عن قرار ترامب الإمبريالي لغزة: تكريس لواقع الاحتلال وتأبيد بؤس الفلسطينيين وإبادة جماعية بدون عقاب

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لا شيء يعزي الفلسطينيين في غزة هذه الأيام، فالطبيعة ضدهم والعالم ضدهم، وتواصل إسرائيل الحرب بطرق أخرى وترتكب المجازر اليومية بمبررات جاهزة وتمنع دخول الخيام والشوادر لأن أعمدتها يمكن استخدامها لأغراض مزدوجة عسكرية ومدنية.
وكما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (20/11/2025) فاتفاقيات الهدنة في الشرق الأوسط تشبه الحروب في مناطق أخرى. فقد خرقت إسرائيل اتفاق الهدنة مع حزب الله أكثر من 1.000 مرة وتواصل قصفها اليوم وتحليق المسيرات فوق بيروت بشكل يومي وتتهم الجيش اللبناني بالفشل في نزع سلاح حزب الله. ونفس الأمر في غزة التي تسعى لتكريس واقع جديد فيها وتأكيد ديمومة الخط الأصفر ليفصل بين منطقة حمراء وأخرى خصراء، كما كشفت صحيفة «الغارديان» في الأسبوع الماضي، حيث ستقيم مجمعات سكنية في جنوب غزة لتجذب السكان في المنطقة الواقعة تحت سيطرة حماس إليها إما للسكن أو الرحيل «الطوعي» كما شهدنا في الأسبوع هذا من وصول رحلة نظمتها منظمة غامضة اسمها «المجد أوروبا» إلى جنوب أفريقيا.

نفض اليد

ورأت صحيفة «الغارديان» (20/11/2024) أن العالم يريد تطهير ضميره من تواطئه في الإبادة في غزة وهو ليس معنيا بمصير الفلسطينيين، الذين عاشوا حربا أبدية سيحل محلها بؤس أبدي. وليس أدل على هذا التجاهل أو محاولة المضي قدما وتجاوز غزة التي شغلت العالم خلال العامين الماضين من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 والذي أقر بالإجماع 13-0 وامتناع الصين وروسيا عن التصويت، خطة ترامب ومجلسه للسلام، والذي بدا مثل صك انتداب جديد على غزة أو مرسوم إمبراطوري يعطي ترامب السيطرة المباشرة على القطاع، وربما بمساعدة مندوبه توني بلير الذي أثبت جدارته قبل أكثر من عشرين عاما في غزو العراق. وقرار مجلس الأمن هو الأغرب والأكثر غموضا، وبخاصة أن القرار يملي على «مجلس السلام» في غزة الإشراف على قوة تحقيق الاستقرار الدولية التي تم تقويض الدول المستعدة أو الراغبة بالمشاركة فيها. ولا أحد يعلم من سيشارك في «مجلس السلام»، فهو فقط، كما أعلن ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، «سأرأسه أنا، وسيضم أقوى القادة وأكثرهم احتراما في جميع أنحاء العالم». وسيرفع المجلس تقاريره إلى مجلس الأمن، لكنه لن يكون تابعا للأمم المتحدة، أو خاضعا لقرارات الأمم المتحدة السابقة. وسيشرف على قوة تحقيق الاستقرار الدولية، التي لم يحدد بعد عدد أعضائها وترغب الولايات المتحدة بنشرها بحلول كانون الثاني/ يناير. وعبرت الدول التي تواصلت معها الولايات المتحدة، بما فيها مصر وإندونيسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة، عن تردد حتى الآن. ولا يوجد وضوح أكبر بشأن لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستكلف بإدارة شؤون قطاع غزة اليومية، بتوجيه من ترامب ورفاقه من القادة. وسيكون من الصعب، على أقل تقدير، العثور على أي من هؤلاء التكنوقراط، المستعدين للعمل مع ترامب، والذين قد يكون لهم أي نفوذ على 2.2 مليون فلسطيني على قيد الحياة في غزة. وينطبق الأمر نفسه على قوة الشرطة المزعومة. وقالت الصحيفة إن تمرير القرار بهذه الطريقة دليل على ضبابيته المقصودة، فضلا عن الإرهاق واليأس العالمي من الحرب في غزة والمستمرة منذ أكثر من عامين.
ولهذا لم يتوقع الفلسطينيون أي شيء من القرار ولا من ترامب أو إدارته، فالرئيس الأمريكي منشغل بمحاولات السيطرة على المعادن الثمينة في العالم وافتعال حروب وتدمير النظام العالمي الذي عمل أسلافه على بنائه بعد الحرب العالمية الثانية بدون أي نظام فاعل يحل بدلا منه كما قال سفير أمريكا السابق لدى الناتو إيفو دالدر بمقال نشرته مجلة «بوليتيكو» (19/11/2025) وصف فيه حماقة ترامب. وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي يبدي مهارة في مناورة إسرائيل وحماس للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإعادة الأسرى، لكن لم يكن هذا هو السلام الدائم الذي زعمه. فالانقسام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أعمق الآن من أي وقت مضى في التاريخ الحديث، واحتمال تجدد العنف أكبر بكثير من أي سلام دائم. كما وتعاني العديد من الصراعات الأخرى التي يدعي ترامب أنه أنهاها من أوجه قصور مماثلة. فالهند وباكستان تحتاجان لحادث واحد كي تعودان للقتال عبر الحدود. وقال الكاتب إن النظام العالمي الحالي يعاني بلا شك من عيوب وبحاجة إلى إصلاح. لكن التخلي عنه دون التفكير فيما سيحل محله هو قمة الحماقة.

في استقبال الأمير

فترامب المحب للمظاهر والمبالغات أظهر حفاوة منقطعة النظير وتملقا أدهش ضيفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هذا الأسبوع، حيث تهجم على صحافية ووصف أخرى بالخنزيرة لأنهما تجرأتا وطرحتا أسئلة غير مريحة على ضيف ترامب، وهو ما دعا صحيفة «نيويورك تايمز» (19/11/2025) لمهاجمة الرئيس وتذكيره بأن من واجب الصحافيين القيام بمهمتهم وأنه أحرج أمريكا بموقفه المتملق من ولي العهد السعودي الذي كان على ما يبدو متقبلا للسؤال واعترف بارتكاب أخطاء في قضية مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي عام 2018. ورأت مجلة «ذي أتلانتك» ان ترامب قام بسعودة أمريكا. ومهما يكن من اهتمام ترامب بصفقات الأسلحة وتصدير التكنولوجيا وتعهد الأمير باستثمار تريليون دولار، بزيادة عن 600 مليار تعهد بها في أثناء زيارة ترامب للسعودية في أيار/مايو هذا العام، فلم يكن للفلسطينيين أي نصيب من الاهتمام سوى ربط الأمير التطبيع مع إسرائيل بمسار موثوق به للدولة الفلسطينية.

هواجس ثانوية

وقالت صحيفة «واشنطن بوست» (19/11/2025) إن هواجس الفلسطينيين ومخاوفهم باتت ثانوية للولايات المتحدة الحريصة على تعميق العلاقات مع السعودية. وقالت إن وضعا جديدا بدأ يترسخ في الشرق الأوسط، حتى في غياب التطبيع السعودي- الإسرائيلي. وكشفت زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض يوم الثلاثاء عن الأولويات الجديدة. ومهما يكن، فزيارة ولي العهد السعودي، ترافقت مع إقرار مجلس الأمن الدولي خطة ترامب ومجلس السلام الذي سيصبح فيه ترامب الحاكم الاستعماري لغزة.
ولهذا كان الموضوع الأساسي الحاضر الغائب في لقاءات البيت الأبيض هو الوضع في غزة، المنطقة التي سويت بالتراب. ورغم إعلان ترامب عن دور للسعودية في مجلس السلام إلا أن قرار مجلس الأمن 2803 لم يتحدث عن حق طبيعي لتقرير المصير الفلسطيني، بل عن شروط يجب أن تستوفى قبل أن يتم بمنح هذا الحق الطبيعي لهم. ولعل الصورة كانت أكثر تعبيرا للسفير الأمريكي في الأمم المتحدة مغمض العينيين وسفير إسرائيل الفرح على نتيجة القرار، مع أن المتطرفين في إسرائيل، أثاروا ضجة دعت نتنياهو للتأكيد بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، فبعض أعضاء حكومة نتنياهو واضحين أيضا بشأن المستقبل الذي يرونه للفلسطينيين: مستقبل يقبلون فيه العيش كمواطنين من الدرجة الثانية في ظل سيادة يهودية، أو الرحيل. وحتى لو وافق ترامب على ممارسة دور الإمبراطوري الروماني على أرض مدمرة باسم مجلس السلام، فلن يغير مجلسه الذي سيجمع فيه أفضل العقول في العالم لن يغير من واقع الفلسطينيين الكئيب.

نار في الضفة

وما عليك إلا أن تنظر للضفة الغربية التي يدير فيها اليمين المتطرف حربا مثل حرب غزة، فقد أطلق المستوطنون الإسرائيليون اليمينيون المتطرفون، موجة من الإرهاب في الضفة الغربية، ما عرض المزارعين الفلسطينيين للخطر خلال موسم حصاد الزيتون السنوي. وذكرت الأمم المتحدة التي بدأت بتسجيل عنف المتطرفين منذ عام 2006 أن عدد هجمات المستوطنين يصل 8 هجمات يوميا وهو الأعلى. وفي 77 بلدة وقرية، أحرقت عصابات من المتطرفين اليهود السيارات ونهبوا المعدات الزراعية وأتلفوا أكثر من 4.000 شجرة وشتلة. ورغم إدانة السلطات الإسرائيلية أعمال العنف، لكن جماعات حقوق الإنسان والناشطين يزعمون أن القوات الإسرئيلية مكنت في بعض الحالات أو وقفت مكتوفة الأيدي أثناء هجمات الأهالي. وتقول يولي نوفاك، المديرة التنفيذية لمنظمة بتسيلم: «الضفة الغربية خاضعة لسيطرة إسرائيلية كاملة». وأشارت هي وزملاؤها إلى عملية ممنهجة يقوم بها المستوطنون ودولة إسرائيل لمصادرة الأراضي الفلسطينية، واحتكار الوصول إلى إمدادات المياه، والضغط على حياة الفلسطينيين في المنطقة. وقالت: «ما نراه في العامين الماضيين هو أن كل فلسطيني في الضفة الغربية يتعرض لعنف لا حدود له تقريبا».
وفي غزة أعلنت منظمة بتسيلم هذا العام أن إسرائيل «تتخذ إجراءات منسقة ومدروسة لتدمير المجتمع الفلسطيني في غزة»، أي ارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة. وتخشى نوفاك من عودة الوضع الراهن، حيث تستطيع إسرائيل مواصلة حملاتها «بأقل قدر من الانتقادات، لأن هناك واجهة تبدو فيها الأمور على ما يرام». وقد أشارت صحيفة «واشنطن بوست» (19/11/2025) إلى عنف المستوطنين ومدى سماح الحكومة الإسرائيلية لهم بالعمل بدون مواجهة عقاب. كما كشفت عن صدع عميق بين أكثر المستوطنين الإسرائيليين تطرفا، الذين يعتقدون أن لهم حقا إلهيا في الأرض وقطاعات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي ترى أن العنف مزعزع لاستقرار الدولة. وقالت إن نقاد الحكومة وبعض المسؤولين باتوا يدقون ناقوس الخطر، مع أن توغل المستوطنين لم يكن ليحدث بدون موافقة الحكومة وتشجيع الوزراء المتطرفين الذين يعيشون في مستوطنات الضفة الغربية. وتطاول المستوطنون على كل شيء، من المساجد إلى الاعتداء على الفلسطينيين وضربهم في مزارعهم والتهديد بحرق ممتلكاتهم، وهم يفعلون هذا بدون خوف ويتصرفون وكأنهم ملاك الأرض.

يحدقون بالمجهول

وبالمحصلة تزداد أوضاع الفلسطينيين كآبة ويأسا وهو ما تهدف إليه إسرائيل وحكومتها المتطرفة، وليس غريبا أن يتبجح نتنياهو بالقول إن الضغط على حماس هو ما أدى لتحرير أكثر من 200 أسير إسرائيلي لديها، وكان يكذب، فالضغط العسكري لم يحرر إلا عدة أسرى وبثمن باهظ على المدنيين الفلسطينيين. وفي غزة يحدق الفلسطينيون بالمجهول وسط محاولات المتواطئين على قتلهم وإبادتهم الهروب من العقاب. ولعل ألمانيا المثال الأوضح على محاولات التحرر هذه، حيث أعلنت عن استئناف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل بعدما ما علقته مؤقتا بسبب الحرب. وقد استفادت شركات الأسلحة الأوروبية والأمريكية تحديدا من الحرب على غزة كما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (12/11/2025) حيث استفادت شركات التسليح الكبرى بوينغ ونورثروب غرومان وكاتربيلر. وقد شهدت مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل ارتفاعا حادا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث وافقت واشنطن على أكثر من 32 مليار دولار من الأسلحة والذخائر وغيرها من المعدات للجيش الإسرائيلي خلال تلك الفترة، وفقا لتحليل أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال» بناء على ما كشفته وأفصحت عنه وزارة الخارجية الأمريكية. وقد أشارت «وول ستريت جورنال» (16/11/2025) في تقرير لها أن حركة حماس زادت شعبيتها بعد الحرب بسبب قدرتها على توفير الأمن ومنع انتشار الجريمة. ومع أن الكثير من الغزيين لا يريدون استمرار حكمها إلا أنهم يرون في استتاب الأمن أولوية لهم ويرحبون بما تقوم به.

إسكات المعارضة

لم يكن قرار مجلس الأمن الدولي 2803 ممكنا دون إسكات الأصوات التي انتقدت الحرب وكشفت عن طبيعتها الإبادية، فالحرب التي قامت بها إدارة ترامب ضد المقررة الأممية فرانشيسكا البانيز ومعاقبة قضاة محكمة الجنايات الدولية وكل صوت تجرأ على انتقاد إسرائيل فتح المجال أمام إدارة ترامب لتمرير قرارها الاستعماري والحصول على غزة المدمرة حيث سيقرر مع مجلسه للسلام مصير الغزيين على مدى العامين المقبلين أو أكثر. وقال جوناثان كوك في موقع «ميدل إيست أي» (21/11/2025) إن أمريكا التي ستدير «مجلس السلام» هي نفسها التي سلحت ودعمت إسرائيل خلال العامين الماضين. وقال إن «خطة السلام» التي وضعها ترامب تعادل في نظر النظام الدولي وضع متحرش بالأطفال مدان بالعديد من الجرائم كمدير لمدرسة ابتدائية. لن تكون هناك قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في غزة لحماية شعبها. فهذا من شأنه أن يفضح بسهولة صورة ترامب الزائفة عن «السلام». وقد رأينا كيف سيدير ترامب غزة عندما نظم الأمريكيون في مركز التنسيق الأمريكي في كريات غات زيارة لصحافيين من صحيفة «نيويورك تايمز» (18/11/2025) قالت فيه إن المستودع في كريات غات، يعج بمسؤولين عسكريين إسرائيليين وأمريكيين وأوروبيين، وعناصر مخابرات عرب، ودبلوماسيين، وعمال إغاثة. وأشارت الصحيفة إلى أنه لم يكن هناك من يمثل المصالح الفلسطينية. ما يعني أن أمريكا مثل قرارها في مجلس الأمن لا تهتم بمصالح الفلسطينيين، وليست حريصة أبدا على تحقيق العدالة لهم.

محاسبة المجرمين

وكما أشارت نوفاك، مديرة بتسليم في مقال «الغارديان» (18/11/2025 فخطة غامضة من ترامب لا تعالج الأسباب الجذرية للعنف، وهي مجرد سراب. ولم يتغير شيء في النظام السياسي العنيف الذي يعيش في ظله الفلسطينيون والإسرائيليون حيث لا تزال الآلية التي تقف وراء العنف سليمة. لا يزال منطق الهيمنة هو السائد. وأكدت أنه لما يقرب من عامين، شنت إسرائيل حملة في غزة تفي بأوضح تعريف للإبادة الجماعية: محاولة ممنهجة، غالبا ما تكون معلنة علنا، لتدمير مجموعة من الناس، من خلال القتل والتجويع والتهجير القسري وتدمير الظروف المعيشية. فالإبادة الجماعية ليست استعارة هنا، بل هو المصطلح الوحيد المناسب.
وأشارت إلى أن جذور هذه الإبادة الجماعية لم تبدأ في 7 أكتوبر 2023، ولم تنته باتفاق وقف إطلاق النار. جذورها تمتد إلى عقود من الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين، والفصل العنصري، والإفلات من العقاب، ونزع الإنسانية، مدفوعة بنظام بني لضمان التفوق اليهودي على كامل الأرض. وشددت على أن المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى، سمح بحدوث كل هذا.
ثم أكدت أنه وعلى الرغم من دعاية إسرائيل، فقد أدرك الناس في الولايات المتحدة وحول العالم ما يحدث. وخلصت إلى أن المساءلة ضرورية – ليس للانتقام، ولكن لأنه لا حساب دون مسؤولية. يجب ألا يتم تطبيع الإبادة الجماعية، ويجب ألا يمر النظام الذي يرتكبها بدون عقاب.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية