في غمرة احتفال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في «أفضل مئة يوم بتاريخ الرئاسة الأمريكية» نسي وعوده بتحقيق السلام بغزة، وكل ما حققه هو وقف إطلاق نار هش، زعم هو والمسؤولون معه أنه حققه، لكن إسرائيل قررت في الشهر الماضي خرقه وفرضت حصارا كاملا على القطاع. وعلى مدى 60 يوما يعيش الناس القصة المعروفة من التجويع والحرمان والتهجير والقصف، بدون أن تلوح في الأفق بارقة أمل للنهاية، بل على العكس يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحاته بأن الحرب لن تنتهي إلا بهزيمة حماس التي لن يكون لها أي مستقبل في غزة. وزاد وزير المالية بتسلئيل سمورتريتش بالقول إن غزة ستخلو من سكانها وسيتم تفكيك سوريا، وهو ما بدا في تدخل إسرائيل هناك باسم حماية الطائفة الدرزية التي صدق بعض قادتها وعود إسرائيل بالحماية والأمان من إسرائيل.
الأشهر الجميلة!
وبالعودة إلى ترامب، فبعيدا عن أول ثلاثة أشهر «جميلة» لم يكن ما حققه سوى فوضى على كل الأصعدة، ولعل إعادة تشكيل حكومته وإعفاء مايك والتز من منصبه كمستشار للأمن القومي وزيادة ملفات وزير الخارجية، ماركو روبيو هي صورة عن بداية انهيار التماسك الظاهري داخل إدارة الرئيس، فقد بدأت الخلافات تظهر على السطح، وخاصة في الموضوع الإيراني.
ورأت صحيفة «وول ستريت جورنال» (1/5/2025) أن سبب عزل والتز نابع من موقفه المتشدد من أوكرانيا وإيران التي يريد ترامب تحقيق إنجازات فيها، أما غزة فليست على ما يبدو في وراد اهتماماته. وكما أشار إيشان ثارور في صحيفة «واشنطن بوست» (2/5/2025) فترامب الذي حمل مسؤولية كارثة غزة لحماس وإدارة جو بايدن وكان حله الخيالي هو الاستيلاء على القطاع وتطويره بعد تهجير سكانه، أي تطهيرهم عرقيا، ولا يبدو أنه بات اليوم مهتما بالتطوير العقاري ولا الصفقات بقدر اهتمامه بمعادن أوكرانيا والمرور المجاني من قناة السويس، كتعويض مصري على حربه المنسية ضد الحوثيين، حسبما أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» (29/4/2025)، بشكل يزيد من الضغوط على مصر ورئيسها عبد الفتاح السيسي.
حرب عبثية في اليمن
ورأت صحيفة «فايننشال تايمز»(1/5/2025) أن وعود ترامب بالسلام تتناقض معها فكرة استهدافه اليمن، فعلى مدى ستة أسابيع استهدفت القوات الأمريكية اليمن بغارات أكثر مما قامت به إدارة بايدن على مدى 13 أشهرا وقبل تولي ترامب الرئاسة.
وحسب البنتاغون فقد تعرض اليمن لأكثر من 800 غارة جوية. ولكن واشنطن لم تستطع الإجابة على السؤال الذي حاولت إدارة بايدن التعامل معه ومن قبلها السعودية، ألا وهو كيف يمكنك تقليم أظافر جماعة مسلحة بدون أن تنجر في حرب مكلفة وطويلة الأمد معها وبالضرورة باهظة الثمن وبدون هدف واضح؟ وتزعم إدارة ترامب أنها أجبرت قيادة الحوثيين على الاختفاء تحت الأرض وأن الحملة دمرت بنى تحتية مهمة للحركة، مع أن الأخيرة تحدثت عن فصف أمريكي لمركز تجمع مهاجرين أفارقة. وفي المقابل قال الحوثيون إنهم وجهوا ضربات للبوارج الأمريكية في البحر الأحمر وأوصلوا استهدافهم لإسرائيل بالصواريخ. ويقول جون أولترمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية: «لم أر أي جهد لدفع الحوثيين من أجل التوقف» و«عندما تحدثت للمسؤولين في الحكومة الأمريكية، بدوا مندهشين من حسابات الحوثيين». ويقول إن الحوثيين يستخدمون حربهم مع أمريكا وإسرائيل لتعزيز شعبيتهم في داخل اليمن والعالم العربي و«لديهم صبر». ولم تستطع إدارة بايدن التعامل مع معضلة الحوثيين، حيث فكرت في تغيير المعادلة من خلال استهداف قادة الحوثيين، وهو ما يعني منح الدعم لفصائل يمنية أخرى معادية للحوثيين، وهو أمر يبدو أن إدارة ترامب فكرت به، حسب تقارير صحافية الشهر الماضي.
وفي النهاية أوقف الحوثيون ضرباتهم بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في كانون الثاني/يناير.
وبعد خرق إسرائيل للاتفاق استأنف الحوثيون حربهم ضد الملاحة البحرية وإطلاق الصواريخ. وفي أقل من 6 أسابيع، شنت الطائرات الأمريكية 351 غارة على الأقل، حسب أكليد، المنظمة غير الربحية المختصة بجمع البيانات. وشنت واشنطن في شهر غارات زادت عما شنته في عام 2017. وقالت دانا سترول، المسؤولة السابقة في البنتاغون «كانت حملة جوية مستدامة لم تشنها أمريكا منذ هزيمة تنظيم الدولة قبل عقد». وأشارت الصحيفة إلى تكهنات حول محاولة الفصائل المعادية للحوثيين في الجنوب شن هجوم بري. لكن مسؤولين في هذه الفصائل استبعدوا الفكرة في الوقت الحالي، وقالوا إنهم تواصلوا مع الأمريكيين بدون أن تكون هناك أي خطط. وتعرف إدارة ترامب أن وقف الحوثيين لعملياتهم مرتبط بوقف إطلاق النار في غزة. وطالما استمرت في منحها الضوء الأخصر لإسرائيل كي تعمل ما تريده في غزة، طالما استمرت هجمات الحوثيين.
تواطؤ بريطانيا
ومن هنا يرى بول روجرز، أستاذ دراسات السلام بجامعة برادفورد بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» أن انضمام بريطانيا للحملة الأمريكية ضد اليمن، وإن جاءت بدافع التقرب للرئيس ترامب إلا أنها تمنح مصداقية لسياسة ترامب الخارجية التي أصبحت منبوذة دوليا. وقال إن إعلان حكومة العمال بزعامة، كير ستارمر عن أول غارة جوية لها ضد الحوثيين الأسبوع الماضي، ربما كانت رمزية، مشيرا إلى أن عملية «الراكب الخشن» هي محاول من إدارة ترامب أنها قادرة على عمل أكثر مما فعلت إدارة بايدن. وبطريقة أخرى، فهي صورة أخرى عن تورط بريطانيا في حرب جديدة بالشرق الأوسط. فقد تحولت قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص التي انطلقت منها الطائرات نحو اليمن إلى مركز نشاط في الحرب ضد غزة. ومنذ بداية الحرب في تشرين الأول/أكتوبر قامت طائرات التجسس التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، مثلا بأكثر من 500 طلعة جوية فوق غزة منذ بدء الحرب. وفي حين أن هذه الطلعات تجري تحت إطار البحث عن الأسرى لدى حماس، إلا أن كثافتها تزداد وبشكل خاص عندما تخوض القوات الإسرائيلية هجمات كبرى. وبشكل منفصل، استخدمت الطائرات العسكرية الأمريكية قاعدة أكروتيري في مهام متعددة. وتأتي المشاركة البريطانية من خلال هذه القاعدة، كصورة عن العلاقات الوثيقة مع إسرائيل، لكنها مضرة لبريطانيا، فقد تعرضت إسرائيل لانتقادات شديدة بسبب سلوكها العنف مع طول أمد الحرب. ومنذ أن انتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار الأخير، فإن فرضها للحصار على القطاع ومنع دخول المواد الغذائية والإمدادات الطبية والوقود والمياه إليها أضاف المزيد من الانتقادات اللاذعة.
كما وأشار روجرز إلى آثار التورط البريطاني في غزة على قاعدة حزب العمال الشعبية، فقد أصبح الدعم للفلسطينيين راسخا بشكل عميق في الخطاب السياسي وبخاصة بين اليسار. ويتجلى هذا في المظاهرات والاجتماعات العديدة التي تنظم في المدن والبلدات، وكثير منها ينظم أسبوعيا، ولكن نادرا ما تهتم وسائل الإعلام الرئيسية بتغطيتها. ويضاف إلى ذلك حالات الاحتجاج المباشرة ضد الشركات التي تتخذ من بريطانيا مقرا لها والتي تزود إسرائيل بالمعدات العسكرية. ويعود التراجع السريع لحزب العمال في استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة إلى عوامل عديدة، لكن الدعم المستمر من جانب حكومة ستارمر لإسرائيل، على الرغم من سلوكها في غزة، يؤثر بشكل مباشر على المؤيدين الملتزمين على المدى الطويل الذين تعتمد عليهم. وبدلا من استخدام ستارمر ما لديه من تأثير محدود على نتنياهو لفتح المجال أمام مزيد من المساعدات الإنسانية للمحرومين والمتعبين في غزة، فإنه يورط بريطانيا في حرب جديدة.
حصار ظالم
فما هو قائم حصار شامل ظالم فوق الحصار المستمر منذ عقدين، حيث منعت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية والسلع التجارية إلى القطاع.
وقد ترك هذا سكان قطاع غزة المحاصرين أصلا في مأزق أشد بؤسا. وقال برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع إن مستودعاته فارغة وأن المخابز ومطاعم الحساء باتت تقنن ما تبقى لديها من مخزون. ويقول خبراء الأمم المتحدة إن معدلات سوء التغذية آخذة في الارتفاع، وإن احتمال حدوث مجاعة شاملة أصبح الآن واقعا ملموسا. وقال مواطنون هناك في مقابلات مع صحيفة «واشنطن بوست» إن المرحلة الحالية هي الأصعب التي تمر على غزة في الصراع الوحشي الذي اندلع بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، وقد أدت الحملة الإسرائيلية التي تلت ذلك إلى تدمير معظم البنية التحتية المدنية في غزة، ونزوح أكثر من 90 في المئة من سكانها، ومقتل أكثر من 50.000 شخص وفقا للسلطات الصحية المحلية. وقال هارون الخطيب، 29 عاما، لـ «واشنطن بوست» (30/4/2025): «الوضع الآن هو الأصعب بكثير من فترات الحرب السابقة»، واصفا كيف فقدت عائلته مخزون الطعام الذي جمعوه خلال الهدنة القصيرة عندما اضطروا إلى الفرار بدون ممتلكاتهم في مواجهة تقدم للجيش الإسرائيلي. وقال محمد مرتجى، 25 عاما: «نقضي أيامنا بين البحث عن الماء والطعام وشحن البطاريات حتى نتمكن من الرؤية ليلا، وانتظار الموت». ووسط تحذيرات المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية من مخاطر الجوع وزيادة الصدمة على السكان المعذبين، يصر المسؤولون الإسرائيليون على عدم وجود نقص في المساعدات ويبررون قرارهم بوقف نقل البضائع بمزاعم خالية إلى حد كبير من الأدلة بأن حماس متورطة في تحويل واسع النطاق للمساعدات.
غزة منطقة حمراء
وبدلا من تخفيف المعاناة الإنسانية، تواصل إسرائيل خططها للسيطرة على القطاع، وهناك خطط لاستدعاء مزيد من قوات الاحتياط. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست»(1/5/2025) في تقرير لها أن إسرائيل تعيد ترسيم صورة القطاع وأن حوالي 70 في المئة من القطاع تحولت إما إلى «منطقة حمراء» عسكرية أو قيد الإخلاء. ووسعت المناطق «الأمنية» أو العازلة في أجزاء مختلفة، لا سيما على طول الحدود مع مصر. وقالت»بينما يقول قادة إسرائيل إن هذه الخطوات ضرورية للأمن وللضغط على حماس لإعادة الأسرى الإسرائيليين الذين تحتجزهم، أشار بعض المسؤولين الإسرائيليين أيضا إلى أن التغييرات الإقليمية قد تنذر باحتلال ممتد لغزة قد يستمر لأشهر أو أكثر».
جريمة ترامب
وفي هذا السياق حذر مسؤولان سابقان في إدارة جو بايدن في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» (29/4/2025) من منح ترامب الضوء الأخضر لإسرائيل وحصارها لغزة. لأن هذا العمل سيؤدي إلى معاناة الفلسطينيين بسبب السياسة الأمريكية. وكان السفير الأمريكي الجديد لإسرائيل مايك هاكابي رد على دعوة طبيبة ومسؤولة صحية الضغط على إسرائيل السماح للمواد الإنسانية بدخول غزة، قائلا إنه ينبغي علينا التركيز و«الضغط في المكان المناسب»، أي على حماس، كي»تمنحنا الفرصة» لفتح قنوات للمساعدات الإنسانية. وهو ما يعني أن ترامب ومن خلال تأييده لاستراتيجية نتنياهو في استخدام المساعدات كوسيلة للضغط، يجعل الكارثة الإنسانية في غزة هدفا سياسيا رسميا للإدارة. وبما أن إسرائيل لم تعد مضطرة للقلق بشأن الضغوط الأمريكية كما كان عليها المناورة مع بايدن، أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر في الثاني من آذار/مارس أن إسرائيل تخطط لفرض «حصار كامل» على غزة. وتتضمن هذه الخطة إغلاق جميع المعابر، وهي السياسة ذاتها التي ساعدت إدارة بايدن في منعها بداية الحرب. وقال المسؤولان السابقان إن الرئيس الأمريكي ظل صامتا عندما خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار الشهر الماضي. ويقال إنه أعطى نتنياهو بالفعل الضوء الأخضر. وبعد أيام قليلة، أعلن ترامب إعفاء نفسه من المسؤولية، قائلا: «إنها ليست حربنا، بل هي حربهم». وقالا إن إسرائيل الآن في صدد انتهاك جميع المبادئ التي وضعتها إدارة بايدن لغزة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بما في ذلك عدم فرض حصار وعدم تقليص الأراضي وعدم التهجير القسري للفلسطينيين وعدم إعادة الاحتلال وبدون أي اعتراض من ترامب. ويعلق الكاتبان أن دعم ترامب إسرائيل في حصارها لغزة ليس مجرد فشل أخلاقي ومأساة للفلسطينيين لكنه لن يساعد إسرائيل على تحقيق أهدافها.
وأضافا أن استسلام ترامب الكامل لنتنياهو فيما يتعلق بالحرب يضر بالمصالح الأمريكية. لقد عانت سمعة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي بشكل هائل، وسوف تعاني أكثر إذا دعمت واشنطن سياسة تنتهك بشكل واضح ليس القانون الدولي فحسب، بل وقانونها الخاص أيضا. وأضافا أنه طالما استمرت حرب غزة، فستواصل أمريكا نشر أرصدتها العسكرية بالمنطقة لحماية إسرائيل ضد الخصوم مثل إيران والحوثيين، الذين ترتبط هجماتهم على القوات الأمريكية بشكل مباشر بغزة. وقالا إن ترامب «لم يفشل فقط في التحرك لحماية ملايين المدنيين في غزة، بل إنه يتبنى علانية سياسة معاقبتهم. وقد يكون ترامب يعطي نتنياهو تصريحا لارتكاب سياسة غير أخلاقية وغير قانونية وغير مثمرة، لكن ينبغي علينا ألا نمنحه» هذا.
تغيير سوريا
ومع ذلك يواصل نتنياهو والفريق المتطرف معه، حملته لإضعاف المحيط بإسرائيل، وركزوا في الفترة الأخيرة على سوريا باسم الدفاع عن الدروز، ومحاولة فرض أمر واقع على الحكومة الجديدة في دمشق، أي جعل المناطق جنوب دمشق منظقة معزولة من السلاح، وهو يعني تكريس منطقة آمنة أبعد من الجولان التي تحتلها اليوم إسرائيل بالكامل. وبالضرورة، تكريس الفدرالية التي يسعى إليها وبناء كيان درزي، مع أن قادة الدروز يرفضون هذا، باستثناء أطراف، دعت إلى «قوت حفظ سلام دولية» لحماية الدروز بعد أحداث جرمانا وصحنايا قرب دمشق. وقد حذر قادة الدروز، من مخاطر الإنجرار وراء إسرائيل وأن هذا سيكون كارثة عليهم. وجاء هذا الصوت تحديدا من وليد جنبلاط الزعيم الدرزي اللبناني. ونقلت عنه مجلة «إيكونوميست» (24/4/2025) قوله: «أولئك الذين يدعمون إسرائيل يسيرون عكس مجرى التاريخ. لا يمكننا أن نتحمل تبعات تنفير المسلمين» منا.
وأضافت المجلة أن الدروز العالقين بين حكومة في دمشق لا يثقون بها وعدوان إسرائيلي مستمر يقفون أمام خيارات مصيرية. وحذر رجل أعمال سوري من أن إسرائيل ستكون مخطئة لو فسرت عدم ثقة الدروز بالرئيس السوري أحمد الشرع على أنه تأييد درزي للاحتلال الإسرائيلي أو التدخل العسكري في سوريا. وقالت إن شيوخ السويداء المؤثرين واضحين بشأن إسرائيل، حيث قال الشيخ يوسف الجربوع، أحد ثلاثة قادة روحيين في السويداء: «تريد إسرائيل أن تظهر أننا تحت حمايتها». ويؤكد: «إنهم يريدون تجريدنا من هويتنا. لم نقبل يوما وصاية أحد علينا». ويضيف: «نحن موالون للدولة التي نعيش فيها». ويبدو أن إسرائيل التي تشعر بنشوة «الانتصار» عازمة على إعادة تشكيل منطقة الجوار بناء على صورتها. فرغم استمرار نتنياهو التأكيد على «هدف الانتصار على أعدائنا»، إلا أن سموتريتش، كان أكثر صراحة. ففي تصريحات أدلى بها هذا الأسبوع، أشار إلى مشروع جيوسياسي أوسع نطاقا قيد التنفيذ، حيث ستواصل إسرائيل قصف بقايا جماعة حزب الله المسلحة في لبنان والتحريض على تقسيم سوريا، حيث شنت القوات الإسرائيلية عشرات الغارات في الأيام الأخيرة. كما قال إن الحملة الإسرائيلية لن تنتهي إلا بعد «تطهير غزة من حماس وخروج مئات الآلاف من سكانها إلى دول أخرى».
التنمر
ومن هنا تواصل إسرائيل لعبة التنمر على سوريا، كما بدا واضحا في الغارة الجوية قرب القصر الرئاسي في دمشق وأنها موجهة للشرع وتحذير له بأن إسرائيل ستسارع لحماية الدروز. والمشكلة ان إسرائيل تنسى تاريخها الفاشل على تحريض الأقليات. لكنها ليست عابئة في الوقت الحالي نظرا لعدم اهتمام إدارة ترامب بالملف السوري. ويبدو أن مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد ومستشاره لمكافحة الإرهاب سبستيان غوركا مصران على التعامل مع سوريا كملف مكافحة إرهاب، وهو ما تريده إسرائيل، إلا أن أصواتا داخل الجمهوريين ترى أن هناك مصلحة أمريكية بالتعامل مع الشرع، كما أشارت زيارة نائبين جمهوريين لدمشق وخرجا بتفاؤل حذر. وتساءلت مجلة «إيكونوميست» (2/5/2025) إن كان التيار الإنجيلي الداعم لترامب سيضغط باتجاه التعامل بجدية مع سوريا ورئيسها. والمشكلة أن إسرائيل المتسلحة بدعم ترامب غير عابئة بأحد ولا بمدوالات لاهاي التي سارعت واشنطن للدفاع فيها عن موقف إسرائيل من أونروا. بل إن جلعاد إردان، السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة، دعا الولايات المتحدة إلى المساعدة في تسريع زوالها بوقف تمويلها. وقال إردان في مؤتمر عقد نهاية الأسبوع الماضي: «يجب على إسرائيل قيادة حملة عالمية لقطع التمويل عن الأمم المتحدة تماما، ولتفكيكها بالكامل».
ولهجة إردان لا تختلف عن لهجة «المستوطنين» في فيلم «لوي ثيرو» الذي عرضته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وفيه قدم صورة عن غطرسة المستوطنين وحلمهم القيامي الذي لا يرى أن هناك ملايين الفلسطييين يعيشون في الضفة الغربية وغزة. ولهذا السبب سارع الإعلام المؤيد لإسرائيل في بريطانيا لمهاجمة الفيلم والمخرج وزوجته وبي بي سي. وعلى العموم تعيش إسرائيل حالة سكر على دماء الفلسطينيين ودمار ممتلكاتهم. لكنها تنسى انسحابها من جنوب لبنان أو خروجها من غزة عام 2005 ولا حتى تاريخها الفاشل في تحريض الأقليات. ونتذكر اليوم مرور 50 عاما على نهاية حرب فيتنام، ونشير هنا إلى ما كتبه المراسل الحربي كيز بيتش، في «تشيكاغو ديلي نيوز»: «آخر منظر رأيته لمدينة سايغون كان من خلال الباب الخلفي للطائرة المروحية»، «ثم أغلق الباب – أغلق على الفصل الأكثر إذلالا في التاريخ الأمريكي».