هل صحيح أن المنطقة مقبلة فعلا على زمن سياسي جديد، توقف فيه الحرب على غزة بعد وقف الحرب على إيران، وينزع فيه سلاح فصائل المقاومة، ويجري نفى قادة كتائبها المسلحة، وترسم فيه خرائط تطبيع مع دول عربية مضافة، وتذهب قوات عربية إلى مهمة قذرة في غزة، تحل محل قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو تشارك معها في ما يسمونه تأمين غزة وحراسة أمن كيان الاحتلال؟
الجواب المختصر عندنا، أنه لا شيء من ذلك وارد الحدوث، وإن حصل بعضه، فلن يكون قابلا لاستمرار ولا لدوام، والأسباب ظاهرة، أهمها أن العدو الأمريكي الإسرائيلي الذي يخطط للمشهد المهين، لم يحقق نصرا حاسما على الجبهات كلها، رغم استغراق الرئيس الأمريكي السايكوباثي دونالد ترامب في خيالات مصنوعة، يجاريه فيها مجرم حرب الإبادة بنيامين نتنياهو، ويلتقيان في البيت الأبيض، ربما لإقامة احتفال، كما يقولون، بالنصر المزعوم على إيران في حرب الاثني عشر يوما، ولتصنيع سلام موهوم، يستثمر النجاح الذي تحقق على جبهة إيران، كما قال نتنياهو، ويمد شبكة اتفاقات إبراهام إلى سوريا ولبنان أولا، وبدعوى أن إسرائيل قد تنفتح على مشاغل الفلسطينيين، بما يلاغي ويلاقي مطالب العرب المعلنة بإقامة دولة فلسطينية، وهو ما ينطوي على خداع كاذب مكشوف، تماما كالوعد بإجراء تفاوض على وقف نهائي لحرب الإبادة في غزة، خلال هدنة الستين يوما المطروحة، التي قد تقبلها فصائل المقاومة في غزة، لكن تبقى المعضلة الأهم في الاتفاق النهائي، فلن تقبل حماس وأخواتها نزع سلاحها ولا نفي قادتها، وإن قبلت لا سمح الله، فستكون قد فقدت صفتها كمقاومة، ومن دون أن تكون دفنت مبدأ المقاومة، وهو حق وواجب بديهي لأي شعب تحت الاحتلال، لا يتوقف سريانه مع غياب فصيل أو آخر عن الساحة، وإسرائيل لا تنوي أصلا الخروج من غزة باتفاق، ولا الانسحاب الكامل منها إلى خطوط 7 أكتوبر 2023، وأقصى ما يمكن أن تقبله حماس وأخواتها في صورة اليوم التالي للحرب، أن تترك حكم غزة لحكومة أو لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين المستقلين، وهي فكرة سبق أن طرحها الطرف المصري على فتح وحماس والفصائل الأخرى، لكن قبول مبدأ نزع السلاح يبدو مستحيلا، حتى إن أبدت حماس وأخواتها استعدادا لتقبل هدنة طويلة الأمد، على أن يكون المقابل جلاء إسرائيليا تاما عن أراضي قطاع غزة، وبدء خطة إعادة إعمار غزة مع بقاء أهلها فيها، وعلى نحو ما صاغته الخطة المصرية، التي صارت عربية وإسلامية عامة، مع رفض أي خطط لتهجير الفلسطينيين من غزة.
والمعنى ببساطة، أن خطط ترامب ونتنياهو، لا تبدو قابلة للتحقق التلقائي، فلم تحقق أمريكا ولا إسرائيل نصرا نهائيا بأي معنى، ومن ثم فلا فرصة لفرض شروط استسلام نهائي، حتى لو كانت أغلبية النظم العربية الحاكمة ـ أو كلها ـ على حالها الذي نعرف من الخضوع والخنوع والتواطؤ الذليل، فلا فرصة لأحد أن يكسب بالتفاوض ما عجز عنه حربا، وهنا تلزم التفرقة بين القتل والقتال، وبين وقائع القتال ونتائجه، فقد خرج نتنياهو من جولة قتال إيران منتفشا، وصور لنفسه وكيانه أنه حقق نصرا ساحقا، وكذا فعل صنوه ترامب، وتحدث الاثنان عن تدمير ومحو شامل للبرنامج النووي الإيراني، وهو ما كذبته أغلب تقارير المخابرات الأمريكية والأوروبية، وكذبه حتى روفائيل غروسي المدير العام لوكالة الطاقة الذرية الدولية، والكل أجمع على حقيقة وقوع أضرار، قد لا تكون كافية لتأخير البرنامج الإيراني سوى بضعة شهور على الأكثر، بينما بدا الجانب الإيراني مصرا على استكمال برنامجه النووي المتقدم، ولديه تراكم هائل من المعرفة النووية والعلماء والمهندسين والفنيين النوويين، بل المقدرة على إنشاء مواقع نووية جديدة محصنة، كما جرى مثلا في جبل الفاس بأصفهان، وبدت إيران عازمة أكثر على حفظ أسرار برنامجها المعقد المتعدد المواقع العلنية والسرية، وقررت طهران تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحظر دخول مفتشيها، وهو ما قد يوحي باتجاه صانع القرار الإيراني إلى وجهة جديدة، قد لا تستبعد الذهاب إلى مرحلة صناعة القنابل الذرية بمخزونها المتوافر من اليورانيوم المخصب بنسب عالية، ومع تكشف الحقائق بعد انجلاء غبار القصف الإسرائيلي والأمريكي معا، وسعي السلطة الإيرانية إلى قص دابر جيوش الجواسيس في الداخل، قد تجد واشنطن وتل أبيب أنهما تعودان إلى نقطة الصفر من جديد، وأن الحرب التي فشلت، تحتاج إلى تغطية على عوارها بشن حرب جديدة، تحصن إيران نفسها فيها بنظم دفاع جوي جديدة صينية وروسية، وربما التزود بقاذفات حربية أحدث، وهكذا تتبخر نشوة إسرائيل بضربات قطع رأس واغتيال القادة العسكريين والنوويين، وقتلها لما يزيد على ألف إيراني مدني، لكن القتل لا يعني القتال دائما، ووقائع القتال لا تعني ضمان نتائجه، فلم تحقق إسرائيل نصرا بما قتلت.
خطط ترامب ونتنياهو، لا تبدو قابلة للتحقق التلقائي، فلم تحقق أمريكا ولا إسرائيل نصرا نهائيا بأي معنى، ومن ثم فلا فرصة لفرض شروط استسلام نهائي
وكانت مفاجأة الحرب الحقيقية استراتيجيا في مكان آخر، في التطور التكنولوجي الهائل لصواريخ إيران الباليستية والفرط صوتية متعددة الرؤوس، وهو ما دفع ترامب للضغط على نتنياهو، ووقف الجولة الحربية إلى حين، رغم استعراضاته الهزلية، وتباهيه بنجاح موهوم لغارات بي 2 وأم قنابلها جي.بي.يو 57، التي توقعتها إيران، وتحسبت لدمارها بإجراءات احتياط مسبقة، ودونما خضوع بعد الحرب لاستدعاءات متعجلة إلى التفاوض، ما زاد من حنق ترامب وبهلوانياته، واندفاعه إلى ما سماه وقف تخفيف العقوبات المغلظة على إيران، التي سارع مرشدها خامنئي لإعلان النصر هو الآخر، وبما أفسد فرحة ترامب المصنوعة بقوة أمريكا وبطياريها وبطائراتها وبقنابلها الأضخم، التي استخدمت لأول مرة، وقد لا تكون آخر مرة مع النهاية المفتوحة الناقصة لدراما قتال الاثني عشر يوما، تماما كما أفسدت مقاومة غزة الصغيرة فرحة نتنياهو الصاخبة المفتعلة، ففي وقت إعلان نتنياهو النصر على إيران، كانت كتائب المقاومة الأسطورية تنزل ضربة مباغتة بقوات الاحتلال في غزة، وتحرق ضابطا وستة جنود في ناقلة جند بعبوة شواظ جنوب خان يونس، وتزيد خسائر العدو إلى عشرين ضابطا وجنديا في يونيو 2025، وتضاعف معدلات عملياتها الفدائية وكمائنها المركبة، ويقول السكرتير العسكري لرئيس وزراء العدو نتنياهو، إن حماس لديها اليوم ما يزيد على عشرين ألف مقاتل، وإن هدف القضاء على حماس لم يتحقق بعد، رغم اتصال حرب الإبادة الهمجية لأكثر من 21 شهرا، ورغم القتل المنهجي الوحشي لأهل غزة، وتدمير البشر والحجر والشجر، ومحو غزة بكاملها تقريبا، وارتكاب فظائع وهولوكست غير مسبوق، صمد لهوله الشعب الفلسطيني في عذاب أسطوري، وأثبت بحق أنه شعب الله المختار، بوقائع التاريخ الدامي الجاري، ومن دون أن يتحقق هدف القتل أبدا، رغم ارتقاء مئة شهيد فلسطيني يوميا، واستثمار تجويع الشعب الفلسطيني في قتله بالنار عند مصائد ما يسمى مراكز توزيع المساعدات المتفق عليها أمريكيا وإسرائيليا، ورغم كل هذا البلاء الذي لم يصادفه شعب آخر في التاريخ بإطلاق حروبه ومجازره، فإن الشعب الفلسطيني الصابر المحتسب، لم يرفع رايات الاستسلام، ولا هجر أرضه المقدسة المدمرة، ولا توقف مدده البشري النبيل لطلائع مقاومته الأسطورية، فلم يفز العدو الأمريكي الإسرائيلي في حرب الإبادة، ولن يفوز في حيل التفاوض المصطنع، فما لم يكسبه بقتال وبقتل، لن يحصل عليه بألعاب التفاوض، وقد يكون العدو قتل وجرح مئات الآلاف، لكنه يثبت عجزا مقعدا في كل نوبات القتال من المسافة صفر ودونها، ويخفق في مواجهة كتائب مقاومة سدت عليها كل المنافذ، وقتل أغلب قادتها، ولا يعطيها أحد طلقة رصاص ولا شربة ماء، بل تصنع سلاحها بذاتها وفي أنفاقها، وتأخذ سلاح العدو وقنابله غير المنفجرة، وتعيد هندستها عكسيا إلى قذائف وعبوات ناسفة، تدمر بها مدرعات العدو ودباباته، وتحرق وتقنص جنوده، وتواصل حرب استنزاف عبقرية ضد خمس فرق إسرائيلية توغلت في كل قطاع غزة، ولا شيء يردعها عن قتال العدو، ولا قتال البدلاء العرب، إن هم خاطروا، وارتكبوا خطيئة العمر بالذهاب إلى غزة كمحتلين.
وفي المحصلة بالجملة، فلا فرصة قريبة لإغلاق ملف الحرب من غزة إلى إيران، ولا لاتفاقات إبراهام جديدة، فالحروب في المنطقة تجدد حرائقها، وتذهب إلى ملاحق استئناف دموي لا تنتهي في المدى المنظور، حتى لو توقف إطلاق النار إلى حين.
كاتب مصري