لندن – “القدس العربي”:اعتادت أوروبا حتى منتصف تسعينات القرن الماضي، على ميلاد بطل جديد كل بضع سنوات، حتى بعد تعديل نظام ومسمى البطولة إلى ما هو عليه الآن، ولم تتغير القاعدة شبه الثابتة، بوصول بوروسيا دورتموند إلى منصة التتويج عام 1996، بقهر حامل اللقب آنذاك يوفنتوس بثلاثية مقابل هدف في الملعب “الأولمبي” القديم في ميونيخ. ومنذ ذلك الحين، أو بالأحرى منذ بداية الألفية الجديدة، لم يتغير وجه البطل عن الوجوه المألوفة، إلا مرة واحدة، والمفارقة، كانت بافاريا شاهدة على آخر بطل، عندما فعلها ديدييه دروغبا، باحتفاله الشهير بهدف تتويج تشلسي باللقب اللندني الوحيد على حساب بايرن ميونيخ في عقر داره “آليانز آرينا”.
الحصان الأسود
من حُسن حظ عشاق كرة القدم، أن العقل الألماني ابتكر خارطة طريق إنقاذ الموسم بأفضل طريقة وأقل خسائر ممكنة، حتى لو بتعديل نظام ذات الأذنين، بتقليص عدد سهرات المتعة والإثارة بنسبة 50%، بإقامة مباريات الدورين ربع النهائي ونصف النهائي بنظام المباراة الواحدة، كأنها بطولة مجمعة ستستضيفها العاصمة البرتغالية لشبونة، بداية من سهرة الأربعاء المنتظرة، التي ستجمع عملاق الكرة الفرنسية باريس سان جيرمان بخصمه الإيطالي العنيد أتالانتا على ملعب “الضوء”، وفي اليوم التالي سيكون ثالث الليغا أتلتيكو مدريد على موعد مع نظيره في نفس المركز في البوندسليغا لايبزيج على ملعب “خوسيه الفالادي”، في مباراتين ستسفر نتيجتهما عن وصول اثنين لم يسبق لهما تذوق طعم البطولة من قبل إلى نصف النهائي، ما يزيد من فرص واحتمالية ميلاد بطل جديد بنسبة لا تقل عن 50%، وذلك بصرف النظر عن نتائج الفائزين من قبل، نظرا للاختلاف الكبير في أجواء البطولة بإقامة المباريات بدون جمهور، مقارنة بالوضع في زمن ما قبل كورونا، تشعر وكأن الغياب
الجماهيري جعل الرؤوس متساوية بين الجميع، فما بالك، عندما تكون هناك أندية مؤهلة أو قابلة بالفعل للذهاب بعيدا في الأبطال ومعانقة اللقب للمرة الأولى، ليكون عام كورونا شاهدا على البطل رقم 23، بعد توقف الرقم عند 22 منذ عام 2012، ويأتي في مقدمة هؤلاء، الحصان الإيطالي الجامح أتالانتا، ذاك الفريق الذي سطر ريمونتادا لا تنسى هذا الموسم، بعد بدايته الأقل من المتواضعة، والتي وصلت لحد التجرع من مرارة الهزيمة في أول ثلاث مواجهات في مرحلة المجموعات، ليصل إلى منتصف الطريق في هذه المرحلة بلا نقطة يتيمة وفارق أهداف (-9)، وفي نفس التوقيت، كان فريق بيرغامو يقبع في المركز السادس في جدول ترتيب أندية جنة كرة القدم، متأخرا عن المتصدر يوفنتوس بـ13 نقطة. ومنذ تلك اللحظة، لنا أن نتخيل أن جانبييرو غاسبريني ورجاله، نجحوا في جمع 53 نقطة في 25 مباراة، تأكيدا، أن ما حدث الموسم الماضي لم يكن عبثا، وإلا لما حافظوا على مكانهم ضمن الثلاثة الأوائل للموسم الثاني على التوالي، لكن بأرقام تاريخية، منها مثلا جمع تسع نقاط أكثر من الموسم الماضي، وبفارق خمس نقاط عن البطل وأربعة عن الوصيف، وأهم من هذا وذلك، حصيلة أهدافهم الأسطورية، التي بلغت 98 هدفا، من دون مشاركة أي لاعب إيطالي في أي هدف، كأعلى معدل تهديفي في تاريخ النادي اللومباردي.
كلمة السر ونقطة الضعف
على مستوى الأبطال، تحول المستحيل إلى حقيقة، بجمع سبع نقاط في آخر ثلاث مباريات في الأبطال، بواقع نقطة أمام مانشستر سيتي وستة من فم شاختار دونيتسك ودينامو زغرب، وكانت نقاط كافية لمرافقة السيتيزينز إلى الأدوار الإقصائية بفارق نقطة عن ممثلي شرق أوروبا. بعدها أرسل أتالانتا جاره الإسباني فالنسيا إلى المجهول، بافتراسه بنتيجة 8-4 في مجموع مباراتي ذهاب وإياب ثمن النهائي قبل إعلان كوفيد-19 جائحة عالمية في الثاني عشر من مارس/ آذار. والسؤال الذي يفرض نفسه: من أين أتى غاسبريني بهذا الجبروت الكروي؟ أول شيء يمكن ملاحظته، الجرأة الكبيرة والتنوع والكثافة العددية الكبيرة في الهجوم، وذلك بأقل تكاليف ممكنة، على غرار صفقة نجم الموسم جوسيب إيليشيش، الذي جاء من فيورنتينا مقابل رسوم لم تتخط حاجز الستة ملايين يورو، لتنفجر موهبته، بتسجيل 15 هدفا بالإضافة إلى ثماني تمريرات حاسمة في 26 مباراة، غير أن المدرب أبدع في تطوير مستوى وعقلية لاعبين ساهموا في نجاحات النادي هذا الموسم، أبرزهم القائد بابو غوميز، الذي ساهم بمفرده بـ16 هدفا، وما ساعده على الصمود حتى نهاية موسم الكالتشيو والوصول إلى ربع نهائي الأبطال في مشاركته الأولى، توافر بدلاء على نفس مستوى الأساسيين، متمثلة في أسماء من نوعية لويس مورييل ورسلان مالينوفسكي، اللذين صنعا الفارق في دقائق مشاركتهم بعد الاستعانة بهم من على مقاعد البدلاء، لا سيما الأخير، الذي سجل 8 أهداف وقدم 8 تمريرات حاسمة في 33 مباراة، لكن في 32 % فقط من دقائق اللعب المستحقة. لكن مشكلة غاسبريني الوحيدة، تكمن في ضعف خط دفاعه، باستقباله 16 هدفا في ذات الأذنين، ومحليا، لديه أسوأ سجل دفاعي في الخمسة الأوائل، باهتزاز الشباك 48 مرة، وهذا يعني، أن نادي بيرغامو بحاجة لتقديم أفضل ما لديه على مستوى الدفاع، وتفادي الهدايا المجانية والأخطاء الساذجة، وإلا سيقع فريسة سهلة أمام العملاق الباريسي، رغم أنه ليس في أفضل حالاته.
المرشح المفضل
بالنظر إلى فارق القيمة السوقية بين باريس سان جيرمان وأتالانتا، سنجد أنها تتماشى مع نسبة المراهنين على الفريق الباريسي في مكاتب المراهنة، بوصول النسبة لـ11 مراهنا على الباريسيين مقابل واحد للطليان، لكن واقعيا وبلغة كرة القدم، من الصعب استبعاد حدوث المفاجأة، للأفضلية الواضحة لكتيبة غاسبريني، التي اكتسبت “فورمة” المباريات، بخوض 13 مباراة في غضون شهر ونصف شهر، مقابل مباراتين بالصبغة الرسمية لعبهما توماس توخيل وفريقه منذ البروفة الصامتة الأولى قبل تعليق النشاط، ليلة الإطاحة ببروسيا دورتموند من دور الـ16 بثنائية نيمار جونيور وخوان بيرنات، وكانتا أمام سانت ايتيان في نهائي كأس فرنسا، وانتهت بهدف بشق الأنفس بهدف الساحر البرازيلي، والثانية كانت أمام ليون في نهائي كأس رابطة المحترفين في آخر ساعات يوليو/ تموز، وانتهت بفوز الفريق الباريسي بمساعدة ركلات الترجيح. ورغم أن بطل الليغ1 في آخر ثلاثة مواسم، حقق الهدف المنشود، بالفوز بالنهائيين وضمان الثلاثية المحلية، لكن كان واضحا أن باريس حقق اللقبين بميزة الفوارق الفردية بين نيمار والمنافسين وقليل من الحظ في ركلات الجزاء والترجيح، ما يمكن اعتباره أو وصفه بالانتصارات المخدرة، لصعوبة سرقة منافس لا يستهان به كأتالانتا بهكذا أداء، وبدون أنياب حقيقية في الهجوم، بعد ظهور تأثر الخط الأمامي بغياب القناص كيليان مبابي، المحتمل غيابه عن الموقعة، كضربة لا تقل فداحة عن غياب إليشيش عن الفريق الإيطالي لأسباب عائلية، يحتاج لحلها أولا في سلوفاكيا قبل التفكير في العودة لركل الكرة مرة أخرى.
ولعل خروج العملاق الباريسي بهدف يتيم في 210 دقائق لعب في النهائيين، لا يعطي سوى رسائل سلبية، قبل مواجهة أقل ما يُقال عنها “معقدة”، ويكفي أنها ستكون أمام منافس يتفاخر بسجل تهديفي أفضل من أبطال البريميرليغ والليغا والسيريا آه، إلا إذا استعاد توخيل النسق العالي، الذي وصل إليه الفريق قبل توقف النشاط، وهذا يتطلب فك شفرة غاسبريني بأسلوبه المفضل الذي يعتمد على ثلاثة مدافعين في الخلف وأمامهم خمسة في الوسط وثلاثي الهجوم، معتمدا على قدرة غمسيتي وتولوي وبالومينو في الاحتفاظ والسيطرة على الكرة، وتمريرها بشكل طولي لهانز هاتيبور وروبن غوسينز على الطرف الأيمن والأيسر، ليفرضهما على الخصم، كأنهما جناحان وليسا مجرد مدافعين أيمن وأيسر، وهذا في حد ذاته، يخفف من الضغط على ثلاثي الدفاع، وفي نفس الوقت يضمن كثافة عددية على المنافس في وسط ملعبه، لينثر أليخاندرو والبقية سحرهم في الثلث الأخير من الملعب، بغارات لا تتوقف على مدار 90 دقيقة، وبنسق جنوني بالمعنى الحرفي للكلمة، فهل يتمكن المدرب الألماني من كبح جماح غاسبريني وفريقه المخيف؟ وبطبيعة الحال، لو فعلها نيمار ورفاقه بإقصاء الحصان الأسود عن جدارة، ستبقى نسبة ميلاد بطل جديدة قائمة كما هي، بوصول الأقوى من اثنين لم يسبق لهما التتويج إلى الدور نصف النهائي.
هدية نادرة
إن كان أتالانتا الحصان الأسود وباريس سان جيرمان مرشحا فوق العادة للذهاب بعيدا في البطولة، فأتلتيكو مدريد، يمكن اعتباره المرشح المفضل ليكون البطل رقم 23 في تاريخ أمجد بطولات القارة العجوز، بعد عودة الأمور إلى نصابها من قبل حتى فترة التوقف الدولي، كما حدث في ليلة الإطاحة بحامل اللقب ليفربول من دور الـ16 بقهره ذهابا وعودة، ومع تخلصه من لعنة الإصابات في فترة ما بعد كورونا، نجح في العودة من بعيد، بسلسلة من النتائج والعروض المقنعة، بتحقيق سبعة انتصارات وأربعة تعادلات في 11 مباراة، لينهي موسمه، الذي كان متواضعا حتى بداية العام في المركز الثالث المؤهل للأبطال الموسم المقبل برصيد 70، على مسافة قريبة من منافسه الألماني لايبزيغ، الذي جمع 66 نقطة، بعناصر قيمتهم السوقية حوالي 508 مليون يورو، مقابل 755 للهنود الحمر، والمفارقة أن ناغلسمان أطاح بوصيف أوروبا الموسم الماضي توتنهام، باكتساح مورينيو برباعية في مجموع مباراتي الدور ثمن النهائي، وهذا يعكس مدى تقارب أرقام وفرص قاهري بطل ووصيف النسخة الأخيرة، ولو أن فريق دييغو سيميوني، سيكون لديه أفضلية في بعض الأمور، أهمها عامل الخبرة والتمرس على البطولة، ورغبة التشولو الجامحة في تعويض سرقة لشبونة عام 2014، عندما خسر اللقب بغرابة بعد عودة سيرخيو راموس بهدف فتح المجال لفوز الريال بالكأس العاشرة، وبعد عامين، تحسر على ذات الأذنين أمام نفس العدو العاصمي، لكن بركلات الترجيح، وسبق ذلك ان خسر النادي النهائي أمام بايرن ميونيخ عام 1974، ومع عودة شخصية الفريق المعروفة عن سيميوني منذ توليه مهمة تدريب الأتلتي عام 2011، أصبحت لديه فرصة نادرة لإنهاء عقدة الأبطال، بعدما أظهر وأثبت بشكل عملي، أنه كفريق جماعي، من الصعب هزيمته في 90 دقيقة. ودعك من سجله الخالي من الهزيمة في مباريات ما بعد الوباء، لكن بمراجعة قمة برشلونة، التي عاد خلالها مرتين في النتيجة، سنتذكر مدى تماسك وقوة شخصية هذه المجموعة. ولا تنسى عزيزي القارئ أن ممثل شركة مشروبات الطاقة، سيفقد ما لا يقل عن 30% من قوته الضاربة، التي ساعدت المدرب الشاب في آخذ لايزيج إلى آفاق جديدة في موسمه الأول على المستوى الشخصي والثاني للنادي في الأبطال، والحديث عن الجلاد تيمو فيرنر، الذي انفصل عن “ريد بول آرينا” بشكل رسمي، بتوقيع عقد انتقاله إلى تشلسي.
بوجه عام، لا يوجد ما يخسره الفريقان، بعد ضمان اللعب في البطولة الموسم المقبل، وفي الغالب ستحسم بالتفاصيل البسيطة، بإنقاذ خيالي من الحارس العالمي يان أوبلاك أو بكرة ثابتة أو هجمة منظمة لأي فريق، لكن كما أشرنا أعلاه، ما سيرجح كفة الأتلتي أكثر من خصمه الألماني في مرحلة ما بعد نصف النهائي، اعتياده على هذه البطولة، بشرط أن يتجنب دابته السوداء كريستيانو رونالدو، باعتباره الوحيد، الذي عجز سيميوني على هزيمته في الأدوار الإقصائية ونهائي هذه البطولة بالذات، مع حفاظه على نفس الشخصية التي تبدو غير قابلة للهزيمة. وفي كل الأحوال، بعد مباراتي الأربعاء والخميس، سنكون على موعد مع وصول اثنين الى الدور قبل النهائي لم يسبق لهما الفوز بالبطولة، تمهيدا لمباراتهما معا، المقررة لها في الثامن عشر من أغسطس/ آب الجاري، لتحديد هوية المحظوظ الذي ستكون لديه فرصة لا تقل أبدا عن 50 % لمعانقة اللقب للمرة الأولى في تاريخه، بنهائي رابع للهنود الحمر أو أول لباريس سان جيرمان وأتالانتا ولايبزيج، وذلك بعيدا عن تحالف الفائزين من قبل، فهل هي مؤشرات لإمكانية تغيير وجوه الأبطال التقليديين؟ أم سيبقى تشلسي آخر المسجلين في قائمة الشرف؟ هذا ما سنعرفه يوم 23 الجاري.