فلسطيني عاصر نكبة 1948: نعيش اليوم “نكبة أبشع”- (صور)

حجم الخط
0

طولكرم- قيس أبو سمرة: قبل 76 عاما، عايش العجوز مصطفى أبو عواد كافة أهوال ومآسي النكبة الفلسطينية، بما شمل تهجير عائلته من قريتها صبارين قرب مدينة حيفا شمال فلسطين المحتلة عام 1948، حيث كانت تحيا حياة هانئة سعيدة، وترك جميع ممتلكاتها خشية القتل على يد العصابات الصهيونية آنذاك.

إلا أن أبو عواد (88 عاما) الذي يعيش حاليا لاجئا بمخيم نور شمس للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة، يعتبر أن الشعب الفلسطيني يعيش في العام 2024 “نكبة جديدة أبشع” من التي عاني منها عام 1948.

و”النكبة” مصطلح يطلقه الفلسطينيون على ما حدث في 15 مايو/ 1948، الذي أُعلن فيه إقامة إسرائيل على أراضٍ فلسطينية محتلة، إثر تهجير نحو 750 ألف فلسطيني.

“أهوال النكبة”

في حديث مع مراسل الأناضول، يتذكر أبو عواد أهوال النكبة بينما يقلب بين يديه مجموعة من الأوراق القديمة، تشمل كواشين أراض في صبارين (وثائق رسمية تُثبت ملكية الأرض) وشهادات ميلاد ووثائق ثبوتية أخرى له ولأفراد عائلته.

ويقول: “كنا (قبل النكبة) نعيش أيامًا جميلة في صبارين، قبل أن نتحول إلى لاجئين تلاحقهم إسرائيل حتى اليوم”.

بداية مأساة أبو عواد وأبناء قريته كانت في 12 مايو/ أيار عام 1948، ذلك “اليوم المشؤوم”، كما يصفه، عندما اضطروا إلى ترك منازلهم في صبارين.

ويضيف راويًا ما حدث معهم آنذاك: “كنت في الثانية عشرة من عمري، خرجنا من صبارين هربا من عمليات القتل والمجازر التي بدأت ترتكبها العصابات الصهيونية في ذلك الوقت”.

ويتابع: “أخذنا معنا القليل من الأمتعة؛ ظنا منا أننا سنعود بعد أيام أو أسابيع، لكن الأيام باتت دهرا طويلا”.

وعن معانتهم خلال النزوح، يقول أبو عواد: “كنا نبتعد عن العصابات الصهيونية خشية الملاحقة والقتل”.

ويضيف: “بعد شهر (من نزوحنا) قررنا العودة إلى القرية، فوجدناها محاصرة من قبل جماعات مسلحة، والتي قامت بقتل 18 من شباب القرية، لذلك هربنا من جديد من القتل”.

ويشير إلى أن عائلته “استقرت في خيام أقامها الاتحاد اللوثري العالمي (منظمة إغاثة عالمية) في سهل جنين (شمال الضفة الغربية) حتى العام 1951”.

ويوضح: “في عام 1951، شهد سهل جنين أمطارا غزيرة وثلوجا أغرقت الخيام في الوحل والطين، وانقسم الناس بين منطقة برقين حيث مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين (شمال الضفة) اليوم، ومخيم نور شمس للاجئين الفلسطينيين حيث نسكن نحن”.

ويعيش أبو عواد حاليًا في بيت مبنى من الحجارة القديمة، ويقول إنه واحد من مباني تركها الجيش البريطاني وقت النكبة، إذ كان يستخدمها كسجن أو كبيوت للعائلات الإنكليزية التي تعمل في الجيش.

ويستطرد العجوز الفلسطيني الذي يتمسك بلباسه التقليدي، قائلا: “بريطانيا، وبالاتفاق مع الولايات المتحدة، خرجت من فلسطين عام 1948، وسلمت العصابات الصهيونية كافة الأسلحة والعتاد، بينما كنا نحن شعبًا أعزل، وفلاحين لا نعرف شيء عن السلاح والحرب، لذلك سيطرت هذه العصابات على الأرض وقتلت وشردت (أصحابها من الفلسطينيين)”.

يتنهد أبو عواد، قائلا: “لم نكن نتوقع يوما أن نصبح لاجئين”.

شوق إلى قريته القديمة

وبشوق، يستذكر العجوز الفلسطيني حياة عائلته في قرية صبارين، قائلا: “كانت عائلتي تملك بيتا رحبا، وأراض وسهولا مزروعة بالزيتون، وبيادر للقمح (مكان مُخصص لدرس حبوب القمح عبر فصل الحبوب عن القش)، و4 جمال تُستخدم لنقل الحنطة والمزروعات وغيرها”.

ويضيف: “كان في صبارين 4 عيون مياه، كنا نعيش فيها بأمن وسلام وحياة سعيدة ذات شجون”.

ويتابع: “كانت القرية تجتمع في المناسبات، وتحل الخلافات دون محاكم. لقد كانت حياة بسيطة بمعنى الكلمة”.

ويواصل بحسرة: “انقلبت حياتنا رأسا على عقب”.

ورغم مرور 76 عاما على النكبة إلا أن أبو عواد لا يزال يتمنى “الموت والدفن في تراب” قريته.

“نكبة جديدة”

وعن الحياة في مخيم نور شمس، يقول أبو عواد: “حياة المخيم بائسة، فقد حولت إسرائيل حياتنا إلى كابوس عبر شنها عمليات اقتحام وقتل يومية”.

ويضيف: “ما يحدث اليوم (على يد إسرائيل) أبشع مما اُرتكب في النكبة، فإسرائيل تقتحم مخيمات اللاجئين، وتدمر كل شيء بها، وتقتل وتعتقل، وما يجري في غزة حرب إبادة”.

وبعد هجوم الفصائل على مستوطنات بغلاف غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تعرض بيت أبو عواد للتكسير من قبل قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي، التي اقتحمته خلال عملياتها في المخيم.

ويشير أبو عواد إلى أن تفجيرات جيش الاحتلال الإسرائيلي في المخيم أسفرت عن تدمير نوافذ وأبواب وأثاث منزله.

وبالتوازي مع حربه المتواصلة على غزة منذ 7 أكتوبر 2023 التي خلفت قرابة 114 ألف شهيد وجريح فلسطيني، صعّد جيش الاحتلال عمليات الاقتحام والاعتقال في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة.

وطال هذا التصعيد مخيم نور شمس، إذ شن جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة اقتحامات له مستخدما الطائرات المسيرة والوحدات الخاصة، حيث قتل واعتقل عشرات الفلسطينيين، ودمر منازل، وهدم البنية التحتية.

حق العودة لا بديل عنه

وكانت عائلة أبو عواد، كما ذكر، صاحبة أراض ومواشي، لكنه تحول بين ليلة وضحاها إلى عامل أجرة يبحث عن رزق عائلته في مصانع ومشاغل بعد أن بات لاجئا.

ويشير إلى أنه ترك الدراسة في طفولته بعدما توفي شقيقه الأكبر، وأوكل له مهمة توفير رزق عائلته وإخوانه في ذلك الحين.

يقول العجوز الفلسطيني: “76 عاما مرت، ونحن نقول الفرج قريب بإذن الله، وحق العودة لا بد أن يتحقق”.

ويشير إلى كواشين وأوراق قديمة منها ما يعود للعهد العثماني في فلسطين وأخرى إلى حكومة فلسطين تحت الانتداب البريطاني ويقول: “نحتفظ بهذه الأوراق وبمفتاح المنزل حتى نثبت للعالم أن لنا أرض ومنزل لا بد أن نعود لها يومًا”.

ويضيف: “اللاجئ الفلسطيني يُعلم أبناءه وأحفاده أن لهم أرض وتراب ومسقط رأس للأجداد لا بد من العودة إليها”.

وفي سبعينات القرن الماضي، زار أبو عواد قريته مع أبنائه وتعرف على منزل عائلته، وأكل من تين وصبار القرية، وشرب من ينابيعها، ويقول: “حتى اليوم أعيش تلك الحياة في مخيلتي”.

ويختتم حديثه قائلا: “أمنيتي العودة والموت والدفن في تراب بلدي”.

وفي 15 مايو/ أيار سنويا، يحيي الفلسطينيون ذكرى “النكبة” عبر مسيرات وفعاليات ومعارض داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها في الشتات بأرجاء العالم.

وحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني (رسمي) في بيان الأحد الماضي، قتلت إسرائيل 134 ألف فلسطيني وعربي في فلسطين منذ “النكبة” عام 1948.

إلى جانب تسجيل نحو مليون حالة اعتقال، وفق جهاز الإحصاء، منذ “نكسة” 1967، حين احتلت إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

(الأناضول)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية