لغات لا ألسنة لها

من إيجابيات مقاربة علاقة الظاهرة المعرفية بمحيطها الثقافي، انفتاحها على الفهم العقلاني والتحليل الملموس، بالنظر لما تمدنا به من معطيات، هي خلاصة تفاعلنا المباشر، تجاه ما تطرحه علينا من أسئلة. بخلاف مقاربتنا لها في ذاتها، التي لا نخرج منها سوى بمعادلات نظرية، تفتقر إلى الحد الأدنى من دينامية المعيش وطراوته.
والجدير بالذكر أن سؤال العلاقة القائمة بين اللغة والسياسة، يندرج ضمن هذا التصور، حيث تتكامل الإضاءة المتبادلة بينهما، ما يساعد على موضعتنا داخل الإطار العام والشامل المعني بالمقاربة، مع علمنا الراسخ سلفا، بأن هذا الإطار لا يمكن أن يكون إلا هجينا، نتيجة الغياب شبه التام لمقومات خطاب سياسي مقنع، ومستوف لشروطه الموضوعية في جغرافياتنا المقهورة.
والقول بغياب الخطاب، يفيد بالمقابل، غياب الأرضية الديمقراطية، التي يمكن أن تتأسس عليها لغة سياسية، قابلة للاندراج ضمن أفق نظري أو عملي ما. وبموازاة هذا الغياب، يستفرد الجهاز الحاكم بسلطة النهي والأمر، التي تتخذ من لغات المؤسسات الدستورية قناعا يحجب تسلطها الفعلي عن الأنظار، ويتيح لها إمكانية الظهور بمسوح حداثية معترف بها من قبل المنتظم الدولي، ولو على سبيل المحاباة القائمة على منطق المصالح المتبادلة. ولعل أهم خبرة يحق لهذه الجغرافيا المتسلطة أن تتبجح بها، هي تلك المتمثلة في مكر تفريخها لمختلف التيارات الحزبية الأكثر قدرة على اختلاق أجواء تهريجية، من أشباه سجالات سياسية، يختلط فيها حابل اليسار بنابل يمينه. وهي وضعية كارثية بامتياز، من شأنها تفجير دوامات لا متناهية من اللغو، الذي تتعذر معها فرص تمييز الحق من الباطل، وحيث يكون بوسع الأجهزة المتحكمة دائما، أن تطمئن إلى تنفيذ مخططاتها، دون أن تصطدم بأي عائق ردعي، كفيل بحجب الثقة عن طواحينها.

إن مصير المواطن ضمن هذه الوضعية يكون عرضة للتهميش، وعرضة لحرمانه التام من حقه في إبداء الرأي، والتعبير عن وجهة نظره في ما يحدث ما يحدث داخل الأسوار، أو خارجها، ما يفسح المجال لجدل عبثي ودائم، تدور أطواره بين الأطياف السياسية، إيحاء منها بحيوية مشهد ديمقراطي تتآزر مكوناته في إنجاز مهام الشأن العام. وبالتالي، فإن الملاحظ، لا يلبث أن يجد نفسه بصدد لغة سياسية مغرقة في الإسفاف والهجنة، وشبيهة بجلابيب الدراويش، نتيجة تلفيق نسيجها بأرتال من المزق المتنافرة، التي تعكس رداءة وعي هذه المكونات بالمرجعيات الفكرية، التي لا تعدو أن تكون خلاصة استظهارات، وإحالات على معاجم، لا رابط يصل أسبابها بغاياتها .
وبما أن العالم أمسى شبيها بقرية صغيرة، جراء ما يطاله من تطور رقمي، فإن نيرانه الكاشفة تُحكم لهبَها على أدق تفاصيل الخبر، مهما كان محتجبا بين أدغال الواق واق. لذا فإن واقع اللغة في علاقته بالمشهد السياسي لدى جغرافياتنا «المصونة!»، لا يمكن إلا أن يكون حاضرا بحجم يليق بوزنه في أرجاء هذه القرية العالمية، الذي لا أعتقد أنه يرقى إلى جناح بعوضة. ومرارة التأكيد على بؤس هذا الواقع، تنطلق من الوعي المأساوي بدونيته، التي تضعه خارج كونية الصراعات، حيث لا مكان ولا سلطة لخطاب معاق، ومفرغ من ديناميته التاريخية. وبالتالي فإن الدور التاريخي الذي يمكن أن تقوم به هذه الجغرافيا، لن يتجاوز حدود الرؤية الصامتة عن بعد، في انتظار حتمية الزج بها في ما لا حولا لها ولا قوة، ولا يَدَ، أو لسان.

إن تكريس سياسات الولاء في جغرافياتنا، من شأنه الإجهاز على روح المواطنة التي تستمد منها اللغة السياسية مصداقيتها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ذلك أن إلزامك بتبني ولاء فئوي ما، بصرف النظر عن مرجعيته، يعصف بمجموع قيمك المتمحورة حول مبدأ العدالة الإنسانية، التي تستند إليها اللغة السياسية في بلورة خطاباتها. فحاليا، حيث الهيمنة المطلقة بيد أزمنة القتل، فإن سلطة اللغة تكمن أساسا في خصوصية محيطها العام. إذ كلما سادت قوة المحيط، المجسدة في هوية نظامه الحاكم، بما هو سلطة صاعقة، وقادر على ممارسة فعل التدمير المنوط بها خلال ظرفية مبرمجة، أو طارئة ، إلا وتأكدت ضمنيا سلطة خطابه اللغوي المزامن لفعل التدمير. إن مجاهرته النظرية والتطبيقية بحظوة ما يمتلكه من بأس شديد، وقوة ماحقة، هي الإطار المثالي والنموذجي الذي يضمن لأفقه الحضاري إمكانية وجوده الطبيعي، ضمن مكونات الهيمنة الكونية. بمعنى أن من يفتقر إلى مقومات البطش العسكري، هو في حقيقة أمره منزوع اللسان، حيث لن يشفع له اعتداده بلغة حافلة بأمجادها التاريخية القائمة على تفوقها الإعجازي والقداسي، وأيضا على ذيوع صيتها البلاغي والبياني. فكل هذه الامتيازات تصبح لاغية تماما، فور تصاعد وتيرة الخلاف بين أطراف الصراع، واحتدام حاجتهم للحسم في قرار سياسي ما. ذلك أن من يمتلك القدرة على إدارة الوقائع وتحيينها بسطوة النار، هو من يتحكم في إدارة دفة الكلام، وفي استقطاب المنصات المتفرغة لترويج ما يبثه من إشارات، بصرف النظر عن حمولتها الدلالية التي غالبا ما تكون منذرة بشؤم لا راد لنوائبه ونكباته.
والدينامية نفسها التي تُميِّزُ حاليا العلوم الدقيقة، أمسى علم الإبادة هو أيضا وبمختلف اختصاصاته وفروعه، نموذجا يحتذى به في اختراع أكثر الوسائط قدرة على إنزال الأذى بأهدافه، دون أن يثير حفيظة المنتظم الدولي، ودون أن يكون بالضرورة موضع شبهة، أو تساؤل قضائي أو أخلاقي. والفضل في ذلك يعود إلى سلطة اللغة التي يوظفها علم الإبادة في تمرير مخططاته. ولأنها/ اللغة، تتخلق في صلبه ومن جيناته العدوانية واللاأخلاقية، فسيكون من الطبيعي أن تتنكر لكل الترسيمات التواصلية المنتمية عادة إلى قيم التواصل الحضاري والإنساني.
إنها فضلا عن ذلك، تعتمد منهجية حربائية في تنزيلها للقرارات المعدة سلفا للتعميم. أيضا، لا تجاهر بتفاصيل القرارات المتخذة من قبل القتلة، بل تعتمد في ذلك على الكفاية التأويلية التي يمتلكها الضحايا، وهذا هو الغريب في الأمر، من أجل صياغة المصير المأساوي المتربص بهم.
هكذا تغادر الخطاطة اللغوية لفعل الإبادة مصدرها الأصلي، باتجاه القطاعات الجماهيرية المعنية ببشاعة نتائجها. بمعنى أنها تصبح مستقلة بذاتها، ومتحررة من مراكز بثها، وقادرة على تفعيل حركيتها الإعلامية، التي ليست في نهاية المطاف ،سوى حركية علم الإبادة بمركزيته الهيمنية والاستبدادية، ففي ظل هذا المعطى يمكن توصيف الترسيمة السائدة حاليا على النحو التالي؛ التمهيد لفعل القتل بلغة القتل، تعقبه مرحلة تنزيله الفعلي والعملي، بتواز مع مرحلة تبريره والتهوين من شراسته، انتهاء بمرحلة تقبله والتعود عليه، ضدا على أي إدانة محتملة يمكن أن تصدر عن اللغات المقهورة التي لا حنجرة لها ولا لسان، ولا صوت لها ولا صدى.

شاعر وكاتب من المغرب
.
.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية