دمشق ـ «القدس العربي»: مع إعلان الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة، أحمد الشرع، الأحد، قراره بتشكيل لجنة من الخبراء القانونيين لصياغة مسودة الإعلان الدستوري، بهدف سد الفراغ الدستوري الذي تعيشه البلاد، زاد النقاش السياسي حول ملامح هذا الإعلان ودوره، وسط تسريبات حول بنوده ، قالت مصادر لـ»القدس العربي» إنها غير دقيق، موضحة أن اللجنة لم تتفق بعد على أي مسودة وأن ما يتم نقاشه هو مجرد أفكار، في حين اعتبرت مصادر حقوقية أن المهم في الأمر هو ما سينتج عن هذه اللجنة ومنها ما يتعلق بالمحكمة الدستورية وتبعيتها، أما «المجلس الوطني الكردي» فقد طالب بأن تأخذ اللجنة بعين الاعتبار حقوق الكرد في مسألة شكل وهوية الدولة وإلا فإنهم «سيعيدوننا خطوات إلى الوراء».
وأوضح قرار الشرع أن اللجنة شكلت «انطلاقاً من تطلعات الشعب السوري في بناء دولته على أسس سيادة القانون، وبناءً على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري، وبهدف إعداد الإطار القانوني الناظم للمرحلة الانتقالية».
وكشفت مصادر «القدس العربي» أن اللجنة «عقدت عدة اجتماعات قبل الإعلان الرسمي عن تشكيلها، وتمت مناقشة العديد من المسودات والأفكار، وأنها ستبقى في حالة انعقاد حتى وضع وثيقة الإعلان الدستوري التي سيتم رفعها كمقترح إلى رئيس الجمهورية».
وقالت المصادر إن «كل ما ينشر عن مسودات دستورية حالية ليست دقيقة، ولم تتفق اللجنة بعد على أي مسودة وما تم نقاشه مجرد أفكار ولا توجد مدة محددة لإنهاء عملها، كما أن السقف مفتوح لها لاعتماد أي أفكار تتفق عليها»، مشيرة إلى أن «وظيفة الإعلان الدستوري، هي فقط تنظيم المرحلة الانتقالية التي قد تمتد لفترة ليست بالقصيرة».
وحسب قرار التشكيل فقد ضمت اللجنة 7 من الخبراء القانونيين هم عبد الحميد العواك، وياسر الحويش، وإسماعيل الخلفان، وريعان كحيلان، ومحمد رضى جلخي، وأحمد قربي، وبهية مارديني.
وفي تصريحه لـ»القدس العربي» الأحد، أوضح قربي أن «الإعلان الدستوري سينظم المرحلة الانتقالية بكل تفاصيلها، من توزيع السلطات والصلاحيات والمؤسسات والحقوق الحريات، والمبادئ الأساسية»، ولفت إلى أن المهمة الأبرز في عمل اللجنة اليوم «هي تحديد شكل نظام الحكم في المرحلة الانتقالية»، مشيراً إلى أن «التوجه العام، بعد اجتماع فريق من الرئاسة وأعضاء من اللجنة، أن يكون هناك تبنٍ للنظام الرئاسي في هذه المرحلة، واللجنة الآن سترفع عدة أفكار بهذا الخصوص».
مؤشر «سلبي»
المتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني الكردي فيصل يوسف تحدث عن وجود ملاحظات من الكرد على اللجنة وقال: «ما زلنا نؤكد على الشراكة الوطنية عبر الهيئات التي ستشكل الدولة السورية الجديدة، ولكن وكما كان موقفنا من اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، فإن هذه اللجنة أيضا شُكلت من دون الأخذ بعين الاعتبار المكون الكردي الذي يشكل ثاني قومية في البلاد، ومن دون استشارة أي أحد وهذه من ضمن المؤشرات السلبية جداً وليست موضع ارتياح بالنسبة لنا»، مشيراً إلى أن «المكون الكردي منتشر على مساحة سوريا، ولا نقلل من أي شخص ولكننا نقول إن الصفة الاعتبارية للشعب الكردي تتمثل عبر الحركة السياسية الكردية ولدينا رؤيتنا تجاه هوية سوريا وشكل الدولة المقبل».
وتابع: «في الحوار الذي نخوضه حالياً بشكل غير مباشر عبر قائد قوات سوريا الديمقراطية- قسد مظلوم عبدي، مع حزب الاتحاد الديمقراطي، قد نتوصل إلى رؤية سياسية مشتركة حول شكل وهوية الدولة والمطالب الكردية، وهذه ستكون على طاولة الحوار مع الحكومة في دمشق عندما يبدأ، واليوم فإن اللجنة الخاصة بالإعلان الدستوري إن لم تأخذ بالاعتبار حقوق الشعب الكردي ورؤية الحركة السياسية الكردية في مسألة شكل وهوية الدولة فإنهم بذلك يعيدوننا خطوات إلى الوراء».
الشعال يؤكد أن كل الدساتير في بلدنا حددت الإسلام كدين للرئيس
بينما أوضح الخبير القانوني عارف الشعال في تصريح لـ«القدس العربي» أن تشكيل هذه اللجنة يعكس نهجاً متوازناً في صياغة الإعلان الدستوري، على اعتبار أن رئيس الجمهورية يمتلك صلاحية إصداره منفرداً، فبدلاً من إصدار إعلان دستوري قد تواجهه انتقادات بصفته قرارا فرديا، جاء تشكيل اللجنة ليضفي طابعا مؤسساتياً على العملية، مما يعزز شرعية المرحلة الانتقالية»، مشدداً على أن «وجود لجنة استشارية يرسّخ مبدأ التشاور، حتى في ظل السلطات الاستثنائية، مما يسهم في توفير أرضية أكثر توافقية لبناء المرحلة المقبلة». وظهرت ردود أفعال مختلفة تجاه إمكان أن يؤكد الإعلان الدستوري على أن تكون ديانة رئيس الجمهورية هي الإسلام.
وعقب على أن كل الدساتير السورية التي صدرت أعوام 1920 و1930 و1950 و2012 و1920 كلها ثبتت دين رئيس الجمهورية على أنه مسلم.
وقال: إن «الإعلان الدستوري لم يصدر بشكل رسمي، وهذه تسريبات نتحفظ عليها وعلى دقتها، ولكن إن تضمن الإعلان الدستوري هذا النص فإنه سيتنافى مع مبدأ المساواة بين المواطنين بالحقوق الذي قد يأتي ضمن الإعلان أيضاً». واعتبر أن «هذا النص هو نوع من الإرضاء للمسلمين ولكن من حيث الجوهر هو ليس بلائق بدولة المواطنة والحقوق»، موضحاً أن «نقاشا حاداً يدور حول هذه الفقرة عندما يتم فتح باب الحديث عن تعديل الدستور، ففي عام 1950 كان هناك جدل كبير حوله، فالشيخ مصطفى السباعي كان يريد حينها أن يكون دين الدولة الإسلام لكن اعتراض آخرين مثل فارس الخوري وسواه، جعل الحل الوسط أن يكون دين رئيس الدولة الإسلام، والأمر تكرر بداية حقبة سبعينيات القرن الماضي عندما طالب أيضا الشيخ مصطفى حبنكي بأن يكون دين الدولة هو الإسلام، وهذا مطلب خاطئ لأن مؤسسات الدولة ذات صفة اعتبارية وليس لها دين، وتم التوافق حينها أيضا مع حافظ الأسد على أن يكون دين رئيس الدولة الإسلام».
وبين أن «هذا النص فيه استبعاد لشرائح سورية من الترشح لمنصب الرئاسة وهو ما يتنافى مع دول القانون والحقوق والمواطنة».
وحول التحفظات الكردية على لجنة الإعلان الدستوري قال الشعال إن «الاعلان الدستوري يمكن أن يصدر من صفحة واحدة بأربع أو خمس مواد أو أكثر قليلاً، كما كان حال الإعلان الدستوري الصادر بعد الانفصال عن مصر، ومن ثم فإن هذه اللجنة التي شكلها الرئيس الشرع هي اجتهاد منه ولم يكن ملزماً بتشكيلها، باعتبار أن الهيئة الثورية التي تولت الحكم وأسقطت النظام والدستور، هي من تتولى إصدار الإعلان الدستوري من دون مراقبة من أي جهة كانت، والبلاد اليوم في حالة فراغ دستوري أو حالة اللادستور، لا يوج هناك أي شيء يجبرهم على تشكيل هذه اللجنة الفنية لصياغة الإعلان الدستوري والتي لا تحتاج إلى حالة تمثيلية واسعة».
العبرة في المنتج النهائي
وقال إن «العبرة في المنتج النهائي وما سيصدر من هذه اللجنة، من قبيل أن يتم تعيين المحكمة الدستورية من قبل رئيس الدولة، وليس من قبل مجلس القضاء الأعلى أو مجلس الدولة، وهذه هي الأمور الهامة أكثر من المسائل الشكلية». وإذ أوضح أن رئيس الجمهورية وحتى بعد إصدار الإعلان الدستوري يمكن له أن يقوم بتعديله في وقت لاحق، كما حصل في مصر مثلاً، رجح أن «الإعلان الدستوري لن يتطرق إلى طبيعة النظام المقبل في سوريا إن كان جمهورياً أو برلمانياً أو شبه برلماني ولا هوية الدولة وشكلها، لأن مثل هذه الأمور ليست من مهام الاعلان الدستوري وإنما مهامه في أن يحدد دور رئيس الجمهورية ودور مجلس الوزراء باعتبار أن مهام السلطة التنفيذية واسعة كثيرا فيقوم الإعلان الدستوري بتوزيع هذه المهام بين الرئاسة والحكومة».
وأكد أن «المسائل التي تتعلق بهوية الدولة وشكلها وطبيعتها فهذه سيتم تحديدها عبر التفاوض بين الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية خلال إعداد الدستور قبل طرحه على التصويت لأنها ليست مسألة فنية، وإنما مسألة تفاوض وتوافق، ومثل هذه المفاوضات استمرت بين القوى السورية لسنة كاملة عند وضع دستور 1950».
وإن كان الإعلان الدستوري سيتطرق إلى الهيئات الانتقالية مثل تشكيل اللجنة الدستورية والمجلس التشريعي الانتقالي قال: «أعتقد أن المجلس التشريعي سيبقى في يد رئيس الدولة وهو ما حدده بيان النصر، ولن تذهب الأمور باتجاه أن يسميهم مجلس الوزراء أو أن يتم انتخابهم».