سؤال محيّر: هل ما زالت هناك أي جدوى في مواصلة التعليق على تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيّد؟!
وجاهة السؤال تعود لأمرين: الأول أن هذه التصريحات، بما في ذلك البيانات الرئاسية الرسمية، تزداد دورانا في نفس الحلقة المفرغة من العبارات الانشائية المشبعة بالعدائية والشعارات، أما الثاني فهو الوصول إلى قناعة راسخة مفادها أن الرجل غير مستعد أو قابل للتغيير لأنه لا يسمع سوى صدى صوته فيبدو مكتفيا بذاته.
سعيّد لا يتجاهل فقط من تبقى من السياسيين والنشطاء والصحافيين المصرّين على مواصلة إبداء آرائهم وإنما أيضا أبناء الشعب نفسه الذي يتحدث دائما باسمهم. يستوي في ذلك من خرجوا ببضعة آلاف ضده، أو بعشرات الآلاف كما حدث في مدينة قابس للمطالبة بإغلاق معمل كيمياوي ضار بالبيئة وصحة الناس. أما إن خرج بضعة آلاف من مؤيديه الذين عبأتهم الإدارات المحلية القديمة الجديدة المجلوبة على ذلك فيرى في تحرّكهم «تفويضا شعبيا» يجعل بإمكانه المرور إلى «السرعة القصوى»!!.
هذا الاستنتاج أوصل العديد إلى طرح السؤال المحيّر هل نواصل رصد تصريحات الرئيس ونقدها، أم نفقد الأمل بالكامل فنتوقف؟!.
المؤيدون لاستمرار الرصد يقولون بصحة خيارهم على أساس أنه لابد من تعرية تصريحات الرئيس وعدم التطبيع معها، لأن التوقف عن ذلك يعني الاستسلام لمنطقه وترك الساحة قاحلة أمامه بلا أي كوابح، حتى وإن كانت مجرد مواقف وآراء. التوقف يعني، بالنسبة إليهم، أن سياسة تكميم الأفواه أتت أكلها بحيث لم يعد هناك من أحد يتجرأ على مجرد الإدلاء بتعليق نقدي سواء ببيان أو مقال أو حتى مجرد تدوينة في مواقع التواصل بعد الزج بالمعارضين في السجون وترهيب من بقي خارجه وإخراس كل المنابر الإعلامية الناقدة وشطب المؤسسات الرقابية الدستورية.
الكثير من النخبة الفكرية أو الجامعية أو المهنية صمتت بالكامل وارتأت النأي بنفسها عن هذا الاشتباك، أحيانا إيثارا للسلامة أو ركونا إلى اللامبالاة
أما المخالفون لهذا الطرح فيرون أن الرد على العبث والتفاهة السائدين هو في نهاية المطاف انخراط فيهما، حتى أن وزيرا سابقا هو الأستاذ الجامعي عبد الوهاب معطر نفض يده بالكامل من الرئيس قائلا «رفعت عنه القلم منذ 6 أشهر وحوّلت وجهتي نحو البحث عن آليات إنقاذ البلاد وتجميع شروط ذلك». أما زميله أستاذ القانون الدستوري وحيد الفرشيشي فلم يتردد في القول في سياق محاضرة استعرض فيها تمشي الرئيس التدريجي لإرساء دعائم الاستبداد إنه يفعل ذلك للمرة الأخيرة إذ «لم تعد له طاقة لتحليل التفاهة»، فيما رد الصحافي زياد الهاني على من سألته «لماذا لا تعلّق على تصريحات رئيس الدولة وكيف تسكت على هذا الكمّ الهائل من المغالطات التي يروّجها؟» بالقول «قيس سعيّد لم يعد يعني لي شيئا، ومجرد متابعته أصبحت في تقديري هدرًا للوقت، فما بالك بالردّ عليه. أتركه لجمهوره من الغافلين والانتهازيين، فهم أجدر ببعض». آخرون ممن سايروا هذا التمشي رأوا من «الأفضل الترفّع عن التعليق لأننا بذلك نعمّق أكثر انتشار التفاهة».
لكل وجهة نظر ما يدعمها لكنهما تعكسان في النهاية نهجين في التعامل مع سياسات الرئيس التونسي: نهج يفضّل مواصلة فضح التفرّد بمصير بلد بأكمله والعبث بكل مقوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية المذهبية، نهج يراه أصحابه مقاومة مشروعة فرضت عليهم ولابد من المضي فيها إلى الآخر خاصة وأن هناك من دفع ثمنها غاليا من حريته ومن بينهم من تجاوز الثمانين مثل راشد الغنوشي وأحمد نجيب الشابي. أما النهج الآخر فيرى في الترفّع عن مواصلة انتقاد الرئيس نوعا من السمو عن الانخراط في العبث الذي فرضه أسلوبا لحكمه وأن من الأفضل ترك الأمور تسير على ما عليه من ضحالة وبؤس إذ لا عدو لقيس سعيّد أشرس وأقوى من سعيّد نفسه. نهج يرى من الأنسب نفض اليد بالكامل من الرجل لأنه بتقديرهم حالة ميؤوس منها بالكامل، والتوجه في المقابل إلى ترتيب ما هو أكثر فائدة للبلاد والعباد من بعده.
المشكل أن «الاشتباك» مع الرئيس سعيّد، الذي يفترض أنه أمر عادي للغاية في أي نظام يقول عن نفسه إنه ديمقراطي، تحوّل عند أنصاره، وهم كتلة هزيلة للغاية في تفكيرها وتعبيراتها السياسية، إلى نوع من الهرطقة فينهالوا على كل معارض بأقذع المفردات وأكثرها بذاءة أما «أخفّها وأكثرها احتراما» فهي الخيانة والعمالة والارتهان للخارج، بحيث لم يعد هناك من مجال لأي نقاش سياسي في البلاد مع جمهور كهذا، خاصة وأن الكثير من النخبة الفكرية أو الجامعية أو المهنية صمتت بالكامل وارتأت النأي بنفسها عن هذا الاشتباك، أحيانا إيثارا للسلامة أو ركونا إلى اللامبالاة، أو «قرفا» مما آلت إليه الأمور من انحدار غير مسبوق.
المشكل الأخطر أن تفشي مثل هذا المناخ في البلاد سيزيد من دفعه نحو جب سحيق، يتحمّل مسؤوليته الجميع إن هم قرروا الصمت. وكما قال الصحافي الأمريكي الشهير إدوارد مورو (1908-1965) «لا أحد بإمكانه أن يرهب شعبا بأكمله، إلا إذا كنا جميعا شركاء له».
كاتب وإعلامي تونسي