زلمان شوفال
نشرت الإدارة الأمريكية الحالية قبل نحو شهر وثيقة الأمن السنوية الأولى لها، بتوقيع الرئيس ترامب. في المقدمة، أشار ترامب إلى أهداف يرى أنها تحققت وتلك التي ستكون على جدول الأعمال في السنوات القادمة. لإعلان نوايا من هذا النوع، وليس فقط في الولايات المتحدة، يمكن أن ينظر إليه بشكل عام مثل برامج انتخابية للأحزاب.
صفحتان مكرستان للشرق الأوسط، وواضح منهما بأنه رغم التغييرات في مجال الطاقة، والتي انخفضت أهمية المنطقة في أعقابها، فإن النزاعات فيها ستواصل إشغال بال الولايات المتحدة. إسرائيل، وكذا دول الخليج العربية، تذكر كحلفاء للولايات المتحدة، لكن تركيا أيضاً مذكورة، في السياق السوري. تشي الوثيقة إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تسببتا بإضعاف قوة إيران، تلك التي ترى فيها الولايات المتحدة تهديداً رئيساً على استقرار الشرق الأوسط. ومع ذلك، لا يوجد تلميح لسياسة في هذا الشأن لاحقاً، كما لا يوجد تناول مباشر لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، ويُستخلص من ذلك أنه هدف ليس بذي مكان عال في سلم أولويات ترامب، مقابل الفضائل الكبرى في العلاقات الاقتصادية الأمريكية مع دول المنطقة.
بخلاف الخط السابق الذي رأى في التحول الديمقراطي عنصراً هاماً في مسيرة تحقيق السلام، ليس في هذه الوثيقة سعي للديمقراطية. الموضوع الفلسطيني مذكور، لكنه ليس موضوعاً ينطوي على عمل فوري. مع ذلك، فإن اتفاق وقف النار وإعادة المخطوفين الذي تعزوه إدارة ترامب لنفسها كفيلان برأيها أن يؤديا إلى التقدم في موضوع العلاقات مع الفلسطينيين. في ختام الفصل الشرق أوسطي، قيل بالتشديد إن أمن دولة إسرائيل سيبقى مصلحة أمريكية أساسية.
روسيا والصين اللتان اعتبرتا تهديداً محتملاً على الولايات المتحدة، لا تكادان تذكران في الوثيقة الجديدة. قيل فقط إنه ينبغي السعي إلى استئناف “الاستقرار الاستراتيجي” مع روسيا وتحقيق السلام بينها وبين أوكرانيا – دون تفاصيل. في موضوع الصين، جاء التشديد هو على الخصومة الاقتصادية والتكنولوجية، وأساساً في مجال السايبر. تايوان لا تذكر.
فصول مركزية تكرس لأمريكا اللاتينية وأوروبا. الأولى تعرف، وإن لم يكن بكلمات صريحة، كمنطقة نفوذ أمريكية حصرية للولايات المتحدة فيها “مكانة عليا” من أجل أمنها ومصالحها الأخرى. هذا النهج أثر على ما يبدو على التطورات السياسية في الأرجنتين وتشيلي، وفي دول أخرى، وربما يعبر عن نفسه إيجاباً أيضاً في علاقات إسرائيل مع دول أمريكا اللاتينية.
في موضوع أوروبا الصورة أكثر تعقيداً، وموقف إدارة ترامب من دول القارة يمكن وصفه كـ “من يرحم قبيلته، يكره ابنه”. النقد في الوثيقة، وحتى قبل ذلك في تصريحات قاسية لنائب الرئيس فانس، أثارت ردود فعل غاضبة سواء في عواصم أوروبا أم في أوساط الدبلوماسية الأمريكية التقليدية. بعض من ردود الفعل محقة، لكن أخرى تتجاهل حقائق عديدة طرحها نقد ترامب ورجاله، النقد الذي يمكن إسرائيل أن تتماثل معه أيضاً.
رسالة ترامب هي أن أوروبا تغرق بمهاجرين مسلمين ويقودها موظفون بيروقراطيون من الاتحاد الأوروبي، بعيدون عن مشاعر الشعوب نفسها. أوروبا، برأيه، تقف على شفا تدهور حضاري واقتصادي “تبعث الشك فيما إذا كانت دول معينة ستواصل كونها حليفة مصداقة من ناحية عسكرية واقتصادية”. وذلك رغم أن الولايات المتحدة ترى في أوروبا “حليفاً حضارياً واستراتيجياً حيوياً”. وتواصل الوثيقة وتفصل: “من شبه اليقين أنه بعد بضعة عقود سيصبح بضع أعضاء في الناتو غير أوروبيين، وبالضرورة لا يرون مكانهم في العالم، أما علاقاتهم مع الولايات المتحدة فلم تعد بالروح التي رآها مؤسسو الناتو في الأصل”. ألمانيا هي التي تشارك هذا القلق برئاسة المستشار فريدريك نيرتس.
وختاماًـ يمكن القول إنه بخلاف المعتقد الذي كان سائداً في الماضي والقائل بأن الولايات المتحدة تحت ترامب ستتمسك بانعزاليتها، فإن سياسة الرئيس العملية، بخلاف رأي الجناح الانعزالي لرجال حركة MAGA في حزبه، ستتبنى لاحقاً مكانة ودور الولايات المتحدة كقوة عظمى عليا – لكن وفقاً لقواعد جديدة يمليها ترامب. ربما يجد يحظى لقاء نتنياهو القريب بشيء من هذه الناحية أيضاً.
معاريف 23/12/2025