في غزة يصارع أهلها البشر والحجر وتقلبات الطقس، فرغم توقف أصوات المدافع تقريبا وغياب الغارات الجوية والزنانات، التي ترسلها إسرائيل الآن بشكل متقطع لتذكر أهل غزة بأنه لا وقف إطلاق دائم للنار وأنها تفعل ما تريد. ثم جاء إعصار بايرون ليغرق القليل الذي يملكه الفلسطينيون في غزة، لا دار ولا سقف يقي الناس من الطوفان، فعلى مدى عامين أو يزيد أعملت آلة الإبادة يدها في كل شيء. ومن هنا زاد بايرون من عنت الحياة وقهرها على الغزيين ودمر خيامهم التي رفض الجيش الإسرائيلي دخول خيام بأعمدة أقوى لأن الخشب يعتبر من الاستخدامات المزدوجة المدنية والعسكرية، وهناك آلاف الخيام في شاحنات تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين محملة بالملاجئ المناسبة تنتظر عند معبر كرم أبو سالم لكن الجيش يرفض دخولها، وكما أظهر تقرير لصحيفة «الغارديان» (8/12/2025) فإن مركز التنسيق المدني العسكري الأمريكي الذي من المفترض أن يراقب تدفق المساعدات الإنسانية والأمن وكل ما يتعلق بوقف إطلاق النار، يتعرض العاملون به إلى رقابة إسرائيلية، ما حدا بمسؤول المركز الأمريكي الطلب من المسؤولين الإسرائيليين وقف هذه الممارسة فورا. وذكرت الصحيفة أن عددا من الخبراء اللوجيستيين في الكوارث جاءوا مع الفريق الأمريكي للمساهمة في عمل المركز غادروا عندما تبين أن الأمر مختلف. فإسرائيل عازمة على التحكم بكل شيء يصل إلى الغزيين حتى أقلام الرصاص للمدارس. واللافت بالأمر هو غياب الفلسطينيين عن المشهد، وحتى في المرات التي حاول فيها المسؤولون الأمريكيون إشراك الطرف الفلسطينيين في رام الله في اجتماعات عبر الفيديو كان الإسرائيليون يقطعون الإتصالات. ومع ذلك يكتفي الأمريكيون بوصف العلاقة القائمة بمركز التنسيق بأنها مثل اليد (إسرائيل) والقفاز (أمريكا) وفي النهاية يمضي ما تريده حكومة بنيامين نتنياهو.
وبالمحصلة يقف الفلسطينيون وحدهم أمام عدوعازم على تشريدهم وحرمانهم من الحياة الكريمة. فغزة بعد الحرب هي أنقاض ويعيش فيها الناجون من حرب الإبادة فوق 68 مليون طن حسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يشرف على إزالة الأنقاض في غزة. وهو ما يعادل وزن حوالي 186 مبنى إمباير ستيت. كما أن توزيع هذه الكمية من الأنقاض بالتساوي على منطقة مانهاتن في مدينة نيويورك، سيترك حوالي 215 رطلا من الأنقاض لكل قدم مربع. واختلطت الأنقاض بالذخائر غير المنفجرة، مثل القنابل والصواريخ والقذائف الصاروخية وقذائف المدفعية. وهناك أيضا بقايا الجثث حيث يعتقد أن هناك حوالي 10.000 شخص ماتوا تحت الأنقاض، وفقا للسلطات الصحية الفلسطينية. وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» (8/12/2025) إن العمل بإزالة الأنقاض لن يبدأ بجدية إلا إذا سمحت السلطات الإسرائيلية بدخول الآلات والمعدات الثقيلة اللازمة لنقل الأنقاض وتدمير الذخائر غير المنفجرة إلى غزة. وحتى عندما يبدأ فسينتظر الغزيون ما بين 5 ـ 7 سنوات لإزالة الأنقاض وربما أكثر. كما ويعتمد طول المدة على التمويل واستعداد إسرائيل للسماح بدخول المعدات اللازمة إلى غزة والإرادة السياسية من كلا الجانبين للحفاظ على وقف إطلاق النار. وفي غزة، يوجد حاليا تسع حفارات عاملة، و67 رافعة شوكية مزودة بدلاء و75 شاحنة قلابة، وكسارة واحدة عاملة وهي آلة أساسية لتحويل الأنقاض إلى مواد بناء قابلة لإعادة الاستخدام، وفقا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هذا ما تبقى من المعدات في غزة قبل الحرب، والتي دمر بعضها أثناء القتال. وهناك حاجة لدخول المزيد من الآلات إلى غزة لمنح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الفرصة لتحقيق أهدافه. وطلبت الأمم المتحدة إذنا من إسرائيل لإدخال 120 شاحنة قلابة، و80 رافعة شوكية، و20 حفارة، والمزيد من الكسارات لتوسيع نطاق العمل.
وتتحكم إسرائيل في عمليات التفتيش الأمني عند المعابر وتقرر ما يسمح بدخوله إلى غزة. وتعتبر الآلات الثقيلة معدات مزدوجة الاستخدام، ما يعني أنه يمكن استخدامها لأغراض عسكرية. ومن هنا عندما ضرب إعصار بايرون لم يكن لدى الفلسطينيون أي خيار سوى مقارعة الإعصار وحدهم، فأعاصير كهذه لا ينفع فيها الإنحناء حتى تمر، فهي قوية وتقتلع كل ما يقف في وجهها، ولهذا كانت صور البؤس والموت والمياه التي غمرت الناس والخيام الممزقة وما تبقى لدى الغزيين من متاع حملوه معهم في كل رحيل قاموا به خلال العامين الماضيين إلى «المحاور الآمنة» التي كان الجيش الإسرائيلي يقصفها. والغريب في الأمر أن إسرائيل والعالم معها يتركون غزة لقدرها، فقد تحركت كاميرات العالم بعيدا عن غزة بعد توقف طقوس الإبادة اليومية. وبدلا من السماح بإدخال مواد واقية للغزيين، اهتم المسؤولون الإسرائيليون بإصدار التحذيرات للإسرائيليين.
وكما أورد موقع «ميدل إيست آي» (11/12/2023) فعندما ظهر إعصار بايرون لأول مرة على خرائط الطقس، انهالت على الإسرائيليين تعليمات السلامة: أغلقوا النوافذ بإحكام، وأوقفوا السيارات بعيدا عن الأشجار، واحتفظوا بأرقام الطوارئ في متناول اليد. ولأكثر من أسبوع، انصب اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية على التنبؤ بكمية الأمطار التي قد تشهدها تل أبيب، وما إذا كانت البنية التحتية في إسرائيل قادرة على استيعابها. كما وأرسلت البلديات رسائل نصية خاصة تنصح السكان بكيفية الحفاظ على سلامتهم وأغلقت المحلات التجارية أبوابها، وتهافت الناس على المتاجر الكبرى. وهكذا يستعد أي مجتمع فاعل لمواجهة سوء الأحوال الجوية.
فالعاصفة هي تحد، لكن يمكن التصدي لها ممن يملكون منازل وأنظمة صرف صحي وخدمات حكومية فعالة. أما تحت السماء نفسها، في قطاع غزة المحاصر، فقد كانت التوقعات بمثابة حكم بالإعدام. فالعاصفة التي ضربت القطاع يوم الأربعاء وانهالت بالمطر الغزير عليه يوم الخميس أدت لمقتل 14 شخصا وطفلا رضيعا عمره 8 أشهر. فالخيمة المتداعية لا تكافح عاصفة، تماما كما العين لا تكافح المخرز.
وبعد شهرين مما يسمى وقف إطلاق النار يواجه السكان الضعاف المعرضون للخطر الدائم عناصر الطبيعة القوية، حيث تم إغراق الكثير من المناطق نظرا لتدمير حرب الإبادة البنى التحتية وخاصة الصرف الصحي. وفي الوقت الذي تمنع فيه إسرائيل دخول أكثر من 65.000 شاحنة تنتظر عند المعبر لغزة لا يزال أطفال غزة يمشون حفاة الأقدام ويرتدون ملابس الصيف في البرد القارس. ولأن العاصفة لا تهتم بوقف إطلاق النار أو المفاوضات والتعهدات بإيصال المساعدات الإنسانية، وكل ما تكشفه عن عدم المساواة بين من يستحق الحصول على المساعدة ويحرم منها. والعالم لا يهتم بغزة، ولهذا السبب من النادر أن تجد خبرا عن فلسطين في الإعلام الغربي الذي تواطأ بالإبادة، ويبدو أن العالم اكتشف متأخرا أن هناك إبادة أخرى تحدث في دارفور وهو يحاول تبرئة ذمته بالحديث عنها. وبالنسبة للكثير من الغزيين فإعصار بايرون ليس مجرد معاناة اخرى، كما نقل «ميدل إيست آي» عن عمرو أكرم، 19 عاما، بل هي تذكير بأن العالم نسي غزة وفلسطين.
شماتة وسقوط أخلاقي
ووسط العذاب والمعاناة في غزة، وجد المعلقون الإسرائيليون الذين يتحدثون عادة لمجتمع يتقبل الشماتة وكل ما يحصل للفلسطينيين من ألم ومعاناة، في إعصار بايرون فرصة للسخرية والضحك. ففي برنامج على القناة 14 قال أحد المشاركين إنه لا يمانع تدمير الخيام في غزة أو تهجير الفلسطينيين مجددا. ووصف العاصفة بأنها «عملية تنظيف» وليست كارثة إنسانية. وقال: «لا أعتقد أن خيمة واحدة ستظل واقفة حتى صباح الجمعة»، ثم أضاف: «ولا أمانع أيضا عدم وجود الناس هناك». وكما في أثناء حرب الإبادة التي راقبها الإسرائيليون واحتفلوا بتدمير البيوت والغارات، واصل الإسرائيليون شرب قهوة الصباح بدون أي قلق على ما يحدث للغزيين، فهؤلاء غير موجودين. وهو ما يعكس الانهيار الأخلاقي لمجتمع بأكمله رقص للإبادة واحتفل بسادية بمعاناة الآخرين، رغم أن فكرة إسرائيل جاءت من كارثة الهولوكوست.
ولم يتم التحرك من أجل تنفيذ المرحلة الثانية، وهو ما تريده حكومة نتنياهو، كما أن تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة، إيال زامير بأن الخط الأصفر الذي وضعته الخطة الأمريكية المكونة من 20 نقطة كخط مؤقت، يتحول إلى خط دائم، وبات الإسرائيليون ومعهم الأمريكيون يتحدثون عن منطقة حمراء تسيطر عليها حماس وأخرى خضراء تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، ولن يتم الإعمار إلا في المنطقة الخضراء على أمل جلب غالبية السكان في غرب غزة إليها، وهو ما يشكك به المراقبون.
ومن هنا فتصريحات زامير خلال زيارة قام بها للقاء جنود الاحتياط الإسرائيليين في شمال غزة كانت واضحة في تحديد هدف إسرائيل: «الخط الأصفر هو خط حدودي جديد، بمثابة خط دفاعي متقدم لمجتمعاتنا وخط للعمليات العسكرية». وتقول صحيفة «الغارديان» (8/12/2025) إن التزام زامير بإبقاء القوات في غزة يتعارض مع اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الأول/أكتوبر، والذي ينص على أن «إسرائيل لن تحتل غزة أو تضمها».».
وتلزم خطة الرئيس دونالد ترامب الجيش الإسرائيلي بتسليم الأراضي الفلسطينية تدريجيا إلى قوة أمنية دولية حتى ينسحب بالكامل من غزة، باستثناء منطقة أمنية صغيرة على الحدود. وأعربت بعض الدول عن رغبتها في الانضمام إلى قوة حفظ سلام، لكن لا أحد منها يرغب في المخاطرة بإصدار أوامر لجنوده بقتال حماس، رغم ضغوط إدارة ترامب. ونص قرار للأمم المتحدة الشهر الماضي على إنشاء قوة أمنية دولية، لكن لم ترسل أي دولة قواتٍ لدعمها. وقد أعربت بعض الدول عن رغبتها في الانضمام إلى قوة حفظ سلام، لكن لا أحد منها يريد المخاطرة بإصدار أوامر لجنوده بالقتال ضد حماس، رغم ضغوط إدارة ترامب.
وقد أقام الجيش الإسرائيلي مواقع خرسانية جديدة على طول «الخط الأصفر» لتعزيز مواقعه، وأعلن أنه خط فاصل خطير، رغم أنه ليس واضح المعالم دائما، ورغم سريان وقف إطلاق النار. وقد قتل الجنود مرارا فلسطينيين اتهموهم بعبوره، بمن فيهم أطفال صغار. كما استخدمت الأعمدة الخرسانية الموضوعة لتحديد بعض أجزاء الخط لتوسيع الاحتلال العسكري الإسرائيلي لغزة. وتظهر صور الأقمار الإصطناعية أن بعض العلامات وضعت على بعد مئات الأمتار خارج الحدود المتفق عليها في خرائط وقف إطلاق النار. من جهة يخطط الجيش الأمريكي أيضا لتقسيم غزة على المدى الطويل على طول «الخط الأصفر»، وقد وصف مسؤول أمريكي إعادة التوحيد بأنها «طموح». وتتصور الوثائق التي اطلعت عليها صحيفة «الغارديان» تقسيم المنطقة إلى «منطقة خضراء» تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية والدولية، حيث ستبدأ عملية إعادة الإعمار، و«منطقة حمراء» تترك إلى أجل غير مسمى في حالة خراب.
ولم تتقدم الولايات المتحدة على طريق تنفيذ خطة ما بعد إطلاق النار، وكل ما رشح أن إدارة ترامب ربما تخلت عن تعيين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير كمندوب سام على غزة ويدير ما أطلق عليه ترامب «مجلس السلام»، لكن مقربين من المسؤول البريطاني السابق لم يستبعدوا لعب بلير دورا في مجلس السلام. وأوردت صحيفة «فايننشال تايمز»(8/12/2025) أن استبعاد بلير من المجلس جاء بضغط عربي وإسلامي بسبب سمعته السيئة ومشاركته جورج دبليو بوش في غزو العراق عام 2003 وفشله في تحقيق إنجازات أثناء توليه ما كانت تعرف بالرباعية الدولية لفلسطين. ورجحت مصادر أن يتولى الدبلوماسي البلغاري نيقولاي ملادينوف قائمة إدارة مجلس السلام، وشغل سابقا منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إن ملادينوف اكتسب مكانة استثنائية خلال سنوات عمله كمبعوث أممي، إذ كان أحد أبرز الوسطاء بين غزة والاحتلال الإسرائيلي، وشارك في جهود إعادة إعمار القطاع بعد الحروب السابقة. ففي أعقاب أحداث السياج عام 2018 وهجمات الطائرات الورقية والبالونات، لعب دورا محورياً في منع انفجار عسكري واسع، بمساعدة مصرية، وتمكن في مناسبتين على الأقل من التوصل إلى تفاهمات لوقف إطلاق النار. ورجحت الصحيفة أن قطر وتركيا كانتا من أبرز الأطراف التي ضغطت لإبعاد بلير، لاعتقادها أنه متماه مع السياسات الإسرائيلية والأمريكية.
وأعلن الرئيس الأمريكي ترامب أن «مجلس السلام» الذي قال إنه سيترأسه سيعلن عنه في بداية عام 2026، وهو المجلس الذي سيتولى أمور غزة ويعين هيئة فلسطينية مكونة من التكنوقراط الفلسطينيين للإشراف على الأمور اليومية. ونشر موقع «أكسيوس» (11/12/2025) أن ترامب يفكر بتعيين جنرال أمريكي لقيادة القوة الدولية. ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين الخميس أن إدارة الرئيس ترامب «في المراحل الأخيرة من تشكيل هيكل الحكم الجديد لغزة»، وأنه من المرجح أن يعين ترامب جنرالا أمريكيا لقيادة «قوة الاستقرار الدولية» بالقطاع. وقال مسؤول إسرائيلي لأكسيوس إن والتز أكد أن وجود جنرال أمريكي على رأس «قوة الاستقرار» في قطاع غزة يجب أن يمنح إسرائيل الثقة. كما نقل الموقع عن مصادر قولهم إن ألمانيا وإيطاليا من بين الدول التي دعيت للانضمام إلى «مجلس السلام» في غزة. وكشفت صحيفة «ديلي تلغراف» (11/12/2025) أن الجنرال قيد الدراسة هو جاسبر جيفرز، وهو من قدامى المحاربين في العراق وأفغانستان، والمرشح الأوفر حظا لدى الإدارة الأمريكية لتولي قيادة قوة حفظ السلام متعددة الجنسيات.
وأفاد مصدران للصحيفة بأنه خلال الأسابيع الأخيرة، كان له دور محوري في تدريب وتطوير نماذج لسد الفجوة بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين في مقر قيادة القوات الخاصة الأمريكية في تامبا، فلوريدا. كما وتولي جيفرز، على مدار العام الماضي، مسؤولية الإشراف على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وقال مسؤول غربي إن الإدارة الأمريكية تنظر بشكل متزايد إلى قوات الأمن الإسرائيلية كقوة أمنية للمناطق الإنسانية المقترحة على الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من خط وقف إطلاق النار، والمعروفة بالمنطقة الخضراء، على أمل إبعاد سكان غزة عن المنطقة التي تسيطر عليها حماس حيث يعيش معظمهم حاليا. ويعتقد أن هذه الفكرة من بنات أفكار جاريد كوشنر، صهر الرئيس، ونائبه المقرب أرييه لايتستون، وكلاهما كان لهما دور محوري في إبرام اتفاقيات إبراهيم خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب.