في سورية.. الخطوط الحمراء إلى صفراء ويستمر القتل

حجم الخط
0

في ظل حالة الغموض بشأن المستقبل في سورية تستمر المأساة ولا يبدو ان هناك شيئا واضحا سوى استمرار عمليات القتل والخراب التي تعم ربوع هذا الوطن الجريح. وبينما يواصل شلال الدم السوري تدفقه وفيضانه ليلطخ وجوه وأيدي كل من خانوا وخذلوا الشعب السوري في أحلامه باسترداد حريته وكرامته المخطوفة، تتخفى الأطراف المتعاطفة مع هذه المأساة خلف تصريحات فارغة عن خطوط حمراء، سرعان ما يتم تجاوزها فتصبح مع تلاحق الأحداث صفراء، فيجري التكيف معها، فلا الخطوط الحمراء وضعت حدا لحفلات القتل الجماعي التي يقيمها النظام لشعبه، ولا تلك الصفراء طرحت حلولا لإخراج هذا البلد العربي الكبير من المصير المجهول الذي لا يعلم إلا الله ملامحه ومآلاته.
تستمر حفلات القتل، بينما تتساقط الخطوط الحمراء الكثيرة التي يرسمها الغرب في طريق النظام السوري منذ اندلاع الازمة واحدا تلو الآخر، وكلما سقط أحدها يتم الانتقال من حالة الإدانة لمرحلة التكيف، بدءا من لجوء النظام لاستخدام الصواريخ الباليستية في ضرب المدن والمذابح المروعة ضد المدنيين، وصولا للسلاح الكيماوي. وحتى حين جرى استخدام الكيماوي فان المشكلة أصبحت في رأي واشنطن هي غياب الأدلة على توقيت وكيفية استخدامه، ومن استخدمه؟ وليس في وصول المأساة لهذا الحد.
أيا يكون الطرف الذي استخدم الكيماوي، فان ذلك يستدعي تحركا دوليا عاجلا لوضع نهاية لتلك المأساة. أرجو ألا يفهم من هذا الكلام أنه دعوة للتدخل العسكري في سورية، فكاتب السطور من أشد المعارضين لذلك، لكنه دعوة لحماية الضحية وتمكينها في الحد الأدنى من الدفاع عن نفسها في مواجهة آلة القتل والدمار.
البعض يرد الحذر والارتباك الامريكي الغربي، فيما خص المشهد السوري، لعوامل عدة من بينها عقدة العراق والخوف من تكرار الخطأ الذي ارتكبته واشنطن حين غزت العراق تحت ذريعة كاذبة بوجود أسلحة دمار شامل. لكن الموقف في سورية يبدو أكثر تعقيدا من ذلك، فليس المطروح تدخلا عسكريا مباشرا على غرار العراق، فهذا أمر مرفوض من مختلف الأطراف، لكن الحديث هو عن تسليح المعارضة السورية بما يمكنها من تحقيق حد أدنى من التوازن مع الآلة العسكرية للنظام. وفي هذا الإطار تواجه واشنطن وحلفاؤها حسابات بالغة التعقيد، وتتجاذبها اعتبارات متضاربة، فهي راغبة، أو هكذا تقول، في دعم وتسليح المعارضة، لكنها في الوقت ذاته قلقة من إمكانية سقوط السلاح في يد الجماعات الجهادية المتطرفة.
وثمة فريق يرى أن تسليح المعارضة ربما يدفعها بعيدا عن الحل السياسي في سورية، الذي يبدو أنه لا مفر منه في النهاية. كما تبرر القوى الغربية ترددها في تسليح المعارضة بانقسام هذه المعارضة وتشرذمها.
لكن الموقف الغربي المتردد في دعم المعارضة عسكريا ينطوي على جملة من الأخطاء: أولها أنه يبقي على توازن الضعف القائم حاليا بين النظام والمعارضة وعجز أي من الطرفين على حسم المعركة لصالحه، بما يؤدي لاستمرار حال الاستنزاف بينهما بدلا من إحداث توازن نوعي ربما يدفع الطرفين للذهاب للحل السياسي، بل إن الوضع الحالي يدفع النظام لمزيد من التشدد في مواقفه بالنظر لاستمرار تدفق الدعم من حلفائه، وهو ما يجعله غير مستعد للنزول من عليائه بحثا عن حل سياسي، بل على العكس تماما يواصل النظام تصعيد عملياته العسكرية ويتحدث عن الانتصار الذي لا بديل عنه في المعركة، كما قال بشار الأسد، في تصريحاته الأخيرة.
اما الخطأ الثاني في موقف الغرب من مسألة تسليح المعارضة فهو انه ربما يؤدي إلى عكس النتائج التي يرجوها بمحاصرة المتشددين والجماعات الجهادية، فكلما استمر الوضع الحالي الذي يستغله النظام للامعان في تصعيد عمليات القتل والتدمير، ضعف صوت وتأثير العقلاء والمعتدلين في صفوف الثوار وقدرتهم على قيادة المشهد الميداني لصالح الأصوات الأكثر تشددا.
أما الخطأ الثالث الذي يقع فيه الغرب فهو حين يربط تسليح الثوار بتوحيد صفوف المعارضة، ومرد الخطأ هنا ليس لأن عدم توحيد فصائل المعارضة مسألة غير مهمة، ولكن لأن غياب التسليح اللازم للثوار هو في حد ذاته سبب إضافي لاستمرار ضعف المعارضة وغياب تأثيرها في الميدان وعلى الارض، إذ كيف لمعارضة أن تدعي ليلا ونهارا أنها الناطقة باسم الثورة، بينما هي تقف عاجزة عن مد يد المساعدة للثوار أو إقناع المجتمع الدولي بتقديم هذه المساعدة اللازمة لمنع إجهاض الثورة والقضاء عليها.
وعكس الموقف المتردد لحلفاء الثورة السورية والمتعاطفين معها، يبدو الأمر مغايرا على الجبهة المؤيدة للنظام السوري، فإيران ومعها حزب الله يريان أن معركة سورية هي معركة وجود بالنسبة لهما ولديهما الاستعداد للبذل والعطاء بلا حدود لمنع الهزيمة في هذه المعركة، ولعل هذا ما بدا واضحا في التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله، التي أكد فيها أن لسورية حلفاء وأصدقاء أقوياء لن يسمحوا بسقوطها في يد أمريكا واسرائيل وحلفائهما، في إشارة بالطبع للمعارضة ومؤيديها. الموقف ذاته أكدته إيران على لسان أكثر من مسؤول.. أما الموقف الروسي الداعم للنظام السوري فقد أظهر صلابة وثباتا وصمد أمام العديد من الاختبارات والرهانات على إمكانية تليينه عبر لعبة المساومات بين موسكو وواشنطن. ولم تظهر موسكو أي إشارة الى استعدادها لتغيير موقفها منذ بداية الازمة وحتى الآن، وهذه هي احدى الاوراق المهمة التي يستغلها النظام السوري، الذي يبدو أكثر ثقة في حلفائه واستعدادهم لدعمه حتى النهاية على عكس علاقة المعارضة مع القوى المؤيدة لها.
هل يعني ذلك أن النظام بما يتلقاه من دعم لا محدود من قبل حلفائه بات قادرا على حسم المعركة لصالحه، بالتأكيد لا، ولكنه في الحد الأدنى نجح في تحسين موقفه وتوجيه رسائل لمؤيديه ومعارضيه في ذات الوقت بأنه مازال قادرا على الصمود والمضي قدما حتى النهاية، وأن الذين راهنوا على سقوطه في أيام معدودات خسروا الرهان، كما أنه يقول للمعارضين إن باب الحسم العسكري لصالحهم قد أغلق حتى اشعار آخر، وعليهم الجلوس الى طاولة الحوار، ولكن بشروط يدرك هو جيدا أن المعارضة حتى في أكثر فصائلها اعتدالا لن تقبل بها. وفي هذا الإطار يبدو النظام مراهنا على ضعف المعارضة باكثر من رهانه على قدرته على حسم المعركة، فالمعارضة السورية وبعد أكثر من عامين على انطلاق شرارة الثورة لم تنجح، رغم كل المحاولات والجهود والدعم الذي بذلته أطراف دولية وعربية عديدة، في توحيد صفوفها في كيان سياسي جامع قادر على أن يكون عنوانا للشعب السوري، ويستطيع إقناع المجتمع الدولي بالتعامل معه.
ورغم الدعم السياسي غير المسبوق الذي حصدته المعارضة خلال القمة العربية الاخيرة بالدوحة، بحصول ائتلاف المعارضة على مقعد سورية بالجامعة، إلا أن هذا الدعم سرعان ما تبدد باستقالة رئيس الائتلاف أحمد معاذ الخطيب، وما رافق هذه الاستقالة من جدل عن انقسامات وتباينات داخل صفوف المعارضة، وهو ما ساهم في تعميق شكوك المجتمع الدولي حيال هذه المعارضة وقدرتها على توحيد كلمتها، فأيا كانت الخلفيات وراء استقالة الخطيب فإنها وجهت ضربة قوية لجهود توحيد صف المعارضة، وأظهرت هذه المعارضة وكأنها تتصارع على جلد الدب قبل صيده كما يقول المثل.. ولا يبدو الحال أفضل على صعيد الأداء العسكري للمعارضة في ظل استمرار الانقسامات والصراعات بين الفصائل المسلحة وغياب قيادة عسكرية موحدة، رغم الجهود التي يبذلها الجيش السوري الحر الذي يشكل المكون الأهم للمعارضة السورية المسلحة.
ومع استبعاد قدرة أي من الطرفين على حسم المعركة عسكريا لصالحه في ظل ميزان الضعف على الأرض وانسداد طرق الحل العسكري، فإن الموقف على صعيد الحل السياسي لا يقل انسدادا وغموضا، فلا تبدو في الافق أي ملامح لقرب إطلاق مبادرة حقيقية لحل سياسي للازمة السورية، وكل ما يجري هو محاولات واتصالات تجريها أطراف عدة متعارضة ومتصارعة على سورية وفي داخلها. ولعل الإعلان عن استقالة المبعوث العربي الدولي المشترك لسورية الأخضر الإبراهيمي، هو دليل إضافي على المأزق الذي تعيشه كل الأطراف في سورية وخارجها. فهذه الاستقالة تعني أن جهود الحل السياسي تراوح مكانها وربما أنها عادت إلى نقطة الصفر أو أقل قليلا. وسط كل ذلك يأتي العدوان الاسرائيلي الأخير باستهداف مواقع في قلب دمشق ليضفي مزيدا الضبابية والغموض حول قادم الأيام في سورية والمنطقة كلها.. فهل يخلط هذا العدوان الاسرائيلي الأخير الأوراق وتتحول الأزمة السورية لمواجهة إقليمية تعيد ترتيب المشهد بكامله بما يفضي إلى نهايات مغايرة تماما للبدايات؟ وهل نشهد تداعيات إقليمية لمثل هذا الهجوم قد تحمل في تفاصيلها ‘قبلة الحياة’ للنظام السوري؟ أم أن كل الامور ستبقى معلقة بانتظار قمة أوباما ـ بوتين على هامش اجتماعات قمة الثماني في فنلندا منتصف الشهر القادم وما يمكن أن يتفق عليه الطرفان بشأن الملف السوري، بعد أن بات الجميع على قناعة شبه كاملة بان مصير هذا الملف بات رهنا بالتفاهمات بين موسكو وواشنطن وما بينهما؟ لننتظر ونرى.

‘ كاتب وصحافي مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية