إذا اعتاد الإسرائيلي على قراءة صحيفة «معاريف»، فسيتابع تقارير منسوبة إلى دوائر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، تتحدث عن خطط تدعو إلى احتلال تدريجي لمناطق في قطاع غزة لم تشملها عمليات جيش الاحتلال حتى الساعة، تمهيداً لضمها وإقامة كيان خاص لإدارتها. ولن يغيب عن هذه التقارير تفصيل حاسم يشير إلى أن إدارة ترامب منحت نتنياهو الضوء الأخضر في هذا الصدد.
أما إذا كان إسرائيلي آخر يقرأ صحيفة «هآرتس» فإنه سيجد عرضاً مختلفاً لخطط الضمّ هذه، لأن أغراض نتنياهو لا صلة لها باعتبارات الأمن وتحقيق بعض أهداف رئيس الحكومة الإسرائيلية من حرب الإبادة المتواصلة منذ 7 تشرين الثاني/ أكتوبر 2023. مطمع نتنياهو الأبرز هو تسخير احتلال المزيد من أجزاء قطاع غزة لإغراء وزير المالية بتسلئيل سموترتش بالبقاء في صف الحكومة داخل الائتلاف اليميني الحاكم ومقاعد الكنيست.
وبين صحيفة وأخرى، قد يعثر قارئ إسرائيلي ثالث على تصريح لوزيرة الاستيطان أوريت ستوكر، التي تمثل جماعات «البيت اليهودي» والصهيونية المتدينة، تقول فيه إنه إذا لم تستطع حكومة نتنياهو قيادة الاحتلال إلى النصر، ليس في إطار سنوات، بل في إطار أيام، فما حاجتنا إلى البقاء في غزة»، وما سبب استمرار الوزيرة ومحازبيها داخل الحكومة ذاتها أو مساندتها على صعيد الكنيست استطراداً. أو تصريح من ساسة «المعارضة» هنا وهناك، يتهم نتنياهو بإدخال الفاشية، أو أنه العدو الوجودي للكيان الصهيوني.
وقد لا يُستثنى أي قارئ إسرائيلي، إلا ما ندر ندرة قصوى، من شعور بالقلق إزاء اضطرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الاعتراف بأن مشاهد تجويع الأطفال في قطاع غزة «حقيقية» و»لا يمكن اصطناعها»، وأن يأتي هذا الإقرار من العاصمة البريطانية، صحبة رئيس الوزراء البريطاني الذي يواصل المراوغة حول ضغوط هائلة من وزرائه ونواب حزبه للاقتداء بالرئيس الفرنسي وإعلان العزم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وكيف للقلق ألا يتعاظم أكثر مع أخبار تقول إن الحكومة الألمانية، الراكعة أو تكاد أمام سياسات الحكومة الأكثر يمينية وفاشية في تاريخ الكيان الصهيوني، أخذت تخضع بدورها لضغوط وفيات مئات الأطفال جراء التجويع أو سوء التغذية، وتنوي الاحتذاء بمبادرة إسبانيا إلى تنظيم حملات جوية لإسقاط الغذاء والدواء لأكثر من 2,4 مليون فلسطيني مجوّع في القطاع. على المنوال ذاته كيف يقرأ الإسرائيلي خبراً يتوجب أن يكون صادماً وطارئاً على مداركه، مفاده أن الحكومة الهولندية، ذاتها التي ساندت دولة الاحتلال طويلاً وسكتت عن جرائم الحرب الإسرائيلية أسوة بزميلاتها الدول الأوروبية، تعلن اليوم أن سموترتش وإيتمار بن غفير شخصان غير مرغوب بهما في هولندا؟
وإذا كان الشعور بالقلق ينتاب القارئ الإسرائيلي على اختلاف انتماءاته السياسية والدينية والأخلاقية، فإن المستوى التالي يتوجب أن يكون حال التشوش والاضطراب تجاه كيان لا ينحدر أكثر فأكثر نحو أسوأ أنظمة الأبارتايد فحسب، بل باتت صورته في ناظر العالم بأسره ملطخة بأشنع مظاهر جرائم الحرب وأبشعها.