تُظهر معاجم اللغة أن كلمة «الوصاية» في أصل الوضع تتراوح إحداثياتها بين وصيٍّ وقاصرٍ مُوصى عليه، وإذا كان المصدر في اللغة يدل على الأفعال المحتملة، فإن الأفعال التي يقوم بها الوصي هي الرعاية، وبذل العناية، والقيام على شؤون القاصر. وهي علاقة فوقية، فيها نظرة من شخصٍ أعلى إلى شخصٍ أدنى، لها مبرراتها في أصل الوضع أو الاصطلاح.
ولكن عندما يلعب المجاز دوره، بصفته أداةً للنقل من هذا المعنى الأصلي إلى معانٍ أخرى، تصبح الوصاية فرضًا على تفكير البشر، من خلال فرض الصحيح والخطأ، والحجر على التفكير، وإصدار الأحكام بمناسبة وبدون مناسبة، وصولًا إلى الحالة المتطرفة للوصاية، وهي المراقبة من منظور سلطةٍ أعلى تحتكر الحقيقة وتفسيرها. ومن ثم تظهر تداعيات ذلك في وضع الناس ضمن منطقة الاستباحة، وهي منطقة تُستمد منها مصطلحات عديدة المعنى، مثل مصطلح الحرب باعتباره ترخيصًا مُخترعًا يستمد شرعيته من دستور القاتل، ويصبح فيه الناس فرائس يجب تعقّبها والقضاء عليها. ومن ذلك أيضًا حالة الاستثناء باعتبارها إبطال مفعول القواعد وتعليق أحكامها كما يرى جورجيو أغامبين؛ فتعليق العدل يعني الظلم، والذي من معانيه، كما تواضع عليه أصحاب اللغة الأوائل، أنه وضع الشيء في غير موضعه، وعكسه العدل، والذي أيضًا من معانيه وضع الشيء في موضعه، والظلام قرين الظلم، والنور قرين العدل.
أقول: عندما يأخذ المعنى هذا التصور، يصبح داءً يحتاج إلى معرفة علّته، وربما تكون العلة الظاهرة هي علاقة فوق/تحت التي تُنظّم تدفّق الأفعال من الوصي إلى المُوصى عليه، والتي تنطلق من دساتير الحقيقة التي يصنعها القوي بحكم احتكاره واختراعه للصحيح والخطأ بما يتوافق مع رغباته؛ والقائم على الغرائز المتعطشة للسيطرة، والتي وصفها فريدريك نيتشه بأنهم «يعمدونها باسم الحقيقة»، أو يُفلسفونها ويُشرعنونها.
وبالتالي، فإن من أهم أدوات الوصاية في عصرنا الحالي التسمية وقوائم تصنيف الناس والمجتمعات، مثل: عالم أول، وعالم ثانٍ، وعالم ثالث، أو عالم متقدّم وعالم متخلّف. وبغضّ النظر عن مدى دقة هذه التصنيفات، يمكن إجمال تداعياتها في فرض شروط المصنِّف على المصنَّفِ، والتي تصبح، مع مرور الوقت، صناعة ظروف دائمة تهدف إلى إبقاء المصنَّفِ ضمن قائمة التصنيف دون أن يخرج منها، بهدف السيطرة على مفاصِل حياته؛ فيبقى بين الحياة والموت، كالمحجور عليه، يملك ولا يستطيع التصرّف فيما يملك، قابعًا تحت الإملاء.
ومن آليات الوصاية أيضًا صناعة الأعداء، فهي تقدّم سلّة مهملات وشمّاعة من طراز رفيع، خصوصًا عندما يكون العدو مصطنعًا باحترافية، ومضخّمًا ببروباغندا قائمة على شذرات من الحقيقة. فمن يصنع عدوًا يصبح حائزًا على أفضل شرعية لاستباحة أي شيء يريده، وباسم هذا العدو المصطنع يستطيع استباحة حياة الناس بكل الوسائل، وتصبح هذه الآلية الأساس لتعليق فشله وتحويله إلى نجاح عبر هذا العدو المخترع.
والوصاية لا تحجر على السؤال فحسب بصفته طريقًا للعلم، بل تحجر على العقل ذاته أيضًا؛ فتزيل براعم تفكيره، وتغذّيه بما تراه مناسبًا لصحته من وجهة نظرها. وعلى هذا التقدير، تنمو الوصاية في بيئات يتجذّر فيها التقليد والتقديس، وتمشي بالعكازات، ولا تنمو في بيئات تطرح السؤال وتسعى خلف الحقيقة، ولا تعبر من حالة إلى حالة إلا على أساس متين من الحقائق المختبرة.
وعلى هذا التقدير أيضًا، فإن دس ظروف الجهل وصناعتها في المجتمعات، وبتر السؤال، تصبح أفضل بيئة لتخليق شخصيات السمع والطاعة وتقديس اللامقدس. وهو ما يمكن التعبير عنه بأن مجتمعات فاقدة للسؤال هي مجتمعات فاقدة للإرادة، وفقد الإرادة منبع الضعف والقابلية للاستعمار.
ومن هنا أصبحت الوصاية متجذرة في عالمنا المعاصر، وهي ظاهرة تبدو في ظاهرها عصية على الدراسة لما يحيط بها من أشباه الحقائق، وتأتي متخفية خلف الدين أو العلم أو الاثنين معًا، بالرغم من أن الدين والعلم الخالي من الوصاية؛ يضعان لها الحلول ويرفضانها. لكنها تبقى من أمضى أدوات تبرير استعمار العقول والشعوب والبلاد، ولذلك لا يستغني عنها مستعمر أو ديكتاتور، أو مستعلٍ بتأويل ذاتي لنصوص مقدسة يرغب في جمع أتباع.
وجملة القول، إن الوصاية تمقت السؤال وتهابه، والسؤال سيبقى هو أساس حرية الإنسان
كاتب من مصر
hhnn.nassar@gmail.com