يتشارك الاسرائيليون والعرب، كل بطريقته الخاصة، إرث ارئيل شارون، ورغم النزاع الوجودي بين الطرفين فليست حكاية ‘السيد اسرائيل’ (كما سمّاه رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود اولمرت) أو سفّاح ‘صبرا وشاتيلا’ و’قبيّة’ (كما يتذكّره الفلسطينيون والعرب) انتصارات خالصة لاسرائيل وهزائم متكرّرة للعرب والفلسطينيين، فهذا غير صحيح تاريخياً وغير ممكن بحسب منطق الاشياء والطبيعة.
فالتاريخ نفسه الذي صنع اسم ‘ملك اسرائيل’ في حروب 1948 و1967 و1973 و1982 هو الذي أصابه برصاص المقاومين الفلسطينيين لاحتلال أراضيهم عام 1984 التي شقّت بطنه، وأخرجه مدحوراً عام 2000 من لبنان، وأثار ضدّ غطرسته انتفاضة الأقصى عام 2000 التي خلّفت آلافاً من الضحايا الفلسطينيين لكنها أيضاً كلّفت الجيش الاسرائيلي 334 جندياً (بينهم 58 جندياً قتلوا في معركة مخيم جنين وحدها) وقتلت 735 مستوطناً، ولم يمض على إشراف شارون الانتقاميّ على حصار وإذلال ياسر عرفات ثم تسميمه الذي أدى الى وفاته عام 2004 عامان حتى دخل هو أيضاً غيبوبة لثماني سنوات، كانت أجلى تعبير عن مكر التاريخ وانتقامه من انتصارات الجنرال الوحشيّة على أعدائه: نحن!
حكاية شارون، تلخّص حكاية اسرائيل نفسها وحكاية المقاومة الفلسطينية العربية المستمرة ضدّ آخر مشاريع الاستعمار الاستيطانية العنصرية الباقية على وجه الأرض.
ترافقت لحظة غيبوبة شارون عام 2006 مع دخول النزاع الفلسطيني الاسرائيلي طوراً جديداً، استنفدت فيه اسرائيل، ومن ورائها حلفاؤها الغربيون، مشروعها التوسّعي، فانكفأت الى فكرة حارة اليهود (الغيتو) القديمة مع نصبها جدارها العازل، وصولاً، بعد ذلك، إلى تطرّفها الجنونيّ، مع مشروع ‘الدولة اليهودية’ النقيّة الصافية من الأغيار الفلسطينيين، وهي الفكرة العنصريّة الأقصى التي ستصل، هي أيضاً، إلى فشلها المطلق، لأنها ضد التاريخ والطبيعة والحياة.
يجدر تأمّل ترافق حدث وفاة شارون السبت الماضي مع مرور قرابة ثلاث سنوات على بدء الثورات العربية التي انطلقت في تونس يوم 17 تشرين الثاني/ ديسمبر وفي مصر 25 كانون الثاني/يناير ثم اليمن في 11 شباط/فبراير وليبيا في 17 شباط/فبراير وسوريا في 15 آذار/مارس، فقد دشّنت الثورات العربية إنهيار النظام العربي القديم معلناً بذلك عن قدرة المجتمعات العربية على التغيير ورغبتها العارمة في الخروج من حالة الخراب والموات والدمار المترافق مع محاولات مستمرّة منذ تأسيس اسرائيل لتأبيد حلف الاستبداد والفساد واستتباعه بالمشروع الاسرائيلي الغربي.
ورغم انشغال الشعوب العربية ونخبها ببناء أركانها السياسية المتهالكة، باعتبارها بوّابة الخروج من الاستبداد والفساد، فإن انطلاقاتها المتقاربة في أرجاء الوطن العربي الكبير دليل كاشف على ترابط الشؤون العربية وتداخلها، وفي صلب ذلك، بالتأكيد، تنبض، بهدوء، الاجابة على السؤال الكبير الذي أرق النخبة السياسية العربية: فلسطين.
واجهت الثورات العربية أحلاف الماضي السياسية القارّة والمترابطة المصالح، دولياً وإقليمياً وداخلياً، وفي مواجهتها للثورات استخدم شركاء مصالح وامتيازات الماضي كل عدّة الأيديولوجيا المهترئة بما في ذلك مزاعم الدفاع عن فلسطين، وشارك في ذلك، للأسف، بعض أعلام السياسة الفلسطينية أنفسهم الذين هاجموا الثورات وساهموا بذلك في دعم آلة الطغيان الكاسرة ضد شعوبها الثائرة.
تعاني الثورات العربية مشاكل عضويّة جسيمة، فطول العهدة بالاستبداد، وتداخلات المال السياسي العربي، وضغوط اسرائيل، وتورّط القوى الإقليمية (ايران وحزب الله و’القاعدة’ وبناتها) تحاول جميعها تأجيل حركة التاريخ الطبيعية، لكن هذه الثورات، بفكّها عرى العلاقة المكينة بين أنظمة الاستبداد والدكتاتورية مع مشروعي (اسرائيل امريكا) و(ايران روسيا) للتحكم بالمنطقة العربية هي الإجابة الحقيقية للشعوب العربية على التحدّي التاريخي الهائل القائم. كان شارون، بالنسبة إلينا كعرب وفلسطينيين (العرب كلّهم فلسطينيون بالمعنى العميق لهويّة الضحيّة) هو آلة الموت المشتغلة ضدّنا، والتهام هذه الآلة لأحد مشغّليها الأساسيين ليس فعلاً طبيعياً فحسب بل يحملُ، معنى سياسياً عميقاً.
انتفاضات فلسطين ضد اسرائيل وجنرالها المدلّل كانت مقدّمات لصعود انتفاضة العرب الكبرى ضد جنرالات الدكتاتورية والاستبداد والفساد، وغيبوبة (ثم موت) شارون بالنتيجة معادل رمزيّ لاستعادة العرب شروط عودتهم الى التاريخ وانتصارهم على كل تمثّلات ‘السيّد اسرائيل’ الناطقة بالعربيّة.