مصر ليست المسؤول الأول… ولكن!

حجم الخط
0

أثارت دعوة ما يسمى «اتحاد الأئمة في الداخل الفلسطيني» للتظاهر أمام السفارة المصرية في تل أبيب، بعد ظهر اليوم الخميس، احتجاجات وتساؤلات، من الذي يقف وراء هذه الدعوة التي وصفت بأنها مشبوهة! وهل هي في الاتجاه الصحيح، هل التظاهر أمام السفارة المصرية هو المطلوب؟ ومن الذي يريد خلط الأوراق في موقف كهذا؟ اتحاد الأئمة المذكور برئاسة الشيخ نضال أبو شيخة، ليس تابعاً لأي وزارة إسرائيلية، وليس له أي صفة رسمية.
نضال أبو شيخة رئيس اتحاد الأئمة المذكور هو من أتباع ما كان قبل إخراجها عن القانون «الحركة الإسلامية الشمالية»، التي كان يترأسها الشيخ رائد صلاح، الذي قضى ما مجموعه حوالي عشر سنوات في سجون إسرائيل بمختلف التهم مثل، جمع تبرعات لـ»جهات معادية» والمشاركة في أسطول الحرية عام 2010 وخطابات تحريضية. الحركة ممنوعة قانونيا منذ عام 2015 وصودرت أموالها، وهي بالفعل مقربة من خط الإخوان المسلمين، وبلا أدنى شك أنها معارضة لنظام السيسي، وهي متهمة بالتقارب أو التماثل مع فكر حركة حماس.

لا شك أن المسؤول الأول والأخير عن الإبادة والتجويع هو الاحتلال، ولكنه وجد من يبتلع الطعم ليصبح متواطئاً بدوره في هذه الجريمة

بعد حل الحركة بادر ناشطوها إلى تأسيس «لجان إفشاء السلام» في مجتمع فلسطينيي الداخل، من خلال لجنة متابعة شؤون الجماهير العربية، لمواجهة ظاهرة جرائم القتل الجنائية، التي تجري تحت بصر وسمع وزارة الأمن القومي التي يترأسها الفاشي بن غفير، هذه الجرائم حصدت منذ بداية العام الحالي أكثر من مئة وأربعين شخصا رمياً بالرصاص. لا تصل نسبة الكشف عن المجرمين إلى 15%، حسب إحصاء عام 2024، بينما تصل نسبة الكشف عن مثل هذه الجرائم في المجتمع اليهودي إلى 65%، وهو ما يؤكد تواطؤ السلطات مع عصابات الإجرام. قامت السلطات مطلع العام الجاري بإخراج لجان إفشاء السلام عن القانون، بحجة أن من يقف وراءها هو، الحركة الإسلامية المحظورة. علما أن هذه اللجان تمكنت من إجراء العديد من اتفاقيات الصلح بين عائلات متخاصمة، وقربت بين أطراف نزاع متورطة في جرائم قتل متبادلة، رغم هذا فالسؤال مشروعٌ، لماذا سمحت السلطات لهذه المجموعة التي تعتبرها معادية بالتظاهر أمام السفارة المصرية في تل أبيب؟ تهتم دولة الاحتلال بالظهور أمام العالم بأنها دولة ديمقراطية، وهذا يضلل الكثيرين، ولهذا تتيح هامشاً للاحتجاجات والمعارضات بمختلف أشكالها. كانت هنالك تظاهرات أمام السفارة الأمريكية في تل أبيب، آخرها يوم الثلاثاء الماضي، اشترك فيها قيادات من لجنة متابعة قضايا الجماهير العربية في إسرائيل وناشطون آخرون. هل تستغل دولة الاحتلال الهجمة على سفارات مصر في العالم لتبرئة نفسها من جريمة التجويع؟ نعم وبلا أدنى شك أنها تستغلها. لكن، هل أتاح الموقف المصري الرسمي هذا المنفذ للاحتلال؟ من يتابع الموقف المصري منذ بدء حرب الإبادة يلاحظ أن النظام يطلق على ما يجري «الأزمة»، ولم يصفها بحرب الإبادة، ولا حتى مرة واحدة. ووصف الجرائم دائما بمصطلحات شديدة الدبلوماسية، وعلى حياء بأنها «تتجاوز حدود الدفاع عن النفس» وبـ»أن ما يجري في قطاع غزة غير مقبول».
قال سموتريتش وزير المالية الفاشي في حكومة جرائم الحرب، إنه وافق على البقاء في الحكومة، رغم سماحها بإدخال مساعدات إلى قطاع غزة، بعدما أقنعه نتنياهو بوجود هدف استراتيجي سيتحقق من هذا الموقف! يقال إن الهدف الاستراتيجي هو ضم بعض المناطق من قطاع غزة للاحتلال. لكن هناك هدفا استراتيجيا لا يقل أهمية.. إسرائيل ادعت طيلة الوقت بأنها لم تكن عائقاً في إدخال المساعدات، بل حمّلت الجانب المصري المسؤولية، خلال مرافعة دفاعها أمام محكمة الجنايات الدولية في مواجهة تهمة استخدام التجويع كسلاح. الآن هي فرصة للاحتلال ليثبت أنه لم يكن العائق بالفعل، بل الجانب المصري، إضافة إلى ادعائه بأن تنظيم حماس هو الذي يستولي على المساعدات لبيعها في الأسواق لتمويل أعضائه وعائلاتهم. هكذا يجري الآن تلبيس ملف التجويع الجانب المصري.
يقول عبد الفتاح السيسي الآن إنه يرسل الشاحنات وقد بدأت بالدخول بالفعل، بفضل ضغط دولي شعبي على النظام المصري، من خلال إغلاق بعض سفاراتها في العالم، وتحركات غاضبة داخل مصر. يتزامن سماح نتنياهو مع الضغوطات على السيسي، وهذا يوحي بأن العائق بالفعل كان مصر وليس الاحتلال، أو على الأٌقل يجري بتنسيق بين الطرفين. لا شك أن المسؤول الأول والأخير عن الإبادة والتجويع هو الاحتلال، ولكنه وجد من يبتلع الطعم ليصبح متواطئاً بدوره في هذه الجريمة. حتى الأمس القريب ادعى الجانب المصري أن المعبر مفتوح، بينما القوافل كانت تتوقف لأسابيع وأشهر أمام المعبر، عاجزة عن الدخول حتى التلف، أو السمسرة على البضائع وبيعها لتجار الحرب. الجانب المصري منع المصريين من التضامن أو التعبير عن الغضب إزاء ما يجري في قطاع غزة، بادعاء أن من يحرك هؤلاء هم «فلول الإخوان المسلمين والإرهابيين الذين ينفذون أجندة خارجية». الحقد على الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية أعمى بصيرة الكثيرين حتى من الديمقراطيين ودعاة حقوق الإنسان. النظام المصري أعاق قافلة الصمود الأممية، حتى قمع المشاركين فيها بشتى الحجج الأمنية، ووضع شروطاً تعجيزية لمنع وصولها إلى هدفها، بل جرى اعتداء مدبر بالضرب على عدد من الناشطين، ومصادرة جوازات سفر بعضهم، من بينهم نجل نيلسون مانديلا، وهذا دمغ الموقف المصري عالمياً.
منذ بداية حرب الإبادة عام 2023 اقترح عبد الفتاح السيسي على نتنياهو نقل أكثر من مليوني فلسطيني إلى النقب، ريثما يجري ما سماه «القضاء على الجماعات المسلحة»، في رده على مطلب نتنياهو بتهجيرهم إلى سيناء، إضافة الى شكوك قوية باستقبال سفينة محملة بالذخيرة الحربية لدولة الاحتلال في أوج المذبحة، بحجة الالتزام بالاتفاقات الدولية، بينما رفضت بعض الموانئ الغربية استقبال مثل هذه الحمولات.
محللون سياسيون من ذوي المصداقية العالية في إسرائيل، يتحدثون عن «تعاون مصري إسرائيلي مثير حتى لعجب اليمين الإسرائيلي»! فما هي أسرار هذه التعاون ومن هم ضحاياه؟ تصريحات الجنرال عبد الفتاح السيسي في أوج حرب الإبادة بأن «السلام بين مصر وإسرائيل يعتبر نموذجاً يُحتذى»، في توقيت يضج فيه العالم من جرائم الاحتلال! ثم جاء موقفه مؤخراً من بيان الأزهر، الذي طالب بالضغط لأجل فتح المعابر لتوصيل المساعدات بكل الوسائل الممكنة، ثم سحب البيان بعد ساعات بأمرٍ من النظام، بحجة أن هذا يمس بالجهود التفاوضية لوقف إطلاق النار. أثبت بهذا أن قرارات الأزهر غير مستقلة، ولو فرضنا أن شيخ الأزهر أحمد الطيب رفض سحب البيان فما الذي كان سيحدث معه؟
تزداد وحشية الاحتلال بالذات عندما لا يسمع أصواتاً معارضة وبقوة لجرائمه، وبالذات من دولة إقليمية بحجم مصر، أما سحب بيان الأزهر لأجل استرضائه، فهذه جائزة للاحتلال ومنحه ثقة أكبر بنفسه. يلعب نتنياهو لعبته، فهو يريد الآن أن يبرهن بأن الذي جوع الناس هو مصر وحماس وعصابات مسلحة، وهذا تصديقٌ لما جاء في دفاعه في محكمة الجنايات الدولية. الآن وبعد بدء إدخال مساعدات بوتيرة أكثر بعد ضغوط مورست على السيسي، وبعد بيان الأزهر المسحوب، وبعد مهاجمة سفارات مصر في عدد من الدول الأوروبية والعربية، وملامح تحرك للشارع المصري نصرة لجيرانهم المُجوعين، يبدو وكأن نظام مصر بالفعل هو الذي كان يمنع دخول الشاحنات، أو أنه لم يفعل الحد الأدنى المطلوب لإدخالها، واكتفى ببيانات طالبت «العالم» بفتح معابر آمنة للمساعدات من غير أن يحاول هو أن يفعل ذلك.
الآن هي اللحظة المناسبة لإظهار براءة الاحتلال من جريمة التجويع على حساب السيسي «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين». الآن جاء دور ارتداء القناع الديمقراطي. الاحتلال يمنح اتحاد الأئمة المسلمين ترخيصاً للتظاهر أمام السفارة المصرية في تل أبيب، يا سلام، – ما أروعه من موقفٍ إنساني! هذا يخدمه أمام محكمة الجنايات الدولية بأن مصر هي المسؤول. أراد النظام المصري أن يثبت حياديته وأن يكسب رضا المجرمين، وربما أنْ ينتقم من الإخوان والتنظيمات الإسلامية التي تكن له العداء منذ انقلابه، لكنه بات متواطئاً في ما هو أبعد بكثير من محاربة ما يسميه الإرهاب، بل يجري استخدامه للتخفيف من همجية الاحتلال وعلى حسابه.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية