من سلالة من طين

حجم الخط
16

في يوم داروين العالمي يحضر السؤال الأهم الذي يطرح وطرح بشدة قبل بلوغ الحقيقة العلمية، ما الذي ألهم داروين أفكاره المختلفة؟ وما الذي ثبّته على قناعته رغم الانتقادات الحادة التي وجهت إليه، خاصة من طرف الكنيسة؟
في ذلك الزمن المبكر من القرن التاسع عشر، كان العلم لا يزال بعيدا عن فك شيفرة الجينات الإنسانية والحيوانية – أو ما عرف بالحمض النّووي- وإجراء مقارنات مهمة لمعرفة التغيرات والطفرات التي تطرأ عليها، لكن داروين أدرك بحسه الفريد وذكائه القوي، من خلال مراقبة كائنات حية مختلفة من نباتات وحيوانات، أن تشابه السلالات المتلاقحة ينتج سلالات ضعيفة، وخلص بسرعة إلى فكرة انقراض بعض الأنواع بالطريقة نفسها.

إن فكرة الإلهام في حدّ ذاتها تبدو مثيرة، ومقبولة أكثر من غيرها، كون داروين لم تجذبه مهنة الطب المحدودة والمثيرة لمشاعره الرقيقة آنذاك، أكثر من البحث عن حقائق أخرى تخص الكائنات الحية، فلماذا ذهب في تلك الطريق الشاقة، لو لم تكن هناك قوة أكبر منه قد هيأته لذلك؟ وسواء عظّمنا فكرة إلحاده، أو لا، فإن المثير للاستياء هو رفض رجال الدين لفكرته، أليست فكرته أبسط بكثير من إقناع الناس بوجود خالق لا نراه؟ فقد اعتمد على معطيات ملموسة، تبدو لنا اليوم بعد مئتي عام تقريبا بسيطة وقابلة للتصديق، حتى أن تاريخ البشرية بكل تلك التفاصيل التي أفنى فيها داروين عشرين سنة من عمره لإثباتها، تصلنا عبر فيديو مصور قصير مبسّط، ومُقْنِع، أمّا من يناقشون فكرته اليوم ويصرون على رفضها، فالعتب كل العتب على قلة اطلاعهم على ما وصلت إليه الثورة العلمية من اكتشافات لأسرار الإنسان والحياة بشكل عام على كوكبنا الأخضر.

فكرة الإلهام في حدّ ذاتها تبدو مثيرة، ومقبولة أكثر من غيرها، كون داروين لم تجذبه مهنة الطب المحدودة والمثيرة لمشاعره الرقيقة آنذاك، أكثر من البحث عن حقائق أخرى تخص الكائنات الحية.

في الشق المظلم من العالم اليوم، الذي نقبع فيه منتظرين رحمة الله أن تنزل، قبل انتقالنا الأبدي لدنيا الحق، لم يدخل العلم سجالنا الفلسفي، ولا الثقافي اليومي الذي يرقى بالفرد عندنا درجة على سلم المعرفة، ويبدو جليا أن الهوة سحيقة جدا بين العامّة والمتعلمين وأهل العلم، بل إن انشغال الفئة الأخيرة هذه يتم في سرية تامة، بعيدا عن الشعوب الغاضبة من أي فكرة قد تمثل مساسا خطيرا لمعتقدها الديني، والتي لا تتردد بتصفية ونسف كل رأس مفكر يعلن عن فكرة «مجنونة» كتلك التي أسس بها داروين لنظرية التطور، وفتح بها بابا واسعا لنهضة علمية في أوروبا كلها، ما يحدث الآن عندنا نوع من التحجُّر المناقض لانفتاح العالم على بعضه بعضا، رغم أننا مستهلكون للغذاء والدواء والتكنولوجيا المقبلة إلينا من هناك، وهي نتاج ذلك الجنون الدارويني وما شابهه. تلك المرحلة التاريخية التي دخلها العالم المتطور، متوقفا عن التصفيات الجسدية لكل ذي فكر مختلف، لا نزال بعيدين عنها، وهذا يعني أننا متأخرون عنه بأكثر من قرنين، ربما بثلاثة قرون وربما بأربعة قرون، ومن يدري قد نحتاج لإعادة تدوير كاملة حتى نستوعب فقط قرآننا المقدس، الذي لا نزال نقرأه منذ أربعة عشر قرنا ولم نفهم محتواه.
في أواخر القرن التاسع عشر، تبنى الفيلسوف وعالم الاجتماع هربرت سبنسر نظرية التطور، وهذا ما أنجب بتشابك عجيب ترابط الفرضية العلمية بالسجال الثقافي على مستوى الجامعات وتقريبه من الخطاب البسيط للعامة. وهذا بالضبط ما ولّد مزيدا من الأسئلة، وحفّز على مزيد من الاجتهاد للبحث عن الحقيقة.
في احتفائنا الشّحيح بيوم داروين، تفاديا لذكره وذكر نظريته أو تعاليا عليها، لا نتوقف حتى عند الآية القرآنية رقم 12 في سورة «المؤمنون»: «لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين» ونطرح سؤالا عقلانيا عميقا ما معنى الآية؟ لماذا لم يقل الله خلقنا الإنسان من طين؟ بل من سلالة من طين؟ وما هي هذه السلالة التي من معنى الكلمة نفسها سنفهم أنها «جملة أفراد متشابهة من حيوان أو نبات تنتقل صفاتها بالوراثة جيلا بعد جيل»، فماذا قال داروين خارج هذا المعطى القرآني الموثق بتعبير مختلف في كتب سماوية أخرى؟ طبعا يهمنا أن نجد كل اختراعات العالم في قرآننا، من المصباح الكهربائي، إلى الزمن العادي والزمن الضوئي، إلى كروية الأرض التي تسبح في فلك غير منتهٍ، إلى أمور كثيرة جدا، لكننا نحتاج لكثير من الوقت لنقوم بتلك المقارنات البائسة بين ما توصل إليه غيرنا، وما كان متخفيا بين صفحات قرآننا ونحن عنه غافلون.

نظرية التطور تبدو سهلة للفهم، لذلك يسمح الجهلة لأنفسهم أن يلفقوا الأكاذيب ويقَولون داروين ما لم يقله.

تأخذنا المفارقات العجيبة بين رفض داروين كشخص لا نعرفه ورفض فكره الذي نجهله تماما، إلى مزيد من الفرضيات انطلاقا من كتابه «أصل الأجناس»، الذي لم يذكر فيه أبدا أن أصل الإنسان قرد، بل قال إننا من سلالة انحدرت منها القردة، ترى لو كان داروين عربيا، ما كان سيكون مصيره؟ ولو أنّه قرأ القرآن هل كان سيخرُّ ساجدا لأن كل أسئلته وردت أجوبتها فيه؟ لقد حاول الفكر الكهنوتي في بقاع الأرض كلها أن يقلّص من حجم العقل، لأسباب لا تتعلّق بإنقاذ الإنسان من الكفر، والحفاظ على إيمانه، بل من أجل إبقائه تحت السيطرة، لأن العلم والمعرفة وحدهما يعززان إيمان الفرد بربه. ثمة نظام دقيق وضع له داروين أسسه، وهو نظام الخلق، الذي بلغ اليوم مرحلة متقدمة لفك لغز من ألغاز الحياة، بمجرد الاهتداء للحمض النووي تحقق نيل شوبين عالم الحفريات الشهير من حقيقة أخرى نشرها في كتابه «السمكة في داخلك» مؤكدا نظرية التطور، ولكنه أعادنا إلى حقيقة أننا خلقنا من ماء، وأن مكونات الكائن المائي موجودة فينا، وأننا جزء من الطبيعة وامتداد لها، وهذه تحتاج لوقفة أخرى عند الآية التي تقول «والله أنبتكم من الأرض نباتا» بإمعان وتأمل كبيرين. تردد داروين كثيرا قبل أن يدلي بما اكتشفه طوال رحلته إلى جزر غلاباغوس التي دامت 5 سنوات، تجنبا لغضب الكنيسة، لكن ما توصل إليه بعد ذلك في اكتشافه لتطابق شكل وهيئة الأجنة بين كل الكائنات بما فيها الإنسان جعله واثقا من فكرته وشجعه على إصدار كتابه.
قلة هم من يناقشون نظرية النسبية لأنشتاين ويحاولون تفنيدها، لكن في المقابل نجد الكثيرين ممن يناقشون نظرية التطور لداروين. كون نظرية التطور تبدو سهلة للفهم، لذلك يسمح الجهلة لأنفسهم أن يلفقوا الأكاذيب ويقَولون داروين ما لم يقله.
حقيقة التطور العضوي لداروين ليست البقاء للأقوى والأصلح، بل تعني اليوم البقاء للعاقل الذي يقبل التغيير ويبتكر أدوات بقائه، وذلك لا يتمُّ بالتأكيد بعقول معطّلة، تتشبث بخطاب ميت، مفرغ تماما من حركة الحياة الصاخبة، التي جعلنا داروين نسمع دبيبها، حين عجزت جيوش الكهنوت عن فعل ذلك.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية