في 1949 كتب الفيلسوف الألماني أدورنو (1903-1969) أن «العالم يتحول إلى سجن مفتوح» في عصر الرأسمالية، التي تبسط سيطرتها على كل مفاصل المجتمع وتدير حياة الأفراد. ولطالما استعيدت هذه المقولة الشهيرة مذّاك في سياقات ومناسبات كثيرة. وبالذات في السنين الأخيرة، بعد أن انتشرت واتّسعت، وعلى نطاق كوني، وبكثافة، وسائل وآليات ونظم المراقبة والمتابعة والتجسّس، وجمع المعلومات والبيانات عن كل ما له علاقة بالفرد. هذا الفرد المستهلِك، والمستهلَك، الذي أصبح هو وكل ما حوله، مادة وحيزاً لاستخلاص وجني المعلومات للربح والتسليع والاستهلاك.
تمتد أذرع استخلاص المعلومات والرقابة هذه من حركة الجسد على الأرض، إلى أدق التفاصيل المتعلقة بأنساق الاستهلاك والمعيشة والحيز الاجتماعي والصحة، وحتى الرغبات والميول والنزعات. وقد مكّن التطور التكنولوجي الهائل، الشركات الكبرى من الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاستِئثار بأرباحها الاقتصادية. ومع أن خطاب العقيدة الرأسمالية يصوّر كل تقدّم وتطوّر واكتشاف في هذه المجالات وغيرها، ويحتفي به، على اعتبار أن فوائده ستعود على المستهلِك وتزيد، في نهاية المطاف، من مساحة حريته الفردية وطيف خياراته، إلا أن المفارقة هي، أن ما يحدث هو العكس تماماً. فالإنسان، يفقد، يوماً بعد يوم الحق في، والقدرة على، الحفاظ على خصوصيته وخصوصية معلوماته وتفاصيل حياته. وتتحكم في «حرية» خياراته في أغلب الأحيان خوارزميات مصمّمة لمراكمة الأرباح، وإبقاء الفرد مدمناً وغارقاً في دوامات الاستهلاك.
الإنسان، يفقد، يوماً بعد يوم الحق في، والقدرة على، الحفاظ على خصوصيته وتتحكم في «حرية» خياراته خوارزميات مصمّمة لمراكمة الأرباح، وإبقاء الفرد مدمناً وغارقاً في دوامات الاستهلاك
في 2014 صاغت الأكاديمية الأمريكية شوشانا زوبوف مصطلح «رأسمالية المراقبة» وحذرت في كتابها «عصر رأسمالية المراقبة» الصادر عام 2019 من مخاطرها على استقلالية الأفراد وعلى الديمقراطية. لا تتردد الشركات الكبرى في إتاحة خزينها من المعلومات الخاصة بالمواطنين للأنظمة ولأجهزة القمع (والقتل)، حين يقتضي ذلك «الأمن» و«المصلحة الوطنية»، وتتواطأ معها (أي الأنظمة). وتتيح وتسخّر إمكانياتها للقطاع العسكري وللجيوش في الحروب، ولم يعد، ولم يكن أصلاً، سرّاً، تورط واشتراك كبرى الشركات العالمية في حرب الإبادة في غزّة (التي وصفت قبل عقود بأنها أكبر سجن في العالم)، وتعاونها مع دولة الاحتلال. وليس هذا التحالف والتخادم، جديداً، فغالباً ما تستعاد مقولة آيزنهاور عن «المجمع العسكري الصناعي» في خطابه الأخير في 1961. مع أن التعاون بين الجيش الأمريكي والشركات يعود إلى الحرب العالمية الثانية. فقد شهدت الفترة الأخيرة تعاوناً وثيقاً بين شركات التكنولوجيا الأمريكية في «وادي السيليكون» والجيش الأمريكي، بعد أن كان عدد منها قد تردد أو رفض الاشتراك المباشر في دعم الحروب. فقد استحدث الجيش الأمريكي هذا العام وحدة خاصة، 201، للتحديث التكنولوجي. وفي احتفال رسمي في يونيو ارتدى أربعة من كبار مسؤولي شركات «ميتا»، «بالانتير» و«أوبن أي آي»، البزات العسكرية، وأدوا قسم الولاء للدفاع عن الولايات المتحدة وقلدوا رتب «كولونيل».
إزاء كل هذا، وهو غيض من فيض، يشعر المرء بأنّه يعيش، مجازياً، في سجن، وإن كانت قضبانه لامرئية، وباحاته توهم بالحرية. وسجّانوه ليسوا بشراً، بل آلات متطوّرة، وخوارزميات هي غِمامات تخفي ما تخفيه، وتحدد سلفاً ما يرى ويتاح من الطريق ومتاعه. الجسد هو زنزانة وهناك عيون إلكترونية تراقب وتسجل كل شيء. ويدرّ هذا السجن المجازي، أرباحاً طائلة على تحالف كوني، عابر للقارات، من شبكات المصالح ورؤوس الأموال والمستثمرين والمؤمنين بلاهوت السوق في عصر الرأسمالية المتوحّشة. يبدو المشهد في غاية القتامة، فهل يمكن مقاومة سلطة هذا النظام العالمي؟ واحدة من الأعمال الأدبية الرائعة التي صوّرت محنة الفرد أمام شبكة السلطة الأخطبوطية ببراعة وعمق وسخرية هي رواية «اللجنة» للكاتب صنع الله إبراهيم (1937-2025)، الذي رحل في الثالث عشر من آغسطس الجاري. نشرت الرواية في (1981) ومع أنها كتبت في مناخ عصر الانفتاح وقرئت في سياقه، إلا أنها، مثل أي نص أدبي فذ، تجاوزت عصرها وسياقها الأوّلي، لتُقرأ من جديد دون أن تفقد بريقها، بل إنها تحتفظ بفرادتها في استشرافها ونقدها اللاذع المبكّر لتبعات ثقافة الاستهلاك والرأسمالية المعولمة المدمرة على الأفراد والشعوب. «حين يتحوّل العمال إلى آلات والمستهلكون إلى أرقام والأوطان إلى أسواق».
يمكن أن تُقرأ «اللجنة» التي يمثل أمامها الراوي، ويقول إنه يشعر بأنه تحت رحمتها تماماً، في البداية، كاستعارة للسلطة بشبكاتها وتمظهراتها وتشعباتها وللتحالف الكوني آنف الذكر. واللافت أنه «على الرغم من خطورتها وسعة نفوذها، فإنها من الناحية الرسمية لا وجود لها»، أعضاؤها مزيج من العسكريين والمدنيين وعلاقاتهم وثيقة برموز العصر من رؤساء وحكام ولغتها الرسمية الإنكليزية. يثير الراوي ريبة اللجنة حين تكتشف، بعد تكليفه، قدرته على التعمّق في التحليل النقدي، وتتبع الظواهر وتفكيك شبكات العلاقات والمصالح، فتزيد من رقابتها مرسلة عضواً ليراقب الراوي الذي يمارس حقه في الدفاع عن النفس ويقتل العضو. لا يتسع المجال هنا لقراءة مطولة. لكن لا بد في نهاية الرواية أن يتمنى الراوي لو كان بإمكانه الوقوف أمام اللجنة من جديد، ليواجههم بثقة ويسمعهم كلمته، فيتخيل ذلك ويسجل كلمته. وهي كلمة يمكن أن تقال اليوم أمام «اللجنة» في كل مكان في العالم:
«لقد ارتكبت منذ البداية خطأ لا يغتفر، فقد كان من واجبي لا أن أقف أمامكم، وإنما أن أقف ضدكم. ذلك أن كل مسعى نبيل على هذه الأرض، يجب أن يتجه للقضاء عليكم. وأسارع، فاقول إني لست من السذاجة، بحيث أتصور أن هذا الهدف لو تحقق، سيكون نهاية المطاف. إذ من طبيعة الأمور أن تحل مكانكم لجنة جديدة.. ويتحتم إزالتها بعد فترة من الوقت، طالت أم قصرت. لكن يتبين من استقرائي للتاريخ والحالات المماثلة، أنه عن طريق هذه العملية بالذات، عملية التغيير والإحلال متكررة، ستفقد جماعتكم تدريجيا، ما لها من سطوة. بينما ترتفع مقدرة أمثالي على مواجهتها والتصدي لها. إلا أنني للأسف لن أكون هنا عندما يحدث ذلك بسبب المصير المقرر لي، الذي يعود في أحد جوانبه إلى طموحي الذي تجاوز إمكانياته، وسعيي المهووس وراء المعرفة. وفي جانب آخر، إلى تورطي في محاولة متهورة، لكنها كانت حتمية لتحدي لجنتكم، في وقت ومكان غير مناسبين. لكن ما يخفف من أسفي هو ثقتي بما سيحدث، مهما طال الوقت. فهو منطق التاريخ وسنة الحياة». وبعد فهذه تحية لروائي كبير، ومبدع ملهم، ومثقف شجاع لم يساوم ووقف ضد اللجنة.
كاتب عراقي