مطر! لا يهطل لسواي! يهطل إما مداعباً فرحاً ارتكبني، أو مدارياً خيبةً تقمصتني! تلك فلسفتي المطرية الأجدر بالاطلاع والدراسة، عوضاً عن هذه الترهات التي تُحشر قسراً في عقلي: «في عام 1948 تعرضت أرض الخلود جمرطين للاحتلال على يد دولة سربموت الظلامية، التي عزلتها عن الكرة الأرضية، بعد فشل الجيوش الأممية في التوحد لصد الهجوم السربموتي المباغت». في عام 2030 هطلت أمطار الغضب الإنساني على سربموت جارفةً إياها في بحر الفناء، مُعلنة عودة جمرطين إلى قلب الكرة الأرضية.
سيتحالف المطر مع الغضب الإنساني لإغراق سربموت! فهو لا يهطل لسواي! أقلب صفحات كتاب التاريخ بحنق مفرط، وأغلق عيني راقصة على وقع غناء المطر، وأنا أدعوه سراً للبقاء؛ كي يُداري خيبتي تحت وطأة الاحتلال. يرمقني أبي من شرفة المنزل، وقد لوّن وجنتيه احمرارٌ غاضبٌ يُنذر بأني سأبتلى ثانيةً بتوبيخ حاد.
لم قمت بتمزيق كتاب التاريخ؟
أطرق في الصمت؛ لا أملك قدرة تضاهيه على الشرح وإيصال المعلومة!
– أجيبي.. يا لك من شقية!
لم أجد بداً من الإشارة بيدي نحو الورقة التي دوّنت فيها بضعة أسطر.. يقرأ أبي وداعة الكلمات: في عام 2030 هطلت أمطار الغضب الإنساني على سربموت جارفةً إياها في بحر الــ…! ثم ينفجر ضاحكاً..
– ألهذا خرجت في هذا الجو؟ لابد أنك انتزعت وعداً من المطر لإغراق سربموت!
– أجل أبي.. أمطار الغضب الإنساني ستغرق سربموت!
– فليكن، لم مزقت الكتاب؟ هو ليس سربموت!
-لا أريد دراسته! لا أريد تاريخاً أسودَ حافلاً بانتصارات سربموت.
وضع أبي الكتاب الممزق في حقيبته، وحمل المظلة، وقبل أن يهّم بمغادرة المنزل رمقني مقهقهاً…
-عنيدة كأمك.. التاريخ لا يمزّق؛ عليك إعلام المطر بأن يُعينك على كتابة تاريخ دراسي مميز في عامك المدرسي الأول المقبل.
لم يزل المطر ينهمر بغزارة جعلت من مجيء خالتي لمنزلنا شبه مستحيل، بيد إني جلست خارجاً أترقب قدومها مع زخات المطر وأتساءل: ماذا لو عادت أمي على متن سحابة سماوية كي تعانقني؟ بحت بنجواي للمطر، لكنه لم يجب! أخبرتني أمي يوماً بأن المطر يتساقط ليسقي القلوب الظمأى من فرط الحزن بالأمل، أورثتني أمي حباً وتقديساً للمطر؛ قصائدها الشعرية كانت تعشق المطر.
– رينيا تعالي لأعانقك.
-أمي! افتقدتك كثيراً.. لو كنت أعلم أن المطر سيعيدك لرجوته منذ زمن.
يدٌ ما توقظني..
– رينيا.. لا ترعبيني.. استفيقي عزيزتي.
– أمي كانت هنا تحتضنني. لقد أعادها المطر.
– استفقتِ أخيراً! أنتِ تهذين؛ حرارتك مرتفعة.. الأموات لا يعودون.
كعادتها أسقطت خالتي عليّ توبيخاً معادياً للمطر!
– لم يجلب لك المطر سوى الحمى!
– كلا يا خالتي.. أنا أجيد زرع بذور المجازات في الحديقة الخلفية للحقيقة المرة، لا بد أن يهطل المطر لتتورد فيّ. لا بد أن تعود أمي، ولا بد أن تعود أرضنا؛ ليس من المنصف أن أفقد وطنين! المطر يعي ذلك وسيكون منصفاً.
يستوطنني النعاس وبرد الكمادات دون جدوى، غير أن خالتي ما فتئت تقترف محاولات مضنية لإنزال حرارتي كتلك التي اقترفتها لإسعاف أمي عند إصابتها بطلق ناري أودى بحياتها في إحدى المسيرات الاحتجاجية على بناء سربموت لجدار عازل يفصلنا عن الكرة الأرضية؛ منعاً لزحف جديد من جيوش الشعوب لاسترداد بوصلتهم الروحية للخلود؛ جمرطين.
– خالتي أين أبي؟ ألم يعد من المدرسة؟
– لم يعد بعد.. لابد أن المطر أعاق وصوله. عودي إلى السرير.
-المطر لا يعيق أبي.
لم يعتد أبي التأخر عن العودة إلى المنزل؛ عهدته أكثر دقة والتزاماً في مواعيد انصرافه وحضوره! تلجأ خالتي للتلفزيون لتهدئ روعي، لكن تجاعيدها تشرع في ذرف الأسى.
ما الأمر خالتي؟ لم قمت بتغطية الشاشة؟
ينسل صوت المذيع قارئا خبراً عاجلاً:
– قُتل معلم جمرطيني بعد إصابته بعيار ناري على يد قوات الاحتلال السربموتية في إحدى الحواجز العسكرية المنصوبة قرب حدود الكرة الأرضية، وزعمت قوات الاحتلال إن القتيل قاوم الاعتقال، وهاجم أحد الجنود، فيما ذكرت قناة سربموتية أن الجنود وجدوا منشورات محرضة على التمرد ومعادية لسربموت إلى جانب الكتاب المدرسي في حقيبة المعلم.
كاتبة من البحرين