من داكار لنواكشوط: اتساع دوائر الضغط على مستوى النخب واستئناف المؤازرة الإنسانية والاحتجاجات تشتعل ضد الحرب في غزة

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط –«القدس العربي»: مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة دونما توقف، وما خلّفته آلة الدمار الصهيونية من تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية، شهدت الساحتان الموريتانية والسنغالية تصاعداً ملحوظاً في مستويات التفاعل مع القضية الفلسطينية، بشكل تجاوز الإدانة الدبلوماسية التقليدية نحو حراك داخلي متعدد المستويات، تشارك فيه النخب الثقافية والمجتمع المدني والشارع العام.
وبرز هذا التحول بوضوح خلال اليومين الأخيرين، في المشهدين السنغالي والموريتاني، حيث تلاقت مبادرات المثقفين والفنانين مع تحركات طلابية وشعبية، في مشهد يعكس انتقال القضية الفلسطينية من خانة السياسة الخارجية إلى ساحة النقاش الداخلي والضغط الشعبي.
ففي داكار، وجّه أكثر من مئة فنان ومثقف سنغالي رسالة مفتوحة إلى الرئيس السنغالي بشير جماي فاي، طالبوا فيها باتخاذ مواقف «أكثر حزماً تجاه إسرائيل»، على خلفية استمرار حربها في غزة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
ودعا ائتلاف التحالف الإفريقي بالسنغال المضاد للفصل العنصري، في رسالته للرئيس السنغالي إلى مراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، ومنع أي عبور لمعدات عسكرية عبر الأراضي السنغالية، إضافة إلى رفض عودة إسرائيل بصفة مراقب في الاتحاد الإفريقي.
وضمّت قائمة الموقّعين شخصيات بارزة في مجالات السينما والأدب والفنون الأدائية، ما منح المبادرة زخماً رمزياً لافتاً، كما حظيت الرسالة بتغطية من وسائل إعلام حكومية حيث نقلت الإذاعة والتلفزة السنغالية تصريحات غاضبة لعدد من الموقعين اعتبروا فيها أن «الصمت لم يعد موقفاً محايداً بل أصبح تأييداً صريحا». ويأتي هذا التحرك في سياق تاريخي تحافظ فيه السنغال على خطاب رسمي داعم للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، مع التزام نهج دبلوماسي متوازن لا يذهب غالباً إلى القطيعة أو فرض العقوبات، ما يضع السلطة الحالية أمام اختبار جديد بين الاستمرارية السياسية في الحفاظ على علاقات مع إسرائيل وضغط الرأي العام.
وبالتوازي مع الحراك السنغالي، شهدت موريتانيا تصاعداً ملحوظاً في التحركات الشعبية، قادتها المبادرة الطلابية الموريتانية لمناهضة الاختراق الصهيوني والدفاع عن القضايا العادلة، التي نظّمت وقفات احتجاجية تنديداً باستئناف الحرب على غزة، واحتجاجاً على ما وصفته بصمت المجتمع الدولي وتخاذله.
ونظمت المبادرة خلال اليومين الأخيرين وقفات أمام السفارة الأمريكية، إضافة إلى تجمعات شعبية أمام ساحة المسجد الجامع وسط العاصمة نواكشوط، مؤكدة أن تحركاتها تأتي «استجابة لنداءات التضامن مع الشعب الفلسطيني، ونصرةً للمقدسات الإسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى».
واللافت في الحالة الموريتانية هو التكامل بين الاحتجاج السياسي والمبادرة الإنسانية، حيث ترافقت الوقفات مع موجة تبرعات ومبادرات إغاثية واسعة.
وفي هذا السياق، برزت مبادرات اجتماعية لافتة، من بينها تبرع أسرة موريتانية بجمل أُهدي لها بمناسبة عقيقة مولودها، ليتم تخصيص عائد بيعه لصالح سكان قطاع غزة، حيث تولّى المنتدى الإسلامي الموريتاني استلام التبرع والإشراف على توجيه قيمته للأهالي في غزة.
كما أعلن المنتدى، بدعم من مبادرة «مراسيل»، عن توزيع خيام إيواء على النازحين في قطاع غزة، في ظل الدمار الواسع الذي طال المساكن والبنى التحتية.
وعلى مستوى التبرعات المالية، أعلنت مجموعة اجتماعية عبر تطبيق واتساب عن تقديم 5.5 ملايين أوقية موريتانية قديمة، لترتفع مساهماتها الإجمالية إلى 214 مليوناً و100 ألف أوقية قديمة، فيما قدّمت مبادرة «العطاء الحاجي» تبرعاً إضافياً بقيمة 5 ملايين و555 ألف أوقية قديمة دعماً لصمود سكان القطاع.
وما يجمع بين داكار ونواكشوط هو أن القضية الفلسطينية خرجت من كونها ملفاً خارجياً لتتحول إلى عنصر ضغط داخلي، تُستخدم فيه أدوات متعددة: ففي السنغال، برزت القوة الرمزية للنخب الثقافية ومخاطبة رأس الدولة مباشرة؛ بينما في موريتانيا ظهرت التعبئة الشعبية والطلابية المدعومة بمبادرات إغاثية ملموسة. ويعكس هذا التوازي توجهاً إفريقياً أوسع، يسعى إلى ربط التضامن الأخلاقي بالفعل السياسي، ولو تدريجياً، في مواجهة حرب يُنظر إليها شعبياً على أنها اختبار لمصداقية القانون الدولي والنظام العالمي.
ومن داكار إلى نواكشوط، تتشكل ملامح موجة ضغط إفريقية متعددة المستويات، تضع الحكومات أمام معادلة صعبة: إما الاستجابة لمطالب شعوبها ونخبها المتعاطفة بقوة مع غزة في انسجام مع قيمها السياسية، أو الإضرار بتوازنات دبلوماسية واقتصادية تلعب فيها إسرائيل على عدة حبال.
وتكشف التطورات الأخيرة في داكار ونواكشوط عن تبلور نمط جديد من الضغط الإفريقي، لا تقوده الحكومات بالضرورة، بل تنخرط فيه النخب الثقافية، والطلبة، والمجتمع المدني، عبر أدوات مختلفة تتراوح بين الخطاب الأخلاقي، والاحتجاج السلمي، والعمل الإنساني.
ويضع هذا النمط حكومات الدول الإفريقية أمام معادلة دقيقة: الاستجابة لمطالب داخلية متزايدة بالتشدد في الموقف من الحرب على غزة، مقابل الحفاظ على توازنات دبلوماسية واقتصادية معقدة، في سياق دولي شديد الاستقطاب.
وهكذا تتسع من السنغال إلى موريتانيا رقعة التضامن الإفريقي مع غزة، وتتحول تدريجياً إلى عامل ضغط داخلي على صانعي القرار.
وبينما لا تزال مواقف بعض الحكومات متسمة بالحذر، فإن اتساع الحراك الشعبي والثقافي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، قد تدفع بعض العواصم الإفريقية إلى إعادة النظر في حدود خطابها السياسي، ودورها في الساحة الدولية تجاه القضية الفلسطينية التي أصبحت القضية الأكثر حساسية في النظام العالمي المعاصر.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح هذه التحركات في دفع العواصم الإفريقية من مربع الإدانة إلى خانة الفعل السياسي المؤثر، أم أنها ستظل سقفاً أخلاقياً مرتفعاً يصطدم بحدود الواقعية الدولية؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية