«لا تكذبي»… بل لا تكذبوا!

حجم الخط
0

لي صديقة كلّما تناقشنا في حدث تاريخي، ولم تقتنع بروايته، تشهر في وجهي عبارةً – لا أدري من أين حفظَتْها- تقول «كيف نثق في التاريخ ما دام الحاضر يزوَّر أمام أعيننا»، وقد تأكدتُ من صوابيّة هذه العبارة، وأنا أعدّ قبل أشهر برنامجي «وجهان لحكاية» وهو عن الثنائيات في الفن والأدب، فكنت أتفاجأ أن ما أعتقده مسلّمة، أجد له رواية أخرى مناقضة، حتى كدت أعدل عن العنوان الأصلي وأسمّي البرنامج «روايتان لحكاية».
تذكرت قول الصديقة وما حصل معي في البرنامج، وأنا أستعيد قصة واحدة من أشهر القصائد العربية المغنّاة، ويكفي أن وهجها لم يخفت منذ أزيد من ستة عقود، فقد أعاد غناءها عدة مطربين ومطربات، بل غناها ثلاثة من كبار فناني هذا العصر محمد عبد الوهاب وهو ملحنها، وعبد الحليم حافظ، ونجاة الصغيرة التي قيل، إن القصيدة كتبت فيها. أما كامل الشناوي الشاعر الذي كتب القصيدة فقد عُرف بها، إلى درجة أنه كاد يُختزل فيها فكانت «القفص الذي حواه حيّاً وميتاً، ففي حياته صار لقبه شاعر (لا تكذبي) وحمل ديوانه الأول والأخير عنوان (لا تكذبي)» كما كتب كمال النجمي مرة.
ورُغم أن بطلة القصة نجاة الصغيرة – متّعها الله بالصحّة- لا تزال على قيد الحياة، والكثير ممن عاصروا الشاعر والفنانة، لا يزالون أحياء أيضا، فالغائب الوحيد هو حقيقةُ ما حصل فعلا، وكأننا نتحدث عن واقعة تاريخية تقادم عليها الزمن وغاب شهودها. وحتى لو سلّمنا بصحة القصة القائلة، إن الشاعر والصحافي كامل الشناوي (ضبط) المرأة التي أحبها بجنون – ولا أقول حبيبته – المطربة نجاة الصغيرة مع رجل ما في جلسة حميمة، فوثّق ما رآه بهذه القصيدة الموجعة، فإن تحديد هوية الرجل الذي كان معها تضاربت فيه الآراء واختلفت «فمن قائل إنه ضبطها متلبسة بالحب مع صباح قباني مدير تلفزيون دمشق، أو شقيقه الشاعر نزار قباني، ومن قائل إنه المخرج عز الدين ذو الفقار، والكثيرون يجزمون أنه كاتب وأديب شاب يعتبره النقاد أقدر من كتب القصة القصيرة في مصر والعالم العربي»، المراد به يوسف إدريس، كما كتب يوسف الشريف أحد تلاميذ وأصدقاء كامل الشناوي عن الحادثة في كتابه «كامل الشناوي آخر ظرفاء ذلك الزمان»، وهذه التناقضات، سحبت ظلالها حتى على مكان كتابة القصيدة، فالصحافي مصطفى أمين يقول، إنها كُتبت في غرفة مكتبه في شقته في الزمالك، والفنانة تحية كاريوكا أكدت للإعلامي طارق الشناوي، أنّ عمّه كتب «لا تكذبي» في شرفة ضخمة في بيتها، الذي كان وقتها يطل على نهر النيل في الجيزة، في حين يقول الأديب كمال الملاخ إنه صادف كامل الشناوي في الصباح الباكر في كافيتيريا سميراميس، وهو ينهي قصيدته، فلا سبيل إذن للتلفيق بين هذه المعلومات المتناقضة.
أشهر خبرية عن قصيدة «لا تكذبي» ما رواه الكاتب الصحافي مصطفى أمين في مقال له بعنوان «من قتل كامل الشناوي؟» ونشره في جريدة «أخبار اليوم» بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الأول 1985 أي بعد عشرين سنة بتمامها من وفاة كامل الشناوي، ثم أعاد نشره في كتابه «شخصيات لا تنسى»، فكتب عن حب من طرف واحد من الشناوي لنجاة الصغيرة، التي «جعلها ملکة فجعلته أضحوكة» وعلق على هذا الحب بمزيج من الطرافة والتنمر قائلا، «كان ذوقه في الحب غريبا، كان دميما ولا يختار إلا ملكات الجمال، وكان ضخم الجثة، ويصر أن تكون محبوبته دقيقة صغيرة تكوّن معه رقم (50) فيكون هو الخمسة المستديرة وتكون هي الصفر الذي على اليمين»، وهذا الفارق بينهما شكلا ومضمونا استندت إليه أيضا نجاة الصغيرة في تفسير استحالة التوافق بينهما، فقالت لمصطفى أمين «إننا نختلف في كل شيء أنا رقيقة وهو ضخم، أنا صغيرة وهو عجوز، أنا أجد متعة في أن أجلس مع الناس ومتعته أن يجلس معي وحدي، أنا لا أريد أن يعرف الناس من أحب، وهو يريد أن تعرف الدنيا كلها أنه يحبني».
ويؤكد مصطفى أمين في مقاله، أن قصة القصيدة حقيقية وليس فيها مبالغة أو خيال، إلى درجة أن الموسيقار محمد عبد الوهاب سماها (إني ضبطتكما معا)، كما وصف لنا حالة كامل الشناوي وهو ينظم القصيدة باكيا، حيث «كانت دموعه تختلط بالكلمات فتطمسها، وكان يتأوه كرجل ينزف منه الدم الغزير وهو ينظم». ويضيف مصطفى أمين طعنة أخرى إلى طعنة الخيانة حين أنهى كامل الشناوي القصيدة، فاتصل تلفونيا بنجاة الصغيرة وقرأها لها على الهاتف بصوت متفجّع وقلب متقطع، فلم تزد على أن قالت «كويسة قوي، تنفع أغنيها، لازم أغنيها» وهذا ما حدث فعلا، فقد لحنها لها عبد الوهاب وغنّتها أول مرة في فيلم «الشموع السوداء» سنة 1962.
إلى جانب هذه الرواية يورد الصحافي يوسف الشريف في كتابه عن كامل الشناوي، شهادة أخرى كان فيها شاهد عيان، فيذكر أن نجاة الصغيرة احتفلت بعيد ميلادها الثالث والعشرين مع عدد محدود من أصدقائها في شقتها في الزمالك، فاشترى كامل الشناوي تورتة ضخمة بمبلغ كبير، وفي لحظة إطفاء الشموع وتقطيع التورتة أمسكت نجاة بيد يوسف إدريس ليساعدها على القطع فكأنها كانت تقطع قلب الشناوي، الذي حاول إخفاء إحساسه لكنه لم يستطع، فترك الحفلة متوجها إلى بيت صديقه عبد الرحمن الخميسي مع يوسف الشريف والتحق بهما بليغ حمدي، وبقي كامل على غير عادته طوال السهرة ساهيا، ثم غادر وحده مدعياً بأنه سيعود سريعا، لكنه لم يعد. وبعد أيام عرفوا القصة «فقد ذهب إلى منزل نجاة ورنّ جرس الباب لتفتح الخادمة، ولم يستأذن في الدخول كعادته ودخل مسرعا، ورأى كل شيء، رآهما معا: المطربة والكاتب المعروف، ولم يعرف أيُّ مخلوق غيرهم ما الذي رآه ولا كيف كانت المواجهة». ويجزم الكاتب يوسف الشريف، أن يوسف إدريس قال له في مقهى ريش وبحضور كتّاب آخرين: «أنا الخائن في قصيدة (لا تكذبي) ولا داعي لاتّهام أحد غيري».
وتروي الصحافية ريهام كامل قصة هجوم كامل الشناوي على بيت نجاة الصغيرة بالتفاصيل نفسها غير أن البطل مختلف هذه المرة، فقد وجدها الشناوي «في مشهد عاطفي مع المخرج عز الدين ذو الفقار، وكان جارها ويسكن معها في العمارة نفسها. ولم يدرك من صدمته أن عزّ الدين مخرج فيلمها الجديد «الشموع السوداء» يدربها على مشهد تمثيلي، فظنه حقيقة»، وهي قصة متهافتة فهل ضاقت الأرض بما رحبت على ذو الفقار، حتى يلجأ إلى تدريب نجاة على التمثيل في غرفة نومها ليلا!
وأغرب روايات القصة ما ذكره الكاتب هاني الخير في كتابه «مشاهير وظرفاء القرن العشرين»، فالمكان أصبح شقة كامل الشناوي نفسه والبطل ليس سوى الشاعر نزار قباني، ينقل هاني الخير روايته عن قائل مجهول بأن الشناوي «ضبطها متلبسة بالحب وبالجرم المشهود مع الشاعر نزار قباني في شقته، حيث ظنت نجاة أنه في الإسكندرية، وحين تراجع عن السفر عاد إلى شقته، وفتح باب غرفة نومه فراعه ما شاهد، ويبدو أن نجاة كانت تحتفظ بمفتاح إضافي للشقة حصلت عليه من كامل».
هذه الروايات المتناقضة من أشخاص يزعمون بحق، أو بباطل أنهم كانوا شهودا فعليين على ظروف ولادة قصيدة «لا تكذبي» دفعت ابن أخ كامل الشناوي الإعلامي طارق الشناوي – وقد التقى وسأل عددا ممن قدموا رواياتهم لما حدث مثل مصطفى أمين ويوسف إدريس وتحية كاريوكا – إلى اعتبار القصة مختلقة من أساسها، فعمّه «منح القصيدة إحساسا مرهفا وصادقا، فبدأ الناس يبحثون لها عن ظل من واقع، وعندما لم يجدوه اخترعوا هم الواقع الذي يليق بالقصيدة». لذلك قدم كل واحد روايته مضيفا إليها «قدرا من البهارات والتحابيش لزوم زيادة نهم التشويق». غير أن للناقد الفني إبراهيم العريس رأيا آخر، إذ يرى «أنها لا يمكن إلا أن تكون حكاية حقيقية بالنظر إلى أن كمية المرارة والصدق التي تحملها الكلمات وتعبر عنها، لا يمكن إلا أن تكون صادقة منتزعة من قلب الحياة نفسها، ومن قلب الحدث الذي لا شك أن الشاعر قد عاشه بنفسه. لم يتخيّله ولم ينقله عن آخرين».
ليس المؤلم في قصة قصيدة «لا تكذبي» تعدد رواياتها حدّ التناقض» فذلك مما زاد في انتشارها قصيدة وأغنية، وألبسها ثوب الأسطورة، لكن الموجع أن الجميع تواطأ على إيذاء قلب قال عنه العقاد يوما «لا تزال كما أنت.. لست صغيرا، ولا تريد أن تكون كبيرا»، فقد تنمّر على كامل الشناوي أصدقاؤه حين وصفوا ضآلة حجم نجاة مقارنة بضخامة حجمه، فأطلقوا عليهما لقب «الجميلة والوحش»، وخانته أو هكذا اعتبر من كانت حبه الأخير والكبير حتى كتب «إنها تحتل قلبي وتتصرف فيه كما لو كان بيتها: تكنسه وتمسحه وتعيد ترتيب الأثاث، وتقابل فيه كل الناس، إلا شخص واحد تهرب من لقائه: صاحب البيت!»، غير أنّ الأشد إيلاما أن قصيدة «لا تكذبي» كانت لعنة على صاحبها أصابته في حياته بالاكتئاب، واختصرت موهبته الضخمة في الصحافة والشعر بعد وفاته في وصف «شاعر لا تكذبي».

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية