تحظى قصيدة عيون إلزا بشهرة واسعة، وتعد من القصائد المهمة في تاريخ الشعر الفرنسي بمعانيها العاطفية والسياسية. ألف الشاعر الفرنسي لويس أراغون هذه القصيدة عام 1942، عندما كانت فرنسا ترزح تحت الاحتلال النازي الألماني، وكان غارقاً في الحزن والأسى على وطنه وما يتعرض له على يد الأعداء. ولد لويس أراغون عام 1897 وتوفي عام 1982، وهو من أشهر شعراء فرنسا ومن أعلام الحركة السريالية إلى جانب آندريه بريتون وآخرين.
لم يكن أراغون شاعراً فحسب، بل كان روائياً وصحافياً، وكذلك كان منخرطاً في السياسة والعمل السياسي، وكان عضواً في الحزب الشيوعي. عاش أراغون خمسة وثمانين عاماً، وكانت حياته ثرية على المستوى الأدبي والصحافي والسياسي، وكذلك كانت متوهجة على المستوى العاطفي. ترك أراغون مجموعة من الروايات والقصص القصيرة، بالإضافة إلى العديد من الدواوين الشعرية وأكثرها شهرة ما كتبه في إلزا.
كانت إلزا موضوعاً فنياً في العديد من قصائد لويس أراغون، وإلزا التي نقرأ عنها في أشعاره هي إلزا تريوليه، واسمها الحقيقي إيلا يوريفينا كاغان، امرأة روسية تنحدر من عائلة يهودية، ولدت عام 1896 وتوفيت عام 1970. كانت إلزا تريوليه كاتبة ومترجمة تجيد الفرنسية والألمانية، وكانت على علاقة بأكثر من كاتب روسي، وكان فلاديمير ماياكوفسكي من عشاقها، تزوجت ضابطاً في الجيش الفرنسي يدعى تريوليه وظلت تحمل اسمه حتى بعد زواجها من أراغون. لإلزا تريوليه إنتاج أدبي قليل وبعض الروايات، وكانت أول امرأة تحصل على جائزة غونكور الأدبية الفرنسية. التقى أراغون إلزا عام 1928 وتزوجها عام 1939 وعاش معها ما يزيد على الأربعين عاماً ولم يفارقها حتى وفاتها، صارت إلزا فرنسية، وانضمت إلى المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وكانت رفيقته في الحزب الشيوعي أيضاً، ويقال إنها هي من قامت بتوجيهه نحو هذا اللون السياسي ودفعته نحو الانضمام إلى الحزب الشيوعي. اقترن لويس أراغون بإلزا تريوليه في الحياة وعلى صفحات الكتب وبين ثنايا أدبه وخلد حبهما في أشعاره، عاش أراغون وحيداً لعدة سنوات بعد رحيل إلزا، ثم دفن إلى جوارها بعد وفاته، وإلى اليوم لا يذكر أراغون دون إلزا.
إلزا والمجنون
من خلال أشعاره خلق أراغون هالة أسطورية حول قصة الحب التي جمعته بإلزا وحول إلزا نفسها كحبيبة، وصور نفسه كما لو كان المجنون وإلزا ليلاه، فكتب «عيون إلزا» و»مجنون إلزا» والكثير من القصائد والدواوين الأخرى، وربما يكون هذا ما جعل أشعاره مألوفة لدى القارئ العربي. جعل أراغون من نفسه المجنون وجعل من إلزا ليلى في زمان آخر ومكان مختلف وثقافة مغايرة، وكان في هذا متأثراً بالثقافة العربية خصوصاً في مجنون إلزا، ولا تبتعد قصيدة «عيون إلزا» عن التأثيرات الثقافية العربية أيضاً، حيث ذلك النوع من الغزل في المحبوبة، وذكرها في الأشعار وتخليدها كموضوع فني خيالي يتجاوز الحب الواقعي، لكن الحب هنا يختلف عن حب المجنون لليلى، فإلزا بالنسبة إلى أراغون كانت الحبيبة والزوجة، ورفيقة العمر والمشوار الأدبي والسياسي التي لم تفارق زوجها على مدى سنوات طويلة، لم تكن إلزا تريوليه حلماً مستحيلاً، أو طيفاً بعيد المنال أمام لويس أراغون، ولا مجال هنا لآلام الحب ولوعات الغرام، حتى الغزل يخلو من محاولات التقرب إلى المعشوقة وكسب رضاها والفوز بها. بين حزنه على فرنسا وحبه لإلزا كتب لويس أراغون قصيدته متمسكاً بالأمل في عيني محبوبته، وجعل من الحبيبة رمزاً للوطن والحقيقة والملاذ الآمن، وصار اسم إلزا من المعشوقات الخالدات في عالم الشعر.
الشعر الفرنسي والغناء
وجد الشعر الفرنسي طريقاً سهلاً إلى عالم الموسيقى والغناء، فنستطيع أن نستمع إلى الكثير من القصائد لشعراء فرنسا الكبار مثل رامبو وفيرلين وبودلير وأراغون وغيرهم، مغناة بأصوات العديد من المطربين وملحنة بألحان جميلة. اعتنى الفنان الفرنسي بأشعار بلاده، وذهب إلى الدواوين القديمة والحديثة، ينتقي منها ما يغنيه ويلحنه، ويقدمه إلى الجمهور في صورة أقرب وأسهل على مستوى التلقي، فلا تعود القصائد ساكنة بين الأوراق تنتظر قارئاً يطالعها، وإنما تنطلق لتتردد على الأسماع وتنتشر وسط الناس. ربما ساهمت طبيعة اللغة الفرنسية في سهولة هذا الأمر، وكذلك طبيعة الغناء الفرنسي الذي يجيد الإلقاء الملحن، بالإضافة إلى موسيقية القصائد نفسها، وبشكل عام لطالما كانت العلاقة وثيقة بين الشعر والغناء، كما لو أن الشعر يحن دائماً إلى الغناء، وأن الغناء يبحث عن الشعر في كل مكان.
قصيدة «عيون إلزا» لحنها وغناها المطرب الفرنسي جون فيرا الذي يكاد يكون متخصصاً في غناء أشعار أراغون، في البداية قام فيرا بتلحين قصيدة «عيون إلزا» عام 1956 ليغنيها المطرب الفرنسي أندريه كلافو. تجمع نسخة كلافو بين الغناء والإلقاء الشعري، فيغني كلافو بعض المقاطع ويقوم بإلقاء بعض المقاطع الأخرى. بعد ذلك غنى جون فيرا القصيدة بصوته في نسخة هي الأشهر، تمتد الأغنية إلى ما يقرب من أربع دقائق، لم يلحن جون فيرا القصيدة كاملة واختار مجموعة من المقاطع لتشكل أساس الأغنية، ومنحها لحناً جميلاً ذا إيقاع متوسط السرعة، تتناغم ميلوديته مع الموسيقى الداخلية للقصيدة وما لها من وقع غنائي، وتعد النسخة التي غناها جون فيرا بصوته أقصر من نسخة أندريه كلافو القديمة، حيث غنى جون فيرا المقطع الأول والثالث والخامس والسابع والعاشر من القصيدة، بينما غنى أندريه كلافو المقطع الأول والثالث والرابع والخامس والسابع والعاشر من القصيدة. تتكون القصيدة من عشرة مقاطع ويتكون كل مقطع من أربعة أبيات وتنتهي بترديد «عيون إلزا» ثلاث مرات، وهي كما يقال موضوعة في بحر الشعر الإسكندري. تتحدث القصيدة عن عيني إلزا العميقتين اللتين يرى فيهما الشاعر كل الشموس ويصورهما كقوة هائلة ساحرة، أكثر صفاء من السماء الزرقاء فوق حقول القمح، ومن شدة صفائهما تغار السماء منهما. تمتلئ القصيدة بالتعبيرات والرموز ويختلط فيها حب إلزا بحب الوطن في وقت عصيب كان يمر على فرنسا آنذاك.
كاتبة مصرية