غوانتانامو: وصمة عار أم عدالة أمريكية الطراز؟

حجم الخط
0

غوانتانامو: وصمة عار أم عدالة أمريكية الطراز؟

صبحي حديديغوانتانامو: وصمة عار أم عدالة أمريكية الطراز؟ في الخلفية الأخلاقية الأبعد، إذا جاز الحديث أصلاً عن خلفية كهذه، ثمة عبارة ـ مفتاح أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش في تبرير إنشاء المعتقل العسكري الذي أقامته الولايات المتحدة في خليج غوانتانامو يوم 11 كانون الثاني (يناير) 2002، ضمن حزمة إجراءات أخري خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً، في سياقات ما أسمته الإدارة بـ الحرب علي الإرهاب . قال بوش، في آذار (مارس) 2002: تذكروا… هؤلاء الأشخاص الموجودين في غوانتانامو قتلة لا يشاركوننا نفس القِيَم … إنها، إذاً، حكاية قيم، أخلاقية أو فكرية أو سياسية أو ثقافية، وليست مسألة قوانين مرعية وقضاء مستقلّ ومحاكم عادلة تنظّم شؤون الجريمة والعقاب. وأيّ انتهاك للحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتانامو مشروع تماماً في منظار أوّل هو عدم اشتراك المتهم في القيم الأمريكية، وأنّ تلك القيم تتمتع ـ في المنظار الأمريكي فقط! ـ بصواب أخلاقي مطلق، وبمنعة قانونية راسخة، فضلاً عن مختلف أنماط السطوة السياسية والعسكرية والإقتصادية… هي في المجمل حيثيات عليا تبيح المحظورات لحاملي القيم الأمريكية. الحيثيات الأخري، الأبسط في تثبيت الحقيقة ولكن الأفدح في تمثيل المأساة، تقول إنّ المعتقل يحتجز نحو 500 رجل من قرابة 35 جنسية مختلفة، لم تُوجه تهم بأية جرائم سوي إلي تسعة منهم فقط. بعضهم اعتُقل في أفغانستان، وبعضهم نُقل إلي المعتقل ضمن تكنيك الخطف غير الشرعي الذي مارسته وكالة المخابرات المركزية هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها. جميعهم تعرّضوا ويتعرّضون لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي (ليس أقلّها قسوة الحرمان من مقابلة أهلهم وذويهم، أو كتابة وتلقي الرسائل…)، فضلاً عن الإهانة والتحقير والقهر المتعمد، والتقييد بالسلاسل، وإجبار المعتقل علي ارتداء نظارات معتمة. واليوم بالذات، ما يزال نحو 40 منهم ينفذون إضراباً عن الطعام، ويتمّ إخضاعهم لعمليات تغذية قسرية بواسطة أنابيب بلاستيكية يجري إدخالها إلي المعدة عن طريق فتحة الأنف! وبالرجوع إلي بعض وقائع اليوميات التي دوّنها المعتقل البحريني جمعة الدوسري، 32 سنة، ونشرتها منظمة العفو الدولية، يؤكد الرجل ان القوات الباكستانية كانت قد باعته إلي الأمريكيين لقاء حفنة دولارات، وأنه خضع للإستجواب 600 مرّة، ووُضع في زنزانة إنفرادية من دون سبب، وتعرّض لتهديدات بالقتل. كما مورست عليه سلسلة ضغوط نفسية أثناء جلسات التحقيق، بينها إجباره علي الإستماع إلي موسيقي صاخبة، وتركه موثوقاً لساعات طويلة في غرفة باردة جداً دون ماء أو طعام، وتعريضه للإذلال بواسطة جندية لا ترتدي سوي ملابس داخلية، ثمّ إجباره علي مشاهدة مجلات إباحية. وهكذا، ليس المرء بحاجة إلي أن يسهب في تفصيل أهوال هذا المعتقل، الذي قد تكفي في توصيفه تلك الحقيقة الدامغة التي تقول إنه لا ينتهك اتفاقيات جنيف حول معاملة الأسري فحسب، بل ينتهك أنظمة السجون المعمول بها في جميع االديمقراطيات، بما في ذلك أنظمة السجون الأمريكية. تكفي، كذلك، هذه الشهادة البليغة التي صدرت عن منظمة العفو الدولية تحت عنوان معتقلو غوانتانامو: 4 سنوات بدون عدل ، والتي تعيد تذكير العالم، والديمقراطيات الغربية أساساً وأوّلاً، بأنّ الـ 500 آدميّ ما يزالون طي النسيان القانوني ، والعديد منهم لم يُمنح الحقّ في المثول أمام أية محكمة أو مقابلة مستشار قانوني أو تلقي زيارات عائلية ، كما يخضع الكثير للحبس في زنازين صغيرة لفترات تصل إلي 24 ساعة في اليوم مع أدني فرصة لممارسة التمارين الرياضية ، و غالباً ما يُحتجز المعتقلون في عزلة، أحياناً طوال أشهر، عقاباً علي مخالفة قواعد المعسكر الصارمة .وتتابع المنظمة: الأوضاع الفظيعة، ومزاعم التعذيب، وغيرها من ضروب سوء المعاملة، واعتقال الأشخاص في غوانتانامو مدة تصل إلي أربع سنوات بدون عدل: هذه انتهاكات لحقوق الإنسان تثير الذعر. ومن شأن خطط الولايات المتحدة لمحاكمة المعتقلين أمام لجنة عسكرية أن تتسبب بمزيد من الظلم. فهذه اللجان ليست مستقلة، وتجيز الأقوال التي تنـتزع تحت وطأة التعذيب أو الإكراه والأدلة المستندة إلي أقاويل . وبالفعل، شهدنا بالأمس فقط نموذجاً علي هذا القضاء العسكري، في محاكمة اليمني حمزة البهلول ثمّ الكندي عمر خضر (19 سنة، وكان عمره 15 سنة ساعة اعتقاله). الرائد توم فيلنر، المحامي الذي عيّنه الجيش الأمريكي للدفاع عن البهلول، هو نفسه الذي وصف هذه المحاكمات بأنها صورية ، وأنّ القواعد ليست موضوعة بطريقة تساعد المتهمين . وأمّا النقيب جون مريام، المكلف بالدفاع عن خضر، فهو محام لم يسبق له تمثيل أيّ متهم أمام أية محكمة!السؤال التالي، الذي تقتضيه أية منظومة منطقية صالحة لتفسير السلوك الأمريكي، هو التالي: هل هذه وصمة عار منفردة، ينبغي أن يندي لها جبين الديمقراطية الأمريكية لمرّة واحدة محدّدة، مثلها في ذلك مثل بربرية سجن أبو غريب العراقي؟ أم أنّ غوانتانامو، مثلها في ذلك مثل أبو غريب وسواه من سلسلة انتهاكات حقوق الإنسان، هي أحدث الأمثلة فقط، في ثقافة سياسية ـ حقوقية متكاملة عريقة تنظّم وترسم العدالة الامريكية ما وراء البحار، أو حتي في كوبا، علي مرمي حجر من أرض أمريكا؟وفي صياغة أخري للجدلية ذاتها، ثمة هذه الطائفة من الأسئلة: إذا كان الإرهاب هو الذي يسفك الدم الأمريكي (الضالع أو البريء، العسكري أو المدني)، فما الذي يغذّي هذا الإرهاب عاماً بعد عام وعملية دامية إثر أخري أفضل من أمثلة غوانتانامو و أبو غريب ؟ وهل يحقّ لأية ذاكرة أمريكية، قصيرة أو طويلة، أن تتناسي لائحة ديون الشعوب المستحقة علي الولايات المتحدة، وكيف أنّ بعض بنود اللائحة جمرٌ متّقد تحت رماد يبدو خامداً، وبعضها الثاني من نوع يجري استيفاؤه بالعبوات الناسفة والعمليات الإنتحارية؟ثمّ هذه الطائفة الثالثة من الأسئلة التي تصنع الجدلية ذاتها: أليست أمريكا هي التي هندست صيغة الأفغان العرب ، ثم لم تجد بدّاً من إطلاقهم في أربع رياح الأرض حين وضعت الحرب الباردة أوزارها؟ أليست أمريكا هي التي وفّرت لهم ميادين حروب الله ، في البوسنة والصومال وفلسطين المحتلة والسعودية وجنوب لبنان والكويت وبلاد الشاشان والفيلبين وكوسوفو وتركيا وأندونيسيا وإسبانيا وبريطانيا، غير نيويورك والبرجين ومقرّ البنتاغون؟ ألا تضرس امريكا، من جديد، حصرم فلسفات التدخل العسكري المباشر، أو الضربات الوقائية، أو التعاقد مع الدكتاتوريات المحلية؟ ألا تتكيء، للمرّة الألف ربما، علي التنميطات العتيقة ذاتها حول الإرهاب والإرهابيين، و الأصولية والأصوليين، حيث الوصف أهمّ من الوصفة؟نعرف، ومن الخير أن نتذكر دائماً، ما تقوله جميع المنظمات الحقوقية الدولية عن سجلّ حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وطبيعة الإنتهاكات الصارخة التي تُمارس هناك علي نحو مؤسساتي رسمي. لا أحد بلا خطيئة بالطبع، غير أنّ ديمقراطية عريقة مثل هذه لا تليق بها البتة تلك الإنتهاكات الفظيعة ذاتها التي التي اعتادت علي ارتكابها الدكتاتوريات الكلاسيكية ، شرقاً وغرباً، وماضياً وحاضراً. والتقرير السنوي لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لا يوفّر الولايات المتحدة عاماً بعد عام، بل ويفرد لها خلاصات مفزعة، مثل هذه: المواطن الأمريكي ليس متساوياً أبداً أمام القضاء، والأحكام الصادرة بحقّ الأمريكيين السود والآسيويين أقسي بثلاثة، وأحياناً بأربعة أضعاف من الأحكام الصادرة بحق البيض في قضايا مماثلة . أو هذه: من الواضح أنّ اعتبارات مثل الأصل العرقي أو الإثني والوضع الإقتصادي ـ الإجتماعي، هي عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت عقوبة الإعدام ستُفرض أو ستُستبدل بعقوبة أخفّ، وما إذا كانت ستنفّذ أم تُلغي بقرار أعلي صادر عن حاكم الولاية المعنية .كذلك يستخلص تقرير المفوضية أنّ تنفيذ أحكام الإعدام في الأحداث والمعاقين عقلياً يعدّ انتهاكاً صريحاً للميثاق الدولي حول الحقوق السياسية والمدنية. وقبل سنوات معدودات، وفي ردّ فعل علي المجزرة التي ارتكبها تلميذان في جونسبورو بولاية أركانسو، طالب عضو مجلس الشيوخ جيم بيتس بسنّ تشريع يخوّل المحاكم فرض عقوبة الإعدام علي الأحداث من سنّ 11 عاماً، كما يخوّلها الحقّ في تقديم الحدث إبن العشر سنوات إلي المحكمة، بوصفه… رجلاً بالغاً! وحدث أكثر من مرّة أنّ السلطات الأمريكية نفّذت حكم الإعدام برعايا دول أخري دون التقيّد بالحدّ الأدني الذي تفرضه القوانين الدولية في حالات كهذه (أي السماح للمحكوم بالإتصال بسفارة بلاده، والسماح لبلاده بإيفاد محامين للدفاع عنه، والسماح له بالاستئناف في هيئة قضائية دولية، علي سبيل الأمثلة)، وعدم الإكتراث بقرارات صادرة عن محكمة العدل الدولية (الممثل الأرفع للقانون الدولي) تطالب صراحة باللجوء إلي اجراءات الحدّ الأدني تلك.والمرء يتذكر حقيقة الغياب التام لكلمة مساواة في الدستور الأمريكي، الذي لا ينصّ صراحة علي توفير ضمانات تكفل حقّ المواطن في الغذاء واللباس والمسكن والصحة والعمل والراحة والأجر المعقول إنسانياً، فضلاً عن الضمان الإجتماعي في العمل والحياة، وحماية الأسرة والأطفال. أليست هذه في صلب حقوق الإنسان؟ أليس ضمان الحقّ المتساوي في الطعام واللباس والمسكن هو جوهر الشرائع والحقوق؟ أيّ حقوق إنسان هذه حين يكون في مدينة نيويورك 36 ألف مواطن مليونير، و38 ألف مواطن يقتاتون علي النبش في صناديق القمامة؟ وفي قلب المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، ألا تنقلب بعض عمليات إنتخابات الكونغرس إلي صفقات مبيع الذمم وشرائها؟ ألم تكن فضائح انتخابات فلوريدا، التي أسفرت عن ولاية بوش الأولي، أقرب الأمثلة؟ ألم يحدث مراراً أنّ انتخاب أعلي المؤسسات الدستورية تحوّل إلي لعبة يمارسها كبار المليارديرات ومالكي الشركات العملاقة؟وماذا عن انتهاك أمريكا لحقوق الإنسان ما وراء المحيط، ضدّ الأمم الأخري في عالم البشرية الشاسع الواسع؟ هل ننسي أنّ الولايات المتحدة شنّت أكثر من 75 عملية غزو خارجي للشعوب، سقط خلالها ضحايا بالملايين؟ وفي كوريا الجنوبية، حيث ترابط القوات الأمريكية للدفاع عن الحرية و حقوق الإنسان ، ألا تشير الإحصاءات إلي أكثر من 50 ألف حالة اغتصاب مارسها الجنود الأمريكيون ضدّ فتيات ونساء ذلك البلد، لكي لا نتحدّث عن اليابان؟ ألم تكن أمريكا هي التي استخدمت أوّل قنبلة ذرية في تاريخ الإنسانية، وهي التي تمتلك وتواصل تخزين أضخم ترسانية نووية (أكثر من 52 ألف قنبلة)، وأنفقت أكثر من 274 مليار دولار علي تطوير أسلحة الدمار الجماعي، وتحتكر تصدير السلاح إلي 146 بلداً، وتهيمن علي ثلاثة أرباع سوق السلاح الدولي وأسواق اندلاع الحروب الأهلية والإثنية؟ثمة، إذاً، مسوّغات كثيرة لترجيح وجود ثقافة أمريكية متكاملة تقف في خلفية هذه الممارسات الخارجة علي القانون. وهي ثقافة يمينية متأصلة، وتواصل التأصّل أكثر فأكثر في الوجدان الأمريكي اليومي، كما أنها ثقافة سياسية ودستورية لأنّ دعاتها يشغلون مواقع عليا في الجهاز التشريعي، في الكونغرس كما في المحكمة الدستورية العليا، وفي المحاكم كما في مكاتب التحقيق الفيديرالي. ولماذا يذهب المرء بعيداً؟ ألم يعلن بوش، بالأمس فقط، أنه يتمسك بحقّه العسكري في التنصت الهاتفي علي الأمريكيين من دون أذن قضائي، باعتباره قائداً أعلي في زمن الحرب؟ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية