لندن ـ «القدس العربي»: توالت الأنباء الحزينة والصادمة على جماهير ريال مدريد في الأيام القليلة الماضية، حيث كانت البداية بالسقوط أمام الغريم الأزلي برشلونة بنتيجة 2-3 في المباراة النهائية للكأس السوبر الإسبانية للعام الثاني على التوالي، ثم بالاستيقاظ على خبر إقالة المدرب تشابي ألونسو من منصبه بقرار أحادي من قبل الرئيس فلورنتينو بيريز، مؤكدا صحة الإشاعات التي كانت تُطارد المدرب الإسباني في الآونة الأخيرة، واكتملت الكوابيس بما وُصفت إعلاميا وعبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي بـ«فضيحة» الخروج من دور الـ16 لكأس ملك إسبانيا على يد ألباسيتي، الذي يحتل المركز السابع عشر في دوري القسم الثاني في إسبانيا، وذلك في أول مباراة تحت قيادة المدرب المؤقت ألفارو أربيلوا، الذي وقع الاختيار عليه ليقود الفريق بالطريقة المفضلة بالنسبة لرئيس النادي بيريز، كبديل طوارئ قادم من قطاع الشباب يُنظر إليه على أنه مشروع بيب غوارديولا أو زين الدين زيدان من جديد، حتى بعد فشلها في المقامرة الأخيرة، حين استعانت الإدارة بخدمات نجم النادي في زمن «الغالاكتيكوس» الأوائل سانتياغو سولاري، في مهمة إنقاذ عاجلة بعد تدهور الأوضاع في بداية تجربة المدرب الأسبق جولين لوبيتيغي، إذ انتهى المطاف بالمدرب الأرجنتيني بعزله من منصبه مع خروج الفريق من كل البطولات في بداية فصل الربيع لعام 2019، وفي المقابل تم تعيين الأسطورة زين الدين زيدان في ولايته الثانية التي استهلها في الأسابيع الأخيرة لموسم 2018-2019، والسؤال الذي يدور في ذهن الكثير من عشاق النادي الميرينغي في كل أنحاء العالم هو: من المسؤول الأول عن تبدل أوضاع الفريق من بداية مشرقة تحت قيادة المدرب السابق ألونسو إلى مواجهة المجهول والعودة بسرعة الصاروخ إلى المواسم البائسة التي تناوب خلالها على تدريب الفريق أكثر من مدرب وأحيانا اثنان أو ثلاثة مدربين في الموسم الواحد؟ هذا ما سيجيب عليه التقرير.
السلطة والتكتيك
على يخفى على أحد، أن الشكوك كانت تحاصر المدرب الأربعيني منذ فترة ليست بالقصيرة، تحديدا بعد الفترة التي تراجعت فيها النتائج في حملة البحث عن استعادة لقب الدوري الإسباني من برشلونة، حيث كان اللوس بلانكوس ينفرد بالصدارة بفارق مريح عن البارسا الذي كان يترنح أكثر من أي وقت مضى، عقب هزيمته في أول كلاسيكو بعد الفوز في آخر 4 مواجهات مباشرة، والإشارة إلى كلاسيكو «سانتياغو بيرنابيو» في الدور الأول لموسم الليغا الحالي، وما تبعه من سقوط مدو أمام تشلسي، في أمسية «ستامفورد بريدج»، التي انتهت بثلاثية نظيفة كانت قابلة للضعفين لمصلحة أصحاب الأرض، في وقت كان الريال قد حقق الفوز في 13 مباراة في أول 14 مباراة مع ألونسو في الموسم الجديد، لكن ما حدث في ليلة فك عقدة الكلاسيكو أمام برشلونة هانزي فليك، أثبت صحة المقولة الخالدة التي تخبرنا أن «ليس كل ما يلمع ذهبا»، وذلك بطبيعة الحال بعد واقعة اعتراض النجم البرازيلي فينيسيوس جونيور على قرار استبداله في نهاية المباراة، قائلا بعبارات واضحة نقلا عن صحيفة «ذا أثلتيك»: «أنا دائما، سأغادر هذا الفريق. من الأفضل لي أن أغادر وسوف أغادر»، فيما أجمعت جُل المصادر المقربة والمحسوبة على العملاق المدريدي، أنها كانت لحظة فاصلة ومحورية في علاقة المدرب الشاب مع كبار النجوم في غرفة خلع الملابس، كبداية للعاصفة التي شققت الصفوف بين ألونسو وبين فئة «الغالاكتيكوس» على وجه التحديد، اعتراضا على أساليب المدرب والكثير من أفكاره، بما في ذلك مبالغته في الانضباط لفرض سيطرته على غرفة خلع الملابس، بالإضافة إلى إجبارهم على إجراء تمارين بدنية قاسية، وأمور أخرى تعامل معها النجوم على أنها «عادات سيئة»، على عكس حياة الرفاهية التي كانوا ينعمون بها خلال فترة حكم الميستر كارلو أنشيلوتي في ولايته الثانية في قلعة «سانتياغو بيرنابيو». وتقول مصادر مقربة من ألونسو لنفس المنصة البريطانية، إن الجهاز التدريبي لريال مدريد كان يريد مزيدا من الحماس في التدريبات والمباريات الرسمية، بالإضافة إلى الكثير من التعليمات والتحليلات التكتيكية، مع فرض ما وُصفت بالقواعد الصارمة على اللاعبين لضمان المزيد من الخصوصية داخل غرفة خلع الملابس، وتقييد الوصول إلى أي معلومة من داخل غرفة خلع الملابس أو التدريبات يوم المباريات، لكن مع حلول شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بدأت الأغلبية الكاسحة من اللاعبين، تشعر بالاستياء مما اعتبروه «تقييدا لحريتهم وراحتهم»، وهذا بالتبعية ساهم بشكل أو آخر في ابتعاد المسافة بين المدرب وكبار النجوم، منهم فيدريكو فالفيردي، الذي يُقال إنه كان يلعب على مضض في مركز الظهير الأيمن، ومعه فينيسيوس جونيور وكيليان مبابي وأسماء أخرى لديها الكثير من التحفظات على أفكار المدرب وفلسفته التدريبية، وما زاد الطين بلة وتسبب بشكل مباشر في تراجع الأداء والنتائج بعد الفوز بكلاسيكو الليغا، ما أشيع عن تدخل رئيس النادي في اختيارات المدرب لعناصر التشكيل الأساسي، أبرزهم النجم الإنكليزي جود بيلينغهام، الذي أجبر ألونسو على الدفع به في التشكيل الأساسي، بقرار سياسي من أعلى سلطة تنفيذية في مدينة «الفالديبيباس» البيضاء، وحدث ذلك على حساب اليافع التركي أردا غولر، الذي نجح في تشكيل ثنائية لا تًصدق مع كيليان مبابي، إلى أن وجد نفسه على مقاعد البدلاء مع تعافي بيلينغهام من إصابته التي أبعدته عن الفريق في بداية الموسم، أو بالأحرى في الفترة التي كان يحقق فيها الريال أفضل نتائجه تحت قيادة ألونسو، حيث كانت الأغلبية تطبق أفكار القبطان، التي ترتكز على الركض والتضحية في عملية الضغط المتقدم على المنافس، وهذا يفسر كثرة الأهداف التي سجلها مبابي ورفاقه من التحولات السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية في بداية الموسم، قبل أن تختفي تماما مع انتهاء التوازن في منطقة الوسط، بتجاوز الحد المسموح به من اللاعبين أصحاب النزعة الهجومية على أصحاب المهام الدفاعية الشاقة في الثلث الثاني من الملعب، تماما كما كان يحدث مع المدرب الإيطالي في نهاية ولايته الثانية مع نادي القرن الماضي في أوروبا.
الانحياز المدريدي
أفادت الكثير من المصادر والتقارير الصحافية، بأنه كان من المفترض أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح، بعد اعتذار فينيسيوس في التدريبات الجماعية في اليوم التالي لكلاسيكو الدور الأول من الدوري الإسباني، لكن المفاجأة أن اللاعب لم يذكر اسم المدرب صراحة في اعتذاره الرسمي عبر صفحاته في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وما جعل المدرب أنه في طريقه لفقدان السيطرة على غرفة خلع الملابس، أن النادي لم يغرم النجم البرازيلي على تصريحاته واعتراضه بشكل مبالغ فيه، وهذه التوترات المتصاعدة انعكست على نتائج الفريق وعروضه بعد تجاوز فالنسيا برباعية نظيفة في أول مباراة بعد فك عقدة الكلاسيكو، إذ اكتفى الفريق بتحقيق الفوز في مباراتين فقط من أصل 7 مباريات، من بينها هزيمة أمام حامل لقب الدوري الإنكليزي الممتاز ليفربول وهو في أتعس أوقاته تحت قيادة مدربه الهولندي آرني سلوت، وتبعها بسلسلة من التعادلات المحلية المخيبة لآمال المشجعين أمام فرق من نوعية رايو فاييكانو وإيلتشي وجيرونا، وفي المقابل فاز ريال مدريد على أولمبياكوس وأتلتيك بلباو، في وقت بدأ فيه المدرب في تقديم التنازلات، منها تقليل محتوى الفيديو المطلوب من الفريق متابعته قبل كل مباراة. وعلى النقيض من الرواية المدريدية التي كانت تروج، بأن محاولات تقوية الروابط بين الجهاز الفني وبين اللاعبين، كانت محورية وجاءت بنتائج إيجابية أمام أولمبياكوس وبلباو، أظهرت التجارب أن ما حدث هو العكس تماما، والدليل على ذلك أنه في غضون شهرين ونصف الشهر فقط، تراجع الفريق من الصدارة بفارق 5 نقاط عن أقرب مطارديه إلى مركز الوصيف وبفارق أربع نقاط أقل من المتصدر الكتالوني، حتى أنه بعد السقوط المحرج أمام بلباو بهدفين نظيفين في «البيرنابيو»، قيل في وسائل الإعلام إن الرئيس اجتمع مع المدرب للوقوف على أسباب الخسارة، في ما تم تفسيره على نطاق واسع على أنه تمهيد أو مقدمة إلى اتخاذ قرار الإقالة، في ظل موقف النادي القوي في ما يخص البنود الجوهرية في العقد، منها انفراد الإدارة بحق إقالة المدرب في أي وقت مقابل دفع شهرين فقط من راتبه، وغيرها من الشروط التعجيزية التي وافق عليها ألونسو في البداية، على أمل أن تكون مجرد شكليات أو حبر على ورق عندما يقود السفينة البيضاء بالطريقة التي يريدها.
لكن كما أشرناه أعلاه، لم تسر الأمور كما أراد، آخرها تمرد اللاعبين عليه بعد دعوتهم لعمل ممر شرفي لبرشلونة، وحدث ذلك بقيادة مبابي، الذي أشار لزملائه بعدم تنفيذ تعليمات المدرب والعودة إلى غرفة خلع الملابس، كمؤشر أو علامة واضحة على أن الرجل قد فقد السيطرة تماما على اللاعبين، فكانت الضريبة الإطاحة به من منصبه بعد ثمانية أشهر من توليه المهمة خلفا لكارلو أنشيلوتي، مع إسناد القيادة الفنية لمدافع النادي السابق ألفارو أربيلوا، الذي رسم لنفسه في مشواره الاحترافي صورة اللاعب البديل الذي يؤدي بشكل جيد كلما احتاجه الفريق في الطوارئ والأوقات الصعبة، أو بعبارة أكثر وضوحا لا يحظى بالكاريزما المهيبة التي كان يتمتع بها زين الدين زيدان لفرض هيمنته وسيطرته على نجوم وأساطير جيل «العاشرة»، وفي نفس الوقت لا يملك التاريخ ولا شخصية الأب التي كان يستخدمها المدرب الايطالي بذكاء لتحفيز اللاعبين على تقديم أفضل ما لديهم، وهذا قد يجعله نسخة جديدة من سانتياغو سولاري، أو واحد من الأسماء التي كانت تتعاقب على الفريق كل ستة أشهر أو سنة في أغلب فترات العقد الأول من القرن الحالي مع بداية انتشار مصطلح «الغالاكتيكوس» مع زيزو ولويس فيغو وبيكهام ورونالدو الظاهرة والبقية، أو قد يخالف أغلب التوقعات وينجح في انتشال الفريق من براثن الضياع ويقوده إلى المنافسة بشكل حقيقي ومقنع على الليغا ودوري الأبطال في الأشهر القليلة القادمة، أما أي إخفاق قادم مع بدء مرحلة الحسم، الجميع سيتذكر أنه كان عراّب كارثة الخروج من دور الـ16 لكأس ملك إسبانيا على يد فريق لم يعرف طعم الفوز في دوري القسم الثاني منذ أواخر العام الماضي.