في سعي نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، نحو الترسيخ الدائم لمنظومة سيطرته الشاملة على الفلسطيني المستعمَر، فإنه يلجأ الى مراعاة كل التفاصيل والمحددات، التي تكفل الخلق المستمر والمبتكر للتحديات والعقبات التي تتكدس داخل سياق العلاقة بين القاهر والمقهور.
إذ إن الإبادة الجماعية الشاملة التي يعاني منها الفلسطينيون منذ نكبة عام 1948 الاستعمارية، لم ولن تتجلى فقط بأبشع صورها المتمثلة بالمجازر والمذابح التي اقترفتها منظومة الاستعمار الأمنية والحربية، بل في التفكيك الزاحف والبطيء لإنسانية الفلسطيني عبر محاصرته ومحاربته بتفاصيل صغيرة، الهدف منها اختراق وعي هذا الأخير، وبالتالي تذويت المعاناة والانكسار والهزيمة، وليس كي وعيه فحسب، بل استبداله بوعي آخر يشرع بإنتاج عبثية ولا جدوى مقاومة الاستعمار الصهيوني.
هذه التفاصيل الصغيرة تكمن في الجوهر الناظم والموجه للعقلية والمفهومية الصهيونية الاستبدادية، والمهووسة دوماً بالإقصاء والتمييز والعنف الرسمي، أي المحروس بتشريعات وفتاوى القتل والإبادة، وفق الرؤية الصهيونية، كما أن هذه التفاصيل تمارس مهمة مزدوجة، فهي بالدرجة الأولى ناتجة من الجوهر الصهيوني، وعليه فثمة سياق داخلي صهيوني تنشأ وتترعرع به هذه التفاصيل، بدءاً من الصف الدراسي، وليس انتهاء بصف الجنود الماضين إلى ممارسة الإبادة الجماعية، دون أدنى تردد، وبهذا تبدأ عملية إعادة خلق الفلسطيني وتفكيك إنسانيته وإحالته إلى مجرد كائن مسخ داخل السياق الصهيوني الداخلي بمستوياته كافة، من خلال حشو هذا السياق بأكبر قدر ممكن من التفاصيل، التي تحجب وتفصل المستوى الأخلاقي بحمولته الثقافية والاجتماعية، عما تقترفه المنظومة الأمنية والحربية من إبادة.
أما المهمة الثانية لهذه التفاصيل، فهي الردع والسحق وعبثية المقاومة والتوغل حتى اقصى درجة في أعماق الوعي الفلسطيني.
ومن هنا لا يتفاجأ أحد من أن واحدا من أعتى الجيوش في العالم يجتاح البلدة القديمة في نابلس، لكي يقتحم أحد اشهر محلات الحلويات التي تقدم الكنافة النابلسية الشهيرة، ويأخذ الجنود ما يشاؤون من هذه الحلوى على فوهات بنادقهم، وفي عملية استعراضية مثيرة للتقزز، ولا يستغربن أحد أيضاً من أن المنظومة الأمنية الصهيونية الرهيبة، التي تحوز أفضل الوسائل التكنولوجية والإلكترونية في العالم، تقوم الآن بمحاربة أطفال غزة بحرمانهم من الأحذية، بل الإصرار على ذلك وتعزيزه على الأرض بتفاصيل أخرى من قبيل حرمان أهل غزة الساعين إلى النجاة من الإبادة، من سلع أساسية أخرى لا تهدد أمن المستعمِر الصهيوني، ولكنها في حال عبورها إلى غزة قد تؤدي إلى تعزيز صمود المقهورين والمقهورات، والأهم لن تؤدي إلى انقلاب حاد في هموم وتطلعات الفلسطيني.
هنا بالتحديد يبرز الهدف الأهم لإنتاج التفاصيل الصغيرة، ألا وهو تبديل الأولويات، لتصبح أولوية الحصول على حذاء، أهم من أولوية مقاومة من يحرمني من هذا الحذاء، وصناعة وإعداد الكنافة وتقديمها لم تعد شأناً محلياً، وباتت أولوية من يعدها، التصالح مع فكرة أن الجندي القادم لقتلك سيقوم بتذوق الكنافه فوق جثتك، دون أدنى تردد. إن منظومات القهر الاستعماري الكبرى، وعلى مدار تاريخها المرير والفظيع كانت تحرص قبل نقل مدافعها إلى ما تتوخاه من سحق وقمع في العوالم اللامنتمية للمركزانية الغربية الإقصائية، كانت تشحذ مجتمعاتها الأم، بأكبر قدر ممكن من وهم البقاء الحضاري والإنساني، وذلك العبء المحبذ والمريض للرجل الأبيض، الذي لطالما أخذ على عاتقه مهمة إصلاح العالم وتخليصه من الشوائب والعقبات، التي تقف في وجه التقدم الحضاري والعقلاني بصيغته الغربية، وهذا ما يمارسه الآن وهنا نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني بحق الفلسطينيين، الذي يصر دوماً على ضرورة التمييز ورفض المقارنة ما بين شتاء غزة القارس، وشتاء ستالينغراد الرهيب إبان الحرب العالمية الثانية، ومحاصرتها من قبل الآلة الحربية النازية الفظيعة.
لتحاصر التفاصيل الصغيرة وتباغت كل من يجرؤ على مقارنة ممارسات الاستعمار الصهيوني بمنظومات فاشية وعنصرية أخرى، واتهامه بمعاداة السامية وإنكار المحرقة النازية، وتنقلب الأولويات في هذه الحالة أيضا، من انتقاد ومقاومة المنظومة الأخلاقية والمعرفية الصهيونية، إلى الدفاع عن الذات ونفي وإنكار تلك الاتهامات، والتخلي الإجباري عن واقع غزة المرير المنهك، من زمهرير الشتاء الصهيوني الاستعماري. غير أن الوقوف في وجه هذه التفاصيل الصغيرة ليس أمراً مستحيلاً، والسبيل إلى مواجهتها يتجسد بضرورة إدراك الفلسطيني والفلسطينية، أن المسألة لا تكمن في الصاروخ والقذيفة والرصاصة، بل في الوعي، نعم، إن الصراع منذ البداية كان صراعا على الوعي والثقافة والمعرفة والسردية، ولهذا يتوجب على الفلسطينيين والفلسطينيات اليوم محاربة التفاصيل الكولونيالية من خلال المقاومة الشاملة، المنطلقة بدورها من الوعي بالصمود والبقاء، وضرورة المواجهة، بدءاً من الحكاية المعبأة بالأمل ، فالأمل اليوم في أوج الإبادة، وشتاء غزة الاستعماري ليس ترفاً، أو مفردة في شطرة شعرية، بل الأمل بات تعويذة وسلاحا في سبيل البقاء وحماية الوعي الفلسطيني من تفاصيل المستعمِر الصغيرة.
كاتب فلسطيني