تنفض حشود المعزين؟
تراه يكون أقرب الناس إليه أي ذلك الذي راج بقوة أنه كان يخطط لخلافته، ولم يكن بمقدور أحد أن يسمع به أو يعرفه لولاه أي ابنه حافظ؟ أم هم أفراد آخرون كانوا على صلة بأسرته الصغيرة التي اكتشف التونسيون بعض أفرادها يوم وفاته؟ أم هم المليون امرأة التي قيل إنهن انتخبنه واخترنه ليصد عنهن هجمة الإسلاميين، ويحمي حقوقهن ومكتسابتهن، التي سعى في آخر عمره للمطالبة، بأن يتساوين في الإرث مع الرجال، رغم كل ما جلبه له ذلك من رفض واعتراض داخلي وخارجي واسع؟ أم تراهم أولئك القادة العرب والاجانب الذين تباروا السبت الماضي لتعداد خصاله ومناقبه، والثناء عليه ووصفه في خطب التأبين التي ألقوها في قصر قرطاج، بالصديق العزيز والكبير؟ ثم ما الذي يمكن أن تذكره كتب التاريخ مستقبلا عن الرئيس الراحل؟ وهل أنها ستحتفظ له بالفعل بصورة الرجل الذي كان رائدا من رواد الديمقراطية العربية الحديثة، كما بات يصور الآن؟ إن ما حصل على مدى الأيام السبعة التي استغرقها الحداد الرسمي الذي قررته السلطات، في أعقاب إعلانها الخميس الماضي عن وفاة الباجي قائد السبسي، الذي لم يكن في الواقع يعني شيئا آخر غير تنكيس الإعلام وإذاعة القرآن الكريم بشكل شبه مسترسل في محطات الاذاعة والتلفزيزن، جعل الأمر لا يبدو مفتوحا على أكثر من احتمال واحد، خصوصا بعد أن ملأت أو قصفت عقول التونسيين بسردية جعلت من الراحل شخصا استثنائيا خارقا، لا يستحق، نظير كل ما قدمه لبلاده ودولته وشعبه، إلا أن يصنف في خانة كبار الزعماء و المصلحين في العالم، بل لعله قد يرتقي لمرتبة مانديلا أو غاندي ويحوز سمعتهما وشهرتهما وتأثيرهما الواسع.
وكان لافتا أن كل السياسيين الذين عرفوا باختلافهم عنه ومعاركهم وخصوماتهم، وربما حتى كرههم وعدائهم، له لم يقولوا فيه كلمة سوء أو نقد أو لوم واحدة بعد إعلان وفاته. كان المبرر بنظرهم جميعا أنه لابد من أن يذكر الموتى دائما وأبدا بخير، مثلما عبّر عن ذلك واحد منهم وهو الدكتور المنصف المرزوقي، حين حاولت أكثر من وسيلة إعلامية، محلية وأجنبية جره للحديث عن مساوئ غريمه وأخطائه. وكذلك سياسية معروفة بنقدها اللاذع للرئيس الراحل، وهي القيادية في حزب التيار سامية عبو، حين لم تتورع عند ظهورها على إحدى القنوات التلفزيونية المحلية متشحة بالسواد، من أن تذكر ببعض خصاله الإنسانية التي عرفتها فقط عند اتصاله بها بالهاتف في عز الخصومة السياسية معها ليعزيها في وفاة والدها، بحسب ما ذكرته، بل ذهبت أبعد من ذلك حين قالت يوم الجنازة لمحطة إذاعية محلية، وهي تغالب تأثرها البالغ إنه «لا تجوز اليوم على الرئيس الراحل إلا الرحمة، ولو أنه ظلمني فأنا أسامحه، ولو حدث وظلمته فليسامحني». وما كان مطلوبا من التونسيين أن يفعلوه هو أن يقوموا بالشيء ونقيضه. أن يحزنوا لأن رئيسهم غادرهم إلى غير رجعة، ويفرحوا في الوقت نفسه، لأن غيابه كان فرصة لهم ليثبتوا للعالم استثناءهم، من خلال ما وصفه الكثير من المعلقين بسلاسة تسليم وانتقال السلطة من بعده.
لقد محى الموت العظيم والمريب إذن سوءات وعيوب وأخطاء التسعيني، الذي عاصر ملكية البايات، وجمهوريات بورقيبة وبن علي، ثم سنوات الثورة على نظامهما، ولم يعد في سجله سوى حسنة وحيدة قد تكون بسبعين أمثالها وهي حماية الثورة الديمقراطية والحريات وصيانتها من كل المخاطر، بل ربما حتى تكريسها وتثبيتها في بلد لم يكن قادرا على أن يفعل ذلك لولا وجوده وظهوره في لحظة تاريخية فارقة. والمؤكد انه لم يكن مطلوبا ومنتظرا في مثل ذلك الظرف بالذات أن ينبش أحد في سيرة الفقيد، أو أن يشكك فيه وفي ما قدمه بالخصوص بعد الثورة، أي عندما كان وزيرا أولا وسلم السلطة في أعقاب أول انتخابات حرة، ثم لما ترأس الدولة بعد فوزه في أول انتخابات رئاسية مباشرة حرة أيضا. فليس من عادة التونسيون على أي حال أن يفتحوا الجراح، ويسارعوا إلى التقريض أو الشماتة والتشفي ساعة الموت، وحتى من قد يخطر ببالهم فعل ذلك فهم يعلمون ولا شك أنهم يقدمون على مجازفة خطيرة تكاد تكون نوعا من الانتحار السياسي أو الغباء القاتل. ولكن هل كان كيل المديح المبالغ لأفعال الرئيس الراحل وتصرفاته ومواقفه بالمفرق والجملة مقبولا أيضا؟ ألم يكن الأجدى بديمقراطية مازالت تتلمس خطواتها الأولى أن لا تنزلق مجددا نحو الداء العضال لتقديس الاشخاص وعبادتهم؟ لقد حاول قائد السبسي في حملته الانتخابية للفوز بمقعد الرئاسة، أن يتقمص شخصية بورقيبة، وأن يقلد حتى حركاته وسكناته، ويلبس ملابس شبيهة بتلك التي كان يلبسها، ويضع حتى نظارات سميكة كالتي كان يضعها الزعيم. وظل يقدم دوما على أنه تلميذه ووريثه وابنه الروحي، رغم أن كل ذلك لم يكن أمرا قاطعا أو مؤكدا. وها أن الزمن يدور فيقدم هو نفسه كرمز يكاد يضاهي ما لبورقيبة من رمزية بالنسبة للنخب السياسية والفكرية في البلاد. ولكن ما يحصل بالمقابل أيضا أن اختزال بورقيبة لاستقلال تونس، وبناء ما صار يعرف بدولتها الحديثة في شخصه فقط، بات يتكرر الآن في اختزال آخر للحفاظ على الثورة وصيانة التجربة الديمقراطية من النكوص في شخص قائد السبسي وحده. وكما ارتكبت باسم بورقيبة وتنويره وحداثته جرائم وخروقات وانتهاكات شتى، فقد يكون الباجي هذه المرة وهو في قبره الشماعة الجديدة التي ستعلق فوقها تجاوزات جديدة باسم السير على خطاه، ومواصلة ما بدأ في إنجازه. ورغم أنه استطاع في آخر حياته أن يفلت من أي مساءلة أو محاسبة قد تطال ماضيه، إلا أن أفعاله وحدها ستبقى شاهدا له أو عليه في المستقبل. وربما لن يكون مستبعدا أن نرى ساعتها أن أعداد من سيذكرونه بخير لن تكون أكبر من أعداد من سارعوا عند موته لتكفيره.
٭ كاتب وصحافي من تونس