يُكثر أركان سلطة دمشق وإعلاميوها ومؤيدوها من التذكير بثقل التركة الأسدية لتبرير فشلها في إدارة الشؤون العامة، وحل المشكلات الملّحة، وغياب أي إنجازات تُذكر بعد انقضاء أكثر من عشرة أشهر على إمساكها بالسلطة في أعقاب سقوط نظام الأسد، على رغم الاحتضان العربي والدولي لها وغض النظر عن ماضيها الجهادي.
الواقع أن تركة الأسد ثقيلة فعلاً وهي تتجاوز ما هو ظاهر من خسائر بشرية هائلة وخراب عمراني واقتصادي، إلى تفكك اجتماعي وخراب طال النفوس وصولاً إلى «مدرسة» في الحكم تغش من مبادئها السلطة الجديدة.
فعلى صعيد المجتمع أدى طول أمد الصراع والعنف المهول الذي اتسم به إلى انقسام عميق بين موالاة ومعارضة من الصعب ترميمه. إضافة إلى التهجير القسري داخل الحدود وإلى الخارج الذي شمل ملايين السوريين، ما زال القسم الأكبر منهم يعيش في مخيمات محرومة من أبسط الشروط الحياتية. كذلك عزز نظام الأسد، أثناء الصراع، العصبيات الأهلية التي اعتمد على بعضها وقوداً لحربه وتسبب في تعزيز بعضها الآخر لدى البيئات التي اعتبرها معادية له أو «حواضن» للثورة عليه. لعلنا نتذكر مقاطع الفيديو الشهيرة التي كان يسربها في الأشهر الأولى للثورة ويظهر فيها شبيحة يُنكّلون بأشخاص مدنيين وقعوا بين أيديهم وهم يخاطبونهم بلهجة الساحل المميزة قائلين: «بدكن حرية؟ وهاي منشان الحرية!» (تريدون الحرية؟ وهذه من أجل الحرية!) في استعراض طائفي بذيء يهدف إلى ربط مصير طائفة بكاملها بمصيره، سواء في وعي أفراد الطائفة أو في وعي الثائرين على النظام. حتى وسائل إعلامه الرسمية لم تخلُ من مواد تحريضية وإن حافظ خطابه الرسمي على شيء من الانضباط بهذا الخصوص. في النتيجة تمكن النظام من خلق شرخ عميق معمّد بالدم، لا يمكن ردمه بمجرد هروب رأس النظام وبعض الدوائر المقربة. لهذا السبب بالذات كان إصرار المنظمات الحقوقية وكثير من الأطر السياسية على أولوية العدالة الانتقالية وملحاحيتها، تجنباً لأعمال ثأرية تأخذ البريء بجريرة المجرم. لكن المجموعة التي استولت على السلطة في دمشق صمّت آذانها عن تلك النداءات، بل إنها زادت على ذلك فقامت بتسوية أوضاع رموز إجرامية من النظام السابق بتبريرات غير مقنعة ولا مقبولة. والنتيجة رأيناها في مجازر الساحل وجرمانا وصحنايا والسويداء التي قُتل فيها آلاف المدنيين على أساس انتمائهم.
مقاطع الفيديو التي صوّرها المجرمون بأنفسهم في المناطق المذكورة تُظهر لنا مدى خراب النفوس الذي أدت إليه سنوات الصراع. فهي تكرر أولاً مقاطع الفيديو التي كان يُصورها شبيحة نظام الأسد «نسخ ـ لصق»، وتظهر ثانياً مدى الحقد والوحشية والإجرام الذي ترسّخ في قلوب «جيل جديد» من القَتلة الذين أنتجهم الصراع المديد، وتم تأطيره أيديولوجياً بفتاوى طائفية. محاولة فهم أصول هذا الحقد المنفلت لا تعني بحال تبريره، فالجريمة هي جريمة بصرف النظر عن دوافعها، وتتحمل السلطة مسؤولية وقوعها ثم محاسبة الجناة، الأمر الذي لم يحدث على رغم التقرير الذي قدّمته لجنة تقصي الحقائق بشأن مجازر الساحل ولم تُقدّم السلطة إلا ملخصاً عنه.
لا يقتصر خراب النفوس على المقاتلين، وكذا مَن تطوعوا من مدنيين، الذين ارتكبوا الفظاعات في الساحل والسويداء ومناطق أخرى، بل يتعدى ذلك إلى تكرار نمط «الموالاة» لنظام الأسد لدى مؤيدي الحكم الجديد، بما في ذلك نمط التعظيم من شأن «القائد»
ولا يقتصر خراب النفوس على المقاتلين، وكذا مَن تطوعوا من مدنيين، الذين ارتكبوا الفظاعات في الساحل والسويداء ومناطق أخرى، بل يتعدى ذلك إلى تكرار نمط «الموالاة» لنظام الأسد لدى مؤيدي الحكم الجديد، بما في ذلك نمط التعظيم من شأن «القائد» أو ما يُسمّى في الأدبيات السياسية بعبادة الفرد. رأينا أمثلة مخجلة من هذا السلوك في مظاهرة الجالية (السورية) الأمريكية لدى ترحيبها بزيارة الشرع لنيويورك بمناسبة مشاركته في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، أو في إطناب وسائل الإعلام في وصف «تاريخية» هذه الزيارة.
غير أن تركة الأسدية التي نتحدث عنها هنا لا تقتصر على مقاتلي الفصائل التي من المفترض أنها باتت ضمن قوات وزارة الدفاع أو مَن تطوعوا في قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية، ولا على جمهور المؤيدين العدواني تجاه أي معارضة أو نقد، بل تشمل أيضاً نمط الحكم الذي يسعى الفريق الحاكم إرساء أُسسه: دكتاتورية نخبة صغيرة نهمة للسلطة والثروة تحتكر الفضاء العام وتحدد نظام القيم في المجتمع، وتبني مؤسسة قمعية كبيرة بلون طائفي محدد وعقيدة محددة، يحتكر فيها الرأس السلطة كلها. يوماً بعد يوم، نلاحظ أن السلطة تقوم بنسخ ٍولصق ٍ من دفتر شروط النظام الأسدي بصورة حرفية تقريباً. ولعل «الانتخابات» التي تمّ إجراؤها لتشكيل مجلس تشريعي مؤقت مثال ساطع على ذلك، فما كان مستتراً في تلك «الانتخابات» أيام الأسد بات معلناً في «الإعلان الدستوري» للسلطة الجديدة من تعيين أعضاء المجلس بصورة مسبقة.
فقد بلغ الأمر بالهيئة العليا للانتخابات أنها ألغت عضوية مرشح عن مدينة السلمية، عبد الله الشعار، بعد فوزه في الانتخابات بذرائع واهية، لأن السلطة استشعرت فيه نشازاً محتملاً عن الموالاة المُطلقة التي تريدها في المجلس. أما نظام «الشيوخ» الذين تم تعيينهم في كل الوزارات والمؤسسات كسلطات ظل للواجهات العلنية، فيذكّرنا بالتفارق بين التراتبية الحقيقية وتلك الظاهرة بين ضباط الجيش في الجيش الأسدي، فكانت رتب أدنى تعلو رتباً أعلى من حيث السلطة الفعلية الممنوحة لكل منها.
يمكننا إضافة الكثير من الجوانب الأخرى إلى تركة النظام الأسدي في الحكم الجديد، كـ «الإدارة السياسية» التي يرأسها وزير الخارجية (!) وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة من أنشطة سياسية أو ثقافية أو مدنية، فتمنع وتسمح كيفياً، أو جهاز الأمن الداخلي الذي يقوم باعتقالات غير مسوغة قضائياً بناءً على وشايات أو تقديرات «الشيخ»، ومنذ الآن أصبحت في سوريا «الجديدة» حالات قتل تحت التعذيب.
لا يمكن للاحتضان العربي والدولي للحكم الجديد أن يُعوّض عن غياب أي إنجاز على طريق استعادة الاستقرار والحياة الطبيعية للسوريين. وهو احتضان مشروط بطبيعة الحال بتحقيق مصالح تلك الدول بعيداً عن آمال وتطلعات السوريين في بناء دولة تمثلهم وتخدمهم.
كاتب سوري