عامٌ جديد وقضايا قديمة تتجدّد

برغم ما يختلج في نفوس الكثيرين من أحاسيس الحزن تارة والإحباط تارة أخرى وشيء من الأمل ثالثة، استقبل سكان هذا الكوكب العام الميلادي الجديد بمشاعر اختلط فيها الألم بالأمل، وسعوا بذلك لرفع المعنويات والتفاؤل لدى المحيطين بهم.
ولولا الأمل لمات الناس كمدا، خصوصا عندما يشعر البشر بالعجز عن التأثير على مسار الأوضاع في مناطقهم. وفي عالم محكوم بقطب واحد يصعب التفاؤل بقيام نظام سياسي عالمي عادل يكرّس الأمن والاستقرار الدوليين. فما الذي ينتظر الشعوب المغلوبة على أمرها سوى استمرار الأمر الواقع في غياب إرادة التغيير لدى قوى العالم المستفيدة من استمرار الأوضاع الراهنة؟
وقد تطرق المراقبون السياسيون في الأيام القليلة الماضية وهم يحلّلون توجه الأوضاع العالمية في العام الجديد، ولم يكن التفاؤل واضحا في توقعاتهم وهم يناقشون قضايا العالم بدءا بأوكرانيا، وسوريا، وفلسطين والإرهاب والذكاء الاصطناعي. ولا يمكن تجاهل ما حدث في فنزويلا والتدخل الأمريكي الذي أسقط نظامها واعتقل رئيسها. كما لا يبدو ثمة تفاؤل إزاء قضايا الحرّيّات والممارسة الديمقراطية في عالم يتجه نحو المزيد من القمع ومحاصرة الحرّيّات العامة وتقنين الاستبداد والتعايش مع الاحتلال.
في نظر الكتّاب العرب، فإن العام الجديد لن يغيّر عقلية الاحتلال أو سياسة دعمه من قبل أمريكا. كما لن ترتفع راية الحرّيّة في البلدان المحكومة بالاحتلال أو الاستبداد. ولن تحلّ لغة الحوار والتفاهم محلّ لغة القوة والتحدّي وسياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح كما تفعل «إسرائيل» وأمريكا التي احتلّت فنزويلا. هذا برغم ما جاء في رسائل المسؤولين الدوليين للعالم بحلول العام الميلادي الجديد، سواء رسالة البابا أم الأمين العام للأمم المتحدة أم خطابات زعماء دول العالم. فالجميع يخضع لسياسات الأمر الواقع، وينظر إلى السياسات الأمريكية أنها البوصلة التي يسير العالم على أساسها. هذا برغم أن نظرات الشعوب تتميز بالتفاؤل والأمل بتغير الأوضاع وسيادة الأمن واحترام أرواح البشر وحقوقهم.

إن قدرة العالم على التعايش مع واقع مكتظ بالتناقضات أصبحت تقلق الكثيرين الذين يرون في ذلك تخلّيا عن المسؤولية الإنسانية والأخلاقية، وتجاهلا للمبادئ والقيم التي تأسس عليها العمل الدولي

ما الذي ينتظره أهل غزة؟ كان واضحا من خطوة إسرائيل لمنع الكهرباء والمياه عن المنشآت التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين لن تكون أفضل، وأن التواطؤ الأمريكي مع قوات الاحتلال يحول دون قطع خطوات على طريق حلحلة الأمور ومنع الاحتلال من التمدد والدفع في اتجاه إقامة دولة فلسطينية. ويعيش سكان غزة حالة من الترقب والقلق، مع استمرار تأثيرات الحرب على أغلب جوانب الحياة، من الخدمات الأساسية إلى فرص العمل. وتغيب مظاهر الاحتفال، لتحل محلها مشاعر الحزن والإرهاق، بينما يعبّر المواطنون عن أملهم بأن يحمل العام الجديد انفراجا يضع حدا لمعاناتهم المستمرة. ومع استهداف منظمة أونروا بالحصار لن تكون حياة اللاجئين الذين يعتمدون على أعمال الإغاثة لدعم حياتهم، أفضل مما كانت عليه. وإذا فقد الإنسان المقوّمات الأساسية لحياته، أصبح أقل اهتماما بالشؤون السياسية، وإن كان هناك من يصرّ على مشروعه السياسي حتى لو تعرّض للتجويع والتشريد. ولا شك أن إعاقة عمل أونروا ستكون لها آثار قاتلة على اللاجئين الفلسطينيين الذين يقضون فصل الشتاء القارس في المخيّمات ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى قرب انتهاء معاناتهم. فما دام الغرب منشغلا أو متشاغلا، وربما متواطئا مع سياسات الاحتلال، ومع تهميش القضية الفلسطينية حتى من قبل الحكومات العربية، يبدو أفق حلحلة أمور فلسطين أقرب إلى الخيال والسراب منها إلى الواقع. هذا لا يعني قدرة «إسرائيل» وداعميها سواء على إنهاء القضية أو تركيع أبناء فلسطين أو تحقيق انتصار ساحق، بل يعني استمرار المعاناة وتغوّل الظلم والاحتلال، الأمر الذي لا يحمل أنباء سارّة في العام الجديد لهذا العالم الذي تتقاذفه السياسة وتشوّش عليه الظروف، وتحاصره الأزمات، السياسية والبيئية الخطيرة.
إن قدرة العالم على التعايش مع واقع مكتظ بالتناقضات أصبحت تقلق الكثيرين الذين يرون في ذلك تخلّيا عن المسؤولية الإنسانية والأخلاقية، وتجاهلا للمبادئ والقيم التي تأسس عليها العمل الدولي المشترك، والتي تهدف لمنع تكرر ويلات الحروب بعد التجارب الإنسانية المريرة مع الحروب الكونية بشكل خاص. وإذا كانت قضايا الشعوب خصوصا ما يتعلق منها بالحرّيّات العامة والحقوق السياسية، قد تراجعت في سلّم الأهمية الدولية كثيرا، فإن معاناة العديد من الشعوب العربية تساهم كثيرا في تشويش المشهد. فمع حلول العام الميلادي الجديد لم تحدث حلحلة حقيقية في البلدان العربية التي تعاني من توترات أمنية وغياب الحرّيّات العامة، وتهميش دور المواطنين في إدارة شؤون بلدانهم. وما تزال سجون العديد من الدول العربية مكتظة بنزلائها، وبعضهم قضى عقودا وراء القضبان، وبلغ بعضهم الثمانين من العمر، كما هو الحال في سجون تونس والبحرين وكذلك السجون الإسرائيلية. فكيف يمكن السير ضمن مشاريع التحديث السياسي في ظل أوضاع تحول دون ذلك، وتسمح باضطهاد من يتصدّر المشهد لرفع راية التغيير والتحول الديمقراطي.
لقد تعمّقت الحاجة لذلك التحوّل خصوصا بعد أن أصبح النظام الرسمي العربي على حافة الانهيار نظرا لغياب الدور الشعبي في صنع القرار. وتمثل الأزمة الحالية المرتبطة في بعض جوانبها بقضية اليمن، أحد التجلّيات الخطيرة لما يمكن أن يتمخض عنه الوضع إذا استمرت المماحكات بين أنظمة الحكم. ولا يمكن تجاهل التوتر الذي حدث بين السعودية والإمارات في اليمن بعد أن شنّت الرياض، يوم الثلاثاء الماضي، ضربات جوية ردا على تجاوز «الخطوط الحمراء» من قِبل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا.
وجاءت هذه التطورات بعد أن دفع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى لفصل جنوب اليمن، نحو السيطرة على مناطق جديدة، من ضمنها ميناء المكلّا الاستراتيجي في حضرموت. هذا التصعيد يمثل نقطة محورية في الحرب اليمنية المستمرة منذ أكثر من عقد. ويمكن اعتبار هذا التطور من أخطر ما حدث على الساحة العربية منذ عقود، لأنه أكّد وجود خلافات عميقة بين حكومات بعض الدول تجاه قضية اليمن، وستكون له تبعات سياسية غير قليلة. فكيف ستكون أوضاع مجلس التعاون الخليجي بعد ما حدث؟ وهل سيكون العام الجديد فرصة لاحتواء ذلك التوتر أم بداية لتصعيدات كبرى ليست في الحسبان؟ فمن كان يتوقع أن يحدث تصادم عسكري بالشكل الذي حدث بين دولتين عضوين بمجلس التعاون؟ كان ثمة توقع بأن تبادر الأمانة العامة للمجلس لعقد لقاءات استثنائية صامتة لاحتواء الأزمة بعيدا عن الأضواء، وبروح صادقة لحماية التحالف الخليجي الذي صمد 45 عاما أمام العواصف السياسية والتطورات غير المحسوبة.
العام الجديد سوف يشهد تحركات واسعة على صعدان شتى، وسيكون على حكومات الدول العربية إظهار قدرة على احتواء الأزمات بروح مصرّة على تقديم الحلول السلمية ومنع حدوث المواجهات المسلّحة. ستجد هذه الحكومات نفسها مدفوعة للقيام بعمل ما لحماية سوريا من التصدّع بعد ما شهدته من تطورات كبرى.
ويمثل حلول العام الجديد فرصة للمفكّرين والمنظّرين لطرح رؤى جديدة لاستشراف مستقبل يساهمون في رسم ملامحه وصحوة ضميرية تعيد الحياة للجسد الهزيل الذي أوهنته السنون والأوهام واللهث وراء السراب الذي توفّره التبعية للغرب خصوصا أمريكا. الأمر المؤكد أن هذا العالم العربي أصبح يبحر في بحر لجّيّ بدون قائد أو خريطة طريق لتحقيق طموحات الأجيال الحاليّة. ولكي يهتدي السبيل، ثمة حاجة لربابنة ماهرين بالإضافة لوضوح وجهة السير، وكذلك العزيمة الراسخة للخروج من الدائرة المفرغة التي عاشتها الأمة أكثر من نصف قرن، وما تزال تتأرجح في خياراتها وقراراتها واتجاهاتها.
في العام الميلادي الجديد يجدر بالأمة الخروج عن مآزق الحيرة والدوران في حلقة مفرغة والتخلّي عن جلد الذات. وما أجمل أن يكون لهذه الأمّة إرادة اتخاذ القرار المستقل الذي يعيد لها شخصيتها ويجنّبها تدخلات الآخرين، ويضعها على طريق البناء، وذلك يتطلب العودة إلى الجذور، فذلك طريق الاستقلال ومعرفة الذات ورفض التدخلات الأجنبية، وعقد العزم على التصدّي للاحتلال وداعميه.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية