لأعوام طويلة، قُدّم إقليم كردستان العراق بوصفه «الاستثناء العراقي»: مساحة أكثر أمنًا، واقتصاد أكثر انفتاحًا، ومؤسسات سياسية يفترض أنها أكثر استقرارًا من بغداد. غير أن هذه الصورة، التي صمدت جزئيًا بعد 2003، تآكلت منذ فشل محاولة الانفصال في أيلول/سبتمبر 2017، وتفاقمت أزمات الإقليم ودخل في سلسلة من أعقد أزماته السياسية والاقتصادية منذ تمتعه بوضع شبه مستقل مطلع التسعينيات.
اليوم، وبعد أكثر من عام على الانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان (تشرين الأول/اكتوبر 2024)، لا تزال الحكومة الجديدة حبيسة الخلافات، والبرلمان عاجزًا عن أداء دوره، فيما تُدار شؤون الإقليم بحكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات. هذا الفراغ المؤسسي لم يعد تفصيلاً سياسيًا، بل تحوّل إلى عبء يومي ثقيل على حياة المواطنين، في ظل تراجع الأوضاع المعيشية، وتأخر الرواتب، وازدياد البطالة، واتساع موجات الهجرة، خصوصًا بين فئة الشباب.
اللافت في الأزمة الحالية ليس فقط طول أمدها، بل كونها الأطول في تاريخ الإقليم منذ 1992. فشل البرلمان في انتخاب هيئته الرئاسية، وتعطّل التشريع والرقابة، وغياب موازنة واضحة، كلها مؤشرات على انسداد سياسي عميق، لا يبدو أنه مرتبط بخلاف تقني أو دستوري بقدر ما هو صراع إرادات ونفوذ بين الحزبين الحاكمين.
اقتصاديًا، يواجه الإقليم مزيجًا معقدًا من الأزمات: اعتماد شبه كامل على الرواتب الحكومية، ضعف القطاع الخاص، تراجع الاستثمار، واستمرار الخلافات المالية مع بغداد. لكن الجديد أن هذه العوامل، التي كانت تُدار سابقًا عبر تسويات سياسية مؤقتة، باتت اليوم بلا أفق واضح.
تأخر الرواتب أو استقطاعها لم يعد حدثًا طارئًا، بل بات نمطًا متكررًا، يضرب الطبقة الوسطى ويقوّض الاستقرار الاجتماعي. في المقابل، تتزايد الضرائب والرسوم غير المباشرة، بينما يشعر المواطن أن الخدمات لا تتحسن، وأن الفساد والمحسوبية ما زالا يحكمان توزيع الفرص. يقول شاب من أربيل في شهادة متداولة إعلاميًا: «اعتدنا أن نعيش بلا برلمان وبلا حكومة… الرواتب تتأخر، والخطط غائبة، ولا أحد يُحاسَب». هذا الشعور لم يعد استثناءً، بل أصبح أقرب إلى القاعدة.
ورغم الحديث عن «إقليم واحد»، إلا أن الواقع الإداري ما زال منقسمًا فعليًا بين نفوذ حزبين إلى إقليمين: أربيل ودهوك من جهة، والسليمانية من جهة أخرى. هذا الانقسام لا ينعكس فقط على القرار السياسي، بل يطال الاقتصاد والأمن والإدارة، ويجعل أي إصلاح شامل رهينة توافق حزبي لم يتحقق حتى الآن. في ظل هذا الواقع، تتراجع صورة الإقليم خارجيًا أيضًا. فغياب حكومة كاملة الصلاحيات، وبرلمان معطل، ورسائل متناقضة تصدر عن القيادات السياسية، كلها عوامل تقلّص ثقة الشركاء الدوليين، وتضعف موقع الإقليم داخل الدولة الاتحادية.
ويمكن القول إن إقليم كردستان العراق لا يعيش مجرد أزمة تشكيل حكومة، بل أزمة نموذج حكم. نموذجٌ بُني على التوازنات الحزبية أكثر مما بُني على مؤسسات دولة، ومع تعطل هذه التوازنات، انكشفت هشاشته.
صراع الحزبين
لم يعد الصراع بين الحزبين الكرديين الكبيرين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، مجرد تنافس سياسي تقليدي على السلطة داخل إقليم يتمتع بقدر واسع من الحكم الذاتي، يقترب عمليًا من الاستقلال الإداري، بل تحوّل إلى عامل شلل بنيوي أصاب مؤسسات الإقليم، وألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد والمعيشة والثقة العامة.
وواقع الحال في كردستان يكشف عن وجود إدارتين سياسيتين وأمنيتين واقتصاديتين، واحدة تتمركز في أربيل، وأخرى في السليمانية، لكل منهما شبكاتها الحزبية ونفوذها الإداري وأولوياتها المختلفة. هذا الانقسام، الذي جرى التعايش معه لسنوات عبر تسويات مرحلية، بات اليوم أكثر كلفة في ظل غياب حكومة موحدة وبرلمان فاعل.
في حكومة الإقليم، الوزارات السيادية، ولا سيما وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، تمثل جوهر الخلاف. فكل طرف يصرّ على الاحتفاظ بمفاصل القوة داخل منطقته، ما يجعل أي حديث عن «حكومة إقليم واحدة» أقرب إلى الصيغة الشكلية منه إلى الواقع. وبدل أن تكون الانتخابات مدخلًا لإعادة توحيد القرار، تحوّلت إلى محطة جديدة لتكريس الانقسام.
انعكاسات هذا الصراع لم تبقَ محصورة في النخب السياسية، بل انتقلت مباشرة إلى حياة المواطنين. فالنشاط الاقتصادي في مدن الإقليم يشهد حالة من الركود الواضح، مع تراجع فرص العمل، وارتفاع البطالة، وهجرة صامتة لرؤوس الأموال والشركات، المحلية والأجنبية، نحو بغداد أو خارج العراق.
أزمة الرواتب تُعد المثال الأوضح على هذا التدهور. آلاف الموظفين لم يتسلموا رواتبهم بانتظام، وبعضهم فقد أكثر من ثلاثين راتبًا خلال السنوات العشر الماضية. هذه الأزمة، التي تتكرر بلا حلول جذرية، لم تعد تُفسَّر فقط بالخلافات المالية مع بغداد، بل باتت مرتبطة مباشرة بفشل الإدارة الداخلية للإقليم، ولا سيما في ملفي المعابر الحدودية والإيرادات النفطية.
في الشارع الكردي، يسود شعور متنامٍ بأن المواطن يدفع ثمن صراع لا علاقة له بمصالحه. يقول موظف حكومي من السليمانية: «الخلافات الحزبية لا تطعم أولادنا، كل طرف يتهم الآخر، والنتيجة واحدة: راتب ناقص أو متأخر». هذا الإحساس بالعجز وفقدان العدالة يغذّي موجات الهجرة، ويعمّق القطيعة بين المجتمع والطبقة السياسية.
والأخطر بالنسبة للمشهد الكردستاني، هو فقدان الإقليم لدوره السياسي التقليدي داخل العراق. إذ لعب الكرد دور بيضة القبان في صراعات تشكيل الحكومات التي أعقبت الانتخابات البرلمانية الاتحادية منذ 2006 حتى 2014. وكان كل من يختلف مع حكومة بغداد يجد له ملاذاً آمناً في أربيل، إذ كانت عاصمة الإقليم تمثل مركز ثقل ووساطة بين القوى العراقية المتصارعة، وتخرج منها التفاهمات الكبرى المتعلقة بتشكيل الحكومات الاتحادية. اليوم، انقلبت المعادلة: بغداد باتت ساحة تسوية للخلافات الكردية نفسها.
هذا التحول يعكس تآكل القدرة الكردية على إنتاج قرار موحّد. فالعجز عن الاتفاق على تشكيل حكومة الإقليم، أو على مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية، فتح الباب واسعًا أمام القوى الشيعية والسنية للتدخل كوسطاء أو مقرّرين، لا كداعمين. وبذلك، لم يعد الخلاف الكردي شأنًا داخليًا في الإقليم، بل عنصرًا يُستثمر ضمن موازين القوى الاتحادية.
في هذا السياق، برزت محاولات من الاتحاد الوطني الكردستاني لإعادة رسم موازين القوى داخل برلمان الإقليم، عبر بناء تحالفات مع قوى المعارضة الكردية مثل حركة «الجيل الجديد»، الأمر الذي سيحدّ من تفوّق الحزب الديمقراطي الكردستاني ويمنعه من الانفراد بإدارة السلطة في الإقليم. هذا التحول، وإن بدا برلمانيًا، لكنه يحمل دلالات أعمق تتعلق بكسر احتكار القرار، وفي الوقت ذاته يزيد من تعقيد مشهد تشكيل حكومة الإقليم.
بالنسبة للحزب الديمقراطي الكردستاني، فإن هذا الواقع يُنظر إليه كتهديد مباشر لنموذج حكم استمر قرابة ربع قرن. أما الاتحاد الوطني الكردستاني، فيراه فرصة لإعادة فرض معادلة «الشراكة المتوازنة» بدل القبول بدور ثانوي. وبين هذين المنطقين، يبقى الإقليم بلا حكومة، وبلا رؤية اقتصادية واضحة، وبلا أفق سياسي قريب.
رئاسة الجمهورية… من استحقاق كردي توافقي إلى ساحة صراع
لم يكن منصب رئيس الجمهورية العراقية، منذ 2003، موقعًا تنفيذيًا بقدر ما كان رمزًا سياسيًا لتوازنات ما بعد النظام السابق. وبموجب العرف السياسي غير المكتوب، استقر هذا المنصب بوصفه «حصة كردية»، مقابل ذهاب رئاسة الوزراء إلى المكون الشيعي، ورئاسة البرلمان إلى المكون السني. غير أن هذا العرف، الذي صمد قرابة عقدين، بات اليوم أحد أبرز ضحايا الانقسام الكردي الداخلي، بل تحوّل إلى مرآة تعكس حجم التآكل الذي أصاب القرار الكردي وقدرته على التوحد.
طوال سنوات، كان اختيار رئيس الجمهورية يتم عبر تفاهمات كردية داخلية، حتى وإن جرى تمريرها لاحقًا داخل البرلمان العراقي بتحالفات أوسع. لكن هذا المسار انهار تدريجيًا مع تصاعد الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، خصوصًا منذ عام 2018، حين فشل الطرفان في الاتفاق على مرشح واحد، وذهبا إلى البرلمان بمرشحين متنافسين.
تكرر السيناريو ذاته في 2022، ويتكرر اليوم بصورة أكثر حدّة. لم يعد الخلاف محصورًا باسم المرشح، بل طال «ملكية» المنصب نفسه: والكل يتذكر العرف الذي ولد على يد جلال طالباني ومسعود بارزاني، عندما جاء الأول إلى بغداد رئيساً للجمهورية، بينما تولى الثاني رئاسة حكومة الإقليم، فولد عرف مفاده أن رئاسة الجمهورية الاتحادية من حصة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بينما رئاسة حكومة الإقليم من حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني. لكن الكرد اليوم باتوا في مواجهة السؤال: هل رئاسة الجمهورية استحقاق تقليدي للاتحاد الوطني، أم ورقة تفاوض مفتوحة يحق للحزب الأقوى انتخابيًا أن ينازع عليها؟ هذا السؤال، الذي كان يُدار سابقًا خلف الأبواب المغلقة، بات اليوم عنوانًا لصراع علني.
ولا يخفى على أحد، أن وراء الخلاف الحزبي، يبرز بوضوح صراع النفوذ بين عائلتين سياسيتين تهيمنان على المشهد الكردي منذ عقود: آل طالباني وآل بارزاني. فبالنسبة للاتحاد الوطني، تمثل رئاسة الجمهورية آخر موقع سيادي اتحادي يوازن هيمنة الحزب الديمقراطي على رئاسة إقليم كردستان ورئاسة حكومته منذ ما يقرب من ربع قرن. أما الحزب الديمقراطي، فينظر إلى استمرار هذا العرف بوصفه قيدًا سياسيًا لم يعد يتناسب مع موازين القوة الكردية على الأرض.
هذا الاشتباك غير المعلن بين «رئاسة الجمهورية في بغداد» و« رئاسة الحكومة في أربيل» لم يعد مجرد تفاوض سياسي، بل تحوّل إلى معادلة صفرية: أي تنازل في بغداد يُنظر إليه كخسارة في كردستان، والعكس صحيح. وبدل أن يكون المنصبان عنصر تكامل في تمثيل الكرد اتحاديًا وإقليميًا، باتا أداتين لتبادل الضغط والابتزاز السياسي.
ووفق بيان صادر عن البرلمان العراقي نشرته وكالة الأنباء العراقية، ضمت قائمة المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية كل من؛ الرئيس العراقي الحالي عبد اللطيف جمال رشيد الذي تولى المنصب في تشرين الأول/اكتوبر 2022، مرشحا من الاتحاد الوطني الكردستاني، ووزير الخارجية بحكومة تصريف الأعمال فؤاد حسين، الذي يعد أبرز مرشحي الحزب الديمقراطي الكردستاني. بالإضافة إلى محافظ أربيل السابق نوزاد هادي، والنائب الحالي في البرلمان مثنى أمين، ونزار محمد سعيد محمد كنجي (المعروف باسم نزار آميدي) وهو شخصية سياسية كردية وأبرز مرشحي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.
مع فشل أربيل والسليمانية في حسم خلافاتهما، انتقل مركز القرار فعليًا إلى بغداد. الكتل الشيعية والسنية باتت تمتلك القدرة على ترجيح كفة هذا المرشح أو ذاك، أو حتى تعطيل جلسة انتخاب الرئيس عبر ما يعرف بـ«الثلث المعطل». وبهذا، لم يعد رئيس الجمهورية يُختار بقرار كردي خالص، بل يُنتج ضمن تفاهمات أوسع، تُراعى فيها مصالح القوى الاتحادية قبل أي اعتبار كردي.
هذا التحول يحمل دلالة خطيرة: الكرد، الذين طالما تفاوضوا مع بغداد ككتلة واحدة نسبيًا، باتوا اليوم أطرافًا متفرقة تُستقطب داخل تحالفات شيعية وسنية متنافسة. والنتيجة هي تراجع القدرة التفاوضية للكرد في ملفات جوهرية، من الموازنة الاتحادية إلى ملف النفط والرواتب.
الاستمرار في هذا المسار لا يهدد فقط منصب رئاسة الجمهورية، بل يضعف مجمل الحضور الكردي داخل الدولة الاتحادية. فغياب الموقف الموحد يجعل الكرد أقرب إلى «شريك ملحق» في تشكيل الحكومات، لا لاعبًا حاسمًا فيها. ومع تراجع عدد المقاعد الكردية في البرلمان الاتحادي، تصبح كلفة الانقسام مضاعفة.
سياسيون ومراقبون يحذرون من أن هذا التفكك سيُستخدم مستقبلًا لتقليص الحقوق الدستورية للإقليم، سواء في ما يتعلق بحصته من الموازنة، أو بصلاحياته الإدارية، أو حتى بتمثيله في المواقع السيادية. فالدولة الاتحادية، التي تتعامل مع موازين القوة، لا ترى اليوم كتلة كردية متماسكة، بل أطرافًا متنازعة يمكن إدارتها كلٌّ على حدة.
في المحصلة، تكشف أزمة رئاسة الجمهورية أن ما يعيشه إقليم كردستان ليس خلافًا عابرًا على منصب اتحادي، بل أزمة حكم عميقة. أزمة تتعلق بنموذج إدارة السلطة، وبعجز النخب السياسية عن تحويل التعدد الحزبي إلى شراكة مؤسسية، وباستمرار تغليب منطق النفوذ العائلي والحزبي على منطق الدولة.
ويدفع المواطن الكردي ثمن هذا الانسداد يوميًا: رواتب متأخرة، اقتصاد راكد، مؤسسات معطلة، وتمثيل ضعيف في بغداد. وبينما ينشغل الفاعلون السياسيون بمعارك المواقع، تتآكل الثقة العامة بالإقليم بوصفه كيانًا قادرًا على إدارة نفسه، ناهيك عن الدفاع عن مصالحه داخل الدولة الاتحادية. بهذا المعنى، فإن أزمات كردستان العراق لم تعد شأناً داخلياً معزولاً، بل حلقة مركزية في أزمة النظام السياسي العراقي ككل، حيث تتحول الخلافات غير المحسومة إلى شلل دائم، وتُدار الدولة ـ وبضمنها الإقليم ـ بمنطق التسويات المؤقتة، لا الحلول المستدامة.