ليلتان مع البهجة

في مساء الأربعاء الثامن من يناير/كانون الثاني الجاري أقيم احتفال توزيع جائزة ساويرس في الآداب والفنون. هو الاحتفال الذي يعد من أجمل المناسبات في مصر. الجائزة التي تحدثت عنها كثيرا من قبل، هي من إنتاج المجتمع الأهلي، بعيدا عن الدولة، تذكرنا بالنهضة الثقافية التي جرت في مصر في العهد الحديث منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، حين تحول كل شيء إلى يد الدولة المركزية بعد يوليو/تموز 1952. أقيم الحفل كالعادة في قاعة إيورات في الجامعة الأمريكية في القاهرة.
قبل الحفل كان هناك استقبال رائع للمدعوين في حديقة الجامعة، حيث ستقدم لنا فرقة هاني شنودة الموسيقية ساعة ونصف الساعة تقريبا، من الأغاني التي تقدمها الفرقة التي لها في ذاكرتنا تاريخ لا يضيع، منذ قدَّم هاني شنودة في نهاية السعبينيات فرقة «المصريين». وهو الزمن الذي شهد فرقا غنائية وموسيقية متعددة، مثل فرقة «النهار» التي شكّلها من قبل في العقد السبعيني أيضا المرحوم محمد نوح، أو «الأصدقاء» التي شكّلها عمّار الشريعي عام 1980، أو «الفور إم»، التي شكّلها الفنان عزت أبو عوف ومعه أخواته البنات منى ومها ومنال ومرفت، ومن هنا جاء اسمها «الفور إم» أي الفرقة التي فيها أربع مغنيات، يبدأ اسم كل منهن بحرف الميم. ثم تتالت الفرق مثل فرقة طيبة لحسين ومودي الأمام ابني المخرج حسن الإمام.
وجدنا في أغنيات فرقة هاني شنودة مدخلا رائعا إلى الحفل الخاص بتوزيع الجوائز. غاب عن الحفل راعي الجائزة المهندس سميح ساويرس، بسبب برد أصابه بعد وصوله الي القاهرة من الخارج، وكالعادة حضر المهندس نجيب ساويرس وألقى كلمة الافتتاح، وكذلك محمد أبو الغار عضو مجلس أمناء الجائزة. كان الاحتفال أيضا بمرور عشرين سنة على الجائزة، التي حفرت مكانها في قلوب الكتاب والفنانين. الحديث عن الفائزين كبير قرأت لبعضهم، وعرفت بعضهم من قبل مثل، أحمد هاشم الشريف، الذي فاز بالجائزة الأولى لفرع كبار الكتاب في القصة القصيرة عن مجموعته القصصية «زغرودة تليق بجنازة»، أو المفكر والمبدع عمَّار علي حسن الذي فاز بجائزة أفضل كتاب في السرديات الأدبية والنقد عن كتابه «بصيرة حاضرة .. طه حسين من ست زوايا». عمار علي حسن في غنى عن التعريف بأعماله ومواقفه الرائعة في الحياة السياسية، وهذه أول جائزة يحصل عليها في مصر، ما جعلني أتمنى أن ينفتح له الباب للحصول على أهم جوائز الدولة فهو جدير بها. أضيفت هذا العام جائزة أفضل كتاب أطفال تحت سن اثني عشر عاما، وكان جميلا أن يقوم بتقديم الجائزة للفائزين أحد الأطفال. الجائزة تذهب إلى المؤلف ورسام العمل مناصفة، الأسماء كثيرة من الفائزين في كل مجال مثل، وليد طاهر وإيمان النجار صوفية أحمد في أدب الأطفال، وياسمين إمام وأحمد فؤاد في النص المسرحي، ومهاب طارق وعبد الفتاح كمال عن أفضل سيناريو، وآية طنطاوي ومحمود يوسف في القصة القصيرة لشباب الأدباء، وسيد عمر وهبة أحمد في الرواية أيضا فرع الشباب، وغادة العبسي بجائزة كبار الكتاب في الرواية. لم أفرق في حديثي هنا بين المركز الأول، أو الثاني فكلها تستحق الاحتفاء.
الجديد هذا العام هو إضافة جائزة لأفضل دار نشر، وذهبت إلى دار المحروسة التي حقق كثير من إنتاجها جوائز هذا العام. أجمل ما في الليلة كان لقائي بعشرات من الأسماء من كل الأجيال احتشدت في الحفل لا تفارقها السعادة فائزين أو محكمين أو حاضرين.
الاعداد التي تقدمت للجوائز هذا العام فاقت كل عام، وتجاوزت 800عمل، كما أعلن محمد أبو الغار، وهذا مجموع الأعمال التي تقدمت في كل المجالات وليس في مجال واحد، وهو رقم يدل على مدى تقدير الأدباء والفنانين للجائزة التي يتزايد التقدم عليها. قدم الجائزة كالعادة فنانون مثل ليلى علوي وإلهام شاهين، ما أضفى على الجائزة طابع البهجة. وأسعدني اللقاء بهما كما أسعدني اللقاء بالكثيرين. الحديث عن أسماء المحكمين طويل، لكن بعضهم كان حاضرا لأول مرة وهذا من جماليات طريقة عمل الجائزة.
كانت الليلة الثانية مع البهجة ندوة وحفل توقيع لرواية «لعنة الخواجة» لوائل السمري المنشورة مؤخرا في الدار المصرية اللبنانية. لحماسي للرواية التي قرأتها قبل أن يتم نشرها، ورغم أني كتبت لها كلمة الغلاف، ذهبت إلى اللقاء في قاعة الهناجر في محيط المجلس الأعلى للثقافة. في طريقي قابلت المخرج عمر عبد العزيز ومحمد العدل القادمين لحضور مسرحية «الآرتيست» التي تقدم هناك، وكانت فرحتنا باللقاء عارمة لتاريخ من أجمل الأيام. تطول أسماء من قابلت من صانعي البهجة مثل الشاعر أحمد الجعفري، أو حلمي النمنم المتحدث الرئيسي في الندوة، أو محمد عبده بدوي مقدم الندوة، أو الناشر محمد رشاد وابنه أحمد وابنته نرمين رشاد، الذين هم من أجمل من تعاملت معهم في عالم النشر. المهم أعود إلى الرواية واللقاء. لأول مرة في حياتنا الثقافية يقام في القاعة معرض للوثائق التي اعتمد عليها الكاتب الصحافي والشاعر وائل السمري في كتابة الرواية. وثائق من نوع الرسائل المحورية لشخصية الرواية الحقيقية. المهندس اليوناني أدريان دانينوس، الذي بذل عمره من أجل فكرة غيرت وجه مصر الحديثة وهي السد العالي. الوثائق التي ورد بعضها في نهاية الرواية صارت معلقة أمامنا كلها على الجدران، تعكس جهدا جبارا لوائل السمري في العثور عليها. كان يمكن لهذه الرواية أن تصبح رواية وثائقية، لكن وائل السمرى يمزج في دهاء شديد بين التاريخ والوثائق والأدب، ويربط بين أزمنة مختلفة ليعبر بهذه الرواية إلى حدود الملاحم الأدبية والتاريخية.
المهندس اليوناني صاحب فكرة مشروع السد العالي التي مشت مع حياته من نهاية القرن التاسع إلى عصر عبد الناصر، هو المنسي في التاريخ تعيده الرواية لنا مثل الحلم الضائع، وهذا من أبرز جماليات الرواية. الكاتب لا يعود هنا إلى شخصية معروفة تاريخيا ليرى الحياة المعاصرة من خلالها، لكنه يعود إلى شخصية منسية تعد من اكتشافه هو، فاسم اليوناني ليس مكتوبا على السد العالي، ولا في كل ما كُتب عن السد العالي، وهو صاحب الفكرة التي عاش عمره من أجلها. في الوثائق على جدران القاعة رسائل إلى شخصيات مثل النحاس باشا أو جمال عبد الناصر أو عبد الحكيم عامر أو غيرهم من قيادات مصر قبل وبعد يوليو/تموز 1952 وكلها بخط يده أو مكتوبة على الآلة الكاتبة وسيلة الكتابة في ذلك الزمن. ووثائق شخصية له مثل بطاقة هويته ووثائق عن السفر والتنقل وغيره. هذا الكنز الذي عثر عليه وائل السمري وجعله مادة لروايته، بينما هو الصحافي اللامع كان يمكن أن يغريه الأمر ليكتب تحقيقا صحافيا عن الرجل وما جرى معه. وكما قال في الندوة لقد وجد الرواية أجمل طريقة لتخليده. طبعا في كلمتي على غلاف الرواية لم أستطع الحديث عن كل شيء فيها، ومن ثم أضيف هنا كيف استطاع وائل السمري أن يجعل الوثائق مفردات في السرد القصصي ولا يكتب رواية تسجيلية. أيضا باعتبار أن وائل السمري شاعر مرموق أضيف الملاحظة الأهم، وهي أني أرى في كثير من الشعراء الذين ينتقلون إلى كتابة الرواية الحس البلاغي في اللغة، بينما هنا البلاغة من الأحداث وتعدد لغات سارديها، ومن هنا تأتي الشعرية التي أؤكد عليها دائما للرواية.
هذه الرواية الفذة دون أي مبالغة مني، ليس لحجمها الذي فاق الستمئة صفحة، لكن لأنك حين تقرأها لا تتركها. متعة المعرفة رائعة ومتعة اللغة والبناء الفني أروع، بشكل يشوقنا إلى أعمال جديدة مقبلة لهذا الكاتب الرائع الذي أراه الآن واقعا بين لعنتين: «لعنة الخواجة» ولعنة مسؤوليته عن إرضاء شهيتنا برواية جديدة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية