عن بلد كان اسمه سوريا… التاريخ والمكان (٢)

المقهى الدمشقي، يلخص، بشكل خاص، تاريخ القمع المشؤوم، والاستبداد المعمم الذي كان سائداً من قبل، حيث يتجلى، الآن، التعالُم والادعاءات المبهمة والرُؤى اللاتاريخية والصِيَغ الفارغة. فيه، تصدمنا سهولة التكلم عن كل شيء تقريباً، عمانعرف، وعما لا نعرف، وانتشار البلاغة الجوفاء التي لا يمكن إخفاؤها. كل ذلك، كما أتصور، بسبب التقهقر الكاسح للمنطق، ومحدودية الإمكانيات المتاحة للإدراك، بعد أكثر من خمسين عاماً من الطغيان السياسي والمعرفي. المقهى الدمشقي، من هذه الزواية، يبدو مثل مسرح اللامعقول حيث يسود، في فضائه، التعبير اللامشروط عن المآرب والمخاوف والهواجس المتراكمة منذ عقود. تلك التي تبدو وكأنها تظهر في غير أوانها مثل الحياة التي افتقدت معناها الحقيقي، فتحولت إلى معادلات فارغة. وأهم ما يلاحظ فيه هو أن المشاعر الصادقة، والمحاورات الواعية، والمواقف الواضحة، لم تعد سيدة الموقف بعد أن تراجعت أمام التثاقف والتحايل واللامبالاة. بالطبع، هنا، أيضاً، كما في أي وضع آخر، يوجد العديد من الاستثناءات. لكنها استثناءات ضئيلة التأثير، لا تشكل تياراً في الحياة اليومية، ولا تستطيع فرض نفسها في هذا الفضاء المتخم بالملابسات. ولَعلنا ندرك بسرعة أن فضاء المقهى الدمشقي، أي مقهى، يمثل، بشكل عام، فضاء الشام، الذي يمثل هو، نفسه، الفضاء العربي الواسع. وبكلمات أخرى، فإن مصيردمشق المؤلم الذي نراه، اليوم، ونحسه ثقيلاً مثل جبل من رصاص، يشكل صورة مكتملة، وشديدة التطابق، لمصير العالم العربي الفاجع.
تقيّحَ الجرح السوري طويلاً، وكان لا بد له من أن ينفجر. الصمت القديم، صمت الاستبداد المريع، يحوي كل شيء: ما يسر وما يزعج. وكلاهما سواء. ففي حالة التحرر من الطغيان، تتساوى الأشياء، في البدء، لكنها سرعان ما تفترق. ودمشق، الآن، لا تزال في لحظة هذا الخليط العجيب: خليط المشاعر والمواقف والكلمات الذي يعقب انهيار سدود الطغيان السياسية والاجتماعية. لا قيمة لأي شيء فيها، اليوم، لا للخطأ ولا للصواب. لأن ما تكدس في عقول البشر، وفي نفوسهم، من مقولات ومشاعر تحت ضغط القمع المزمن والمريع، تَحول بفعل الركود القسري إلى ما لا يمكن تعريفه، ولا التكهن به. والآن، بعد فترة الاحتباس الطويل، تلك، هاهو ذا، ذلك الخليط، ينبجس بقوة وبلا قيود، حتى لَتحس نفسك في دمشق تحت وطأة أصوات، وكلمات، وتعابير تتدفق كالسيل في براري الجزيرة بعد مطرعنيف. فمطر التحرر من الاستبداد السياسي والمعرفي الذي انفجر في سوريا بعد أكثر من خمسين عاماً من «الجفاف العقلي» بدأ، الآن٫ بالانهمار.
أول شيء يخطر لي، في هذه الملحمة التاريخية، هو أن أتساءل: «ماذا فعل الطغيان بالعالم»؟ أي بشر هم هؤلاء الصامتون الذين عندما يتكلمون لا يتهَدؤون، وإنما ينفجرون، مثل بركان خامد وصل انحباس طاقته الذروة. عيونهم ملأى بالرُؤى. رؤوسهم محشوة بالأفكار. أفواههم متخمة بالكلمات. وقد كانوا، قبل قليل، يعيشون كل شيء صمتاً. اليوم، لم يعد لَجْم اللسان ممكناً. والكلام فضاح. ولكن، ماذا نقول عندما نتكلم؟  وعما يمكن لنا أن نحكي؟ وهل يملك الكائن السوري، اليوم، دليلاً لكلماته، أو معياراً لأحكامه؟ ماذا يسمع هؤلاء المنهكون من القمع، عندما يصغون، سوى ضجيج أعماقهم المكبوت منذ عقود؟
شيء سديمي يخيفني. شيء لا أدركه هو الذي يعذبني في دمشق، الآن. لماذاعدت؟ أنا لم أعد أريد أن أكذب على نفسي. لم أعد أريد أن أمثل دوراً لا أتقنه. الحياة أهم من ذلك، وأكبر من كل الأفانين والفبركات. يكفي. دمشق، اليوم، هي علامة الإهتراء. اهتراء الكائن والمكان. لا جدوى من التظاهر بعدم الفهم والإدراك.. الحقيقة أهم من التاريخ. وطالما أننا لا نزال نتجاهلها فإننا لن نصل إلى
حيث نريد. أنظرْ! «أنظر الناس أين، وأنتَ أين؟ وأنظر أسفل العين»، وأرى مالا أراه: دمشق بعد خمسين عاماً من الغياب.
خمسون عاماً غياباً، وخمسون كيلاً من الأنانية والقهر والعنف والتوتر ينفجر في وجهك، الآن، في دمشق. تحمله إليك هواجس الناس، وكلماتهم التي بالكاد تدرك مغزاها. المكبوت هو الذي يتكلم. ويتكلم صمتاً أحياناً كثيرة. من النادر أن يعبرالكائن السوري، اليوم، عما يشعر به، فعلاً. إنه يراوغ، يتأنى، يتحاذر، وهو يلفظ كلماته التي تحسه سرعان ما يندم على أنه نطق بها، أخيراً. السري هو الذي يظهر، والمنسي هو الذي يعود، ولا شيء سوى الاستياء والانتظار. انتظار ما لم يعد لانتظاره أي معنى. لأن الحياة التي مرت لا يمكن استعادتها، ولا تعويضها. لا الصمت ينفع، ولا الكلام. صبرنا طويلاً على الطغيان، والآن، غدا كل شيء شبه مستحيل. لا يمكن مقاومة طغيان وَلّى. ولن يعود ما فقدناه. الخسارة أكبر مما تتوقع، ويتوقعون. إنسداد كامل في النفوس بلا حدود. مَنْ لا يعرف وله رأي عن كل شيء، يتحاور مع مَنْ يعرف وليس له أي رأي. وأنت تسمع. هم ينظرون إليك بعيون فاحصة، وأنت تبحث في وجوههم عن ما ضيك اللعين. وأي شيء أتعس من هذا البحث اللامجدي؟
كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية