لماذا ينظر الأردنيون إلى الخارج؟

يتحدث الفقيه القانوني والوزير السابق نوفان العجارمة على شاشة إحدى الفضائيات الأردنية، عن مدى انشغال جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب جبهة العمل الإسلامي بالشأن الداخلي الأردني، مناديا بتحليل البيانات الصادرة عن الجهتين، ومشددا على أنها لم تتعامل مع القضايا الداخلية بما يتجاوز الـ10% خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية.
ما يذهب له العجارمة يبدو صحيحا بخصوص الإخوان المسلمين، من خلال ما يتذكره الأردنيون المتابعون للشؤون السياسية، ويمكن أن يمتد ليشمل جهات أخرى في المشهد السياسي الأردني، فكثافة التشاغل بالشؤون الخارجية لدى فاعلين سياسيين آخرين في الأردن واضحة، مثل الأحداث والأحوال في العراق، أثناء مرحلة الغزو الأمريكي، أو التطورات والتفاعلات في سوريا منذ 2011، وفي الفترة التي شهدت تشكل الأحزاب الليبرالية، لتطرح نفسها بديلا لليسار التقليدي في المملكة، كانت أحاديث كثيرة، متوترة ومعرقلة، تدور حول المواقف التي ستتبناها المشاريع الحزبية بالشأن السوري، وكان البعض ينسحبون أو يشترطون توجها معينا، بينما كان الشأن الأردني يشاغل القليلين فيكتفون ببرامج تسترسل في (يجب إصلاح كذا وكذا..) من غير أن تتكلف بتقدم إجابات حول الكيفيات والتفاصيل.

لم يقتنع الأردنيون بعملية التجميل، التي حاول بعض المنتمين الأصيلين للصناديق الكلاسيكية إعادة إنتاجها، وفضلوا التشاغل بمشكلاتهم والنظر بسلبية وكأنهم تركوا وحدهم

الأمر لا يقتصر على الأحزاب السياسية، فالصراع على المواقف من الشؤون الخارجية يتمدد في النقابات، ويصل إلى ذروته في مؤسسة ثقافية ونخبوية مثل، رابطة الكتاب الأردنيين، التي شهدت تجاذبات متوترة حول المواقف من الشأن السوري، وقبل أن يصعد الإخوان إلى دائرة الانتقاد الشعبي، كان قد سبقهم بعض الشخصيات اليسارية، التي توجهت إلى بيروت للمشاركة في تشييع جثمان أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله. اندفعت بعض الجهات الرسمية لتتحدث عن أولوية الأردن، من خلال رمزية العلم الأردني، والسعي لمنع رفع أية أعلام أخرى سواه في المملكة، على خلفية الإسراف في رفع الأعلام الحزبية في العديد من الأحداث والمناسبات، محاوطة للعلم الفلسطيني الذي يمثل القضية التي يتعاطف معها جميع الأردنيين على اختلاف زاوية الرؤية تجاهها، وحشدت الدولة الأردنية مظاهر الاحتفاء بعلم البلاد في يوم العلم، الذي أتبع الإعلان عن الخلايا الإرهابية بيوم واحد، ويعد ذلك جزءا من حكاية التشاغل الأردني بالخارج، التي تتبدى في صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين، التي تحملها مئات السيارات في عمان والمحافظات، وتطويبه في صورة البطل والرمز لدى بعض الشباب الأردني، الذين كانوا أطفالا، أو لم يولدوا أصلا في فترة صعوده وسطوته. لم تتوقف الدولة الأردنية كثيرا عند هذه الظاهرة على أهميتها، لسببين رئيسيين، الأول، هو تشكلها البيروقراطي الذي يجعل القائمين على إدارة شؤونها يحملون كثيرا من التهوين تجاه دراسة الظواهر الاجتماعية من الأساس، بحيث أهدرت الدولة فرصة الاستماع لعلماء اجتماع متميزين خدموا في جامعاتها خلال فترات مختلفة، فالبيروقراطي يعلم كل شيء يتعلق بالأوراق، ويعلم القليل عن سلوك الناس وتفكيرهم، أو تكون معرفته متأخرة وغير مزامنة لما يتفاعل في المجتمع، والثاني، أن كثيرا من الفاعلين المؤدلجين في بنية الدولة، أتوا من جهات وتكوينات سياسية هي نفسها كانت منشغلة في ممارساتها بالشؤون الخارجية، وتتابع بشهية مفتوحة ما يحدث في بعض البلدان المجاورة أو البعيدة، أو تتسلق جماهيريا من خلال خطاب قومي، أو إسلامي حدوده أبعد كثيرا من الأردن ومشكلاته وقضاياه الداخلية. بدأت هذه الظاهرة داخل الحالة التي أنتجتها دعوة الأردن للالتحاق بحلف بغداد الموالي للبريطانيين، وبعد العدوان الثلاثي على مصر 1956، ليعلو صوت جمال عبد الناصر على الجميع، لتسويق أدواته الإعلامية، بتحقيقه لنصر كبير على قوى الغزو لبلاده، مع أن انسحاب قوى العدوان أتى نتيجة ضغوط أمريكية ـ سوفييتية بالدرجة الأولى، وهذه حقيقة كان يدركها الملك الحسين وفريقه السياسي، ولكنها بقيت غائبة عن الأردنيين، الذين أخذوا يتطلعون إلى النموذج الناصري بوصفه المناسب للطموحات العربية، والمستكمل الحقيقي لثورة الاستقلال العربية.
كان الأردنيون يعرفون إسرائيل إلى حد كبير، ويمكنهم الحديث عن إمكانياتهم التي ضمنها الدعم الأمريكي الكبير مع تحيز أوروبي واضح تمثل في دعم فرنسا للبرنامج النووي الإسرائيلي، فالأردنيون قبل 1967 كانوا متداخلين من خلال جغرافية معقدة مع إسرائيل في الضفة الغربية، بالإضافة إلى علاقات متميزة مع العرب القاطنين في الأرض المحتلة 1948 بحكم الامتدادات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه، كانوا يعرفون الإمكانيات الحقيقية المتوفرة للدول العربية في المقابل، فالجيش الأردني كان قريبا من تشكل الجيوش العربية في الخليج، واشترك فعليا في حرب ظفار في عمان، ولذلك بقي يحمل نزعة واقعية في المقاربة، ويصر على أن فقده للضفة الغربية نتيجة التصعيد في 1967 لا يمكن أن يتكرر بأي شكل أو صورة.
بقي الأردن تحت ضغط شعبوية نداءات (افتحوا الحدود)، وكأنه العائق الوحيد دون تحرير فلسطين، ولو أن الجيوش العربية رابضت في الأراضي الأردنية لأصبح التحرير تحصيل حاصل، مع أن الجيوش العربية رابضت فعلا لأكثر من مرة، ولكن ما حدث أن الجيش الإسرائيلي كان هو الأقرب للقاهرة ودمشق، وتمكن من دخول بيروت فعلا، ومع ذلك، فالضخ الإعلامي الذي شكلته بعض الدول العربية، التي عرفت بدول الممانعة مثل ليبيا والعراق وسوريا، أبقى على عقدة الذنب عند الأردنيين في بعض المراحل، خاصة التي سبقت غزو الكويت 1990 والتفاعلات التي تبعته، لتجعل الحديث عن التضامن العربي معقدا ومحرجا ومليئا بالأسئلة والتحفظات. كان يمكن تدارك الأمر لأكثر من مرة من خلال التعجيل في مسيرة التحديث السياسي في الأردن، بحيث تنفتح الآفاق لمواجهة التحديات الداخلية، والنظر في المشكلات الكثيرة التي يواجهها الأردن، إلا أن البيروقراطية الأردنية تمسكت بمواقعها التي استدعاها زخم مرحلة بناء المؤسسات والتوسع في البنية التحتية في الستينيات والسبعينيات، وأصبحت تشكل الصندوق الذي يفرض نفسه على الخيارات الملكية في تشكيل الحكومات، ومع بداية الألفية دخلت النزعة الليبرالية التكنوقراطية، التي أصبحت في فترة قياسية هي الأخرى صندوقا مغلقا له أعمدته والقائمين عليه، وبقي الفاعلون السياسيون على هامش ذلك كله، وبعد تراجع المشروع القومي وقدرته على تغذية ادعاءات مناصريه والمتحمسين له، وتخبط اليسار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لم يتبق سوى الإسلاميين في مواجهة الكتلتين البيروقراطية والليبرالية، ليشكلوا صندوقا جاهزا ومنغلقا على ذاته وخطابه.
أمام ذلك كله، لم يعد لدى الأردنيين القدرة على بناء نخبة صاعدة، فهذه القوى بصناديقها المغلقة هي التي تمكنت من تحضير نفسها لاعتلاء التحديث السياسي، ولم يقتنع الأردنيون بعملية التجميل، التي حاول بعض المنتمين الأصيلين للصناديق الكلاسيكية إعادة إنتاجها، وفضلوا التشاغل بمشكلاتهم والنظر بسلبية وكأنهم تركوا وحدهم، فعلى هامش ما يحدث كله، واستهلاك الحوار السياسي في الآونة الأخيرة حول ما يحدث خارج الأردن، كان الأردنيون منشغلين بقوانين ذات طبيعة اقتصادية تحمل آثارا اجتماعية، أخذوا يبحثون عمن يجيبهم حولها، أو يفاوض نيابة عنهم، فلم يجدوا سوى بعض الخبراء وممثلي المصالح والرسميين يتجادلون حول مشروع قانون الضريبة العقارية ليتركوا المتابعين في حيرة أكثر مما اعتراهم لدى إصدارها.
كاتب أردني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية