تمتد جذور المسألة الكردية في سوريا إلى التوافقات التي تمت بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى والدولة التركية الحديثة التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية في إطار مؤتمر لوزان 1923 الذي اعتمد اتفاقية سايكس بيكو 1916 ولواحقها أرضية للتوافقات المعنية. وهي التوافقات التي قسّمت الكرد الذين كانوا خاضعين للدولة العثمانية، شأنهم في ذلك شأن العرب في المنطقة، ووزعت بلادهم بين ثلاث دول هي تركيا والعراق وسوريا، بالإضافة إلى كرد إيران الذين كانوا قد أصبحوا مع أرضهم بموجب اتفاقية قصر شيرين 1639 تحت سيادة الدولة الصفوية 1501-1736، ومن ثم الأفشارية 1736-1796، والقاجارية 1796-1925، والبهلوية 1925-1979، ومن بعدها الدولة الإسلامية الراهنة 1979.
وما زالت هذه المسألة تحتفظ بِبُعديْها المحلي والإقليمي منذ بدايات الدولة السورية وحتى يومنا هذا؛ وقد باتت اليوم موضع اهتمام دولي خاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
وما حصل في حلب قبل أيام من معارك وانتهاكات موثقة تبني جدران الخوف والشك والكراهية بين السوريين؛ وما كان من تدخّلات إقليمية ودولية استهدفت إيجاد مخرج لموضوع المواجهات التي كانت في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية، أكدّ مجددا تداخل الأبعاد والاهتمامات المعنية، وتأثيراتها وتفاعلاتها المتبادلة.
الموضوع الكردي السوري هو أقدم وأعمق وأهم من موضوع «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» و«قسد». والوجود الكردي متجذّر في الفضاء السوري منذ أقدم العصور التاريخية وصولاً إلى عهد الدولة السورية الراهنة التي شهدت النور بعد الحرب العالمية الأولى. وكل محاولة لاختزال القضية الكردية والتمثيل الكردي في «قسد» سواء من جانب الحكومة السورية أو الإعلاميين المدافعين عنها، أم من جانب الكرد والإعلاميين المقربين من «قسد» أو المدافعين عنها، إنما هو أمر يجانب الواقع، ويضلّل غير المتابع أو غير المطلع على تاريخ وجغرافية المنطقة، ويجهل جذور وأبعاد الموضوع الكردي السوري.
الموضوع الكردي السوري يخص المكون القومي الثاني (بعد المكون العربي) من جهة الحجم على مستوى البلاد. وهو موضوع متداخل مع الواقع الكردي في تركيا وإقليم كردستان العراق، وذلك بناء على معطيات التاريخ والجغرافيا والاعتبارات الجيوسياسية. ولعل هذا الأمر يفسر إلى حد كبير حرص الجانب التركي على متابعة ومعرفة التفاصيل الدقيقة لمضامين المباحثات والمفاوضات بين الحكومة السورية و«قسد»؛ وإطلاق التصريحات المستمرة بخصوص ضرورة التزام «قسد» باتفاقية العاشر من شهر آذار/مارس المنصرم، وهي الاتفاقية التي وقّع عليها كل من الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.
من جهة أخرى، يؤكد حرص الجانب التركي على التواجد في أجواء المباحثات المفصلية بين الجانبين السوري والأمريكي في واشنطن، وبين وفد الحكومة السورية والوفد الإسرائيلي برعاية أمريكية في باريس، والتواصل مع القيادة السورية بصورة مستمرة، وجود استراتيجية تركية خاصة بسوريا تتمحور حول ضرورة اعتراف مختلف الأطراف المنخرطة في الشأن السوري بالنفوذ التركي في الشمال السوري وذلك أسوة بالنفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري، وفي إطار لعبة الشد والجذب بين الطرفين في عملية الصراع على النفوذ والدور الإقليميين. وسوريا باعتبارها بوابة الاستقرار والاضطراب، حسب التوافقات بين الأطراف الإقليمية والدولية في المنطقة، تقع في قلب هذا الصراع. والموضوع الكردي السوري بدوره له أهمية خاصة في السياسة التركية المتبعة مع سوريا، وذلك لتداخله مع الموضوع الكردي في الداخل التركي عبر بوابة «حزب العمال الكردستاني» الذي يظل هاجساً بالنسبة للحكومة التركية؛ هذا رغم إعلان هذا الحزب عن حل نفسه بناء على دعوة أوجلان، وهي الدعوة التي فُسرت بأنها كانت استجابة تفاعلية إيجابية مع مبادرة دولت بهجلي رئيس الحركة القومية التركية غير الواضحة المعالم حتى الآن.
إلى جانب الاهتمام التركي الاستثنائي بالموضوع الكردي السوري، ما زال الجانب الأمريكي يعلن في مختلف المناسبات بأنه مستمر في تعاونه مع «قسد» من خلال التحالف الدولي لمكافحة داعش، وهو التحالف الذي انضمت الحكومة السورية إليه مؤخراً، وأُعلن عن ذلك أثناء زيارة الشرع الأخيرة إلى واشنطن. فالولايات المتحدة تعتمد على قسد في العمليات الخاصة بمتابعة وملاحقة عناصر وخلايا داعش. ولكن من الواضح في الوقت ذاته أنها من خلال مبعوثها الخاص توم براك، مهتمة بعملية المفاوضات بين قسد والحكومة السورية، ولديها رغبة، وفق ما هو ظاهر معلن، بوصول الطرفين إلى توافقات لتنفيذ ما اتفقا عليه في العام الفائت.
كما أن الحرص الأمريكي على أخذ هواجس تركيا بخصوص النفوذ الإسرائيلي في سوريا والحساسية التركية تجاه الموضوع الكردي، وتجاه «قسد» تحديداً، بعين الاعتبار؛ وهي تحاول طمأنة تركيا عبر الإقرار بنفوذها في الشمال السوري، وهو الأمر الذي لا تعارضه الحكومة السورية راهنا وفق ما يُستشف من التحرّكات والاتصالات والتصريحات.
من جهة أخرى من الواضح أن «قسد» تحاول من ناحيتها حصر التمثيل والتفاوض بخصوص الموضوع الكردي السوري في نفسها، تماما كما فعل حزب العمال، ويفعله حالياً أوجلان في تركيا. فبعد الكونفراس الذي انعقد في القامشلي في 26 نيسان/أبريل المنصرم، وضم مختلف القوى السياسية الكردية والشخصيات الكردية المستقلة في الداخل، والتوافق على رؤية سياسية كردية مشتركة بشأن المسألة الكردية السورية، كان من المتوقع أن تناط مهمة التفاوض مع الحكومة استناداً إلى تلك الرؤية بوفد مشترك يمثّل مختلف القوى السياسية الكردية؛ وقد تشكّل هذا الوفد بالفعل، ولكنه بقي مجرد خطوة رفع عتب من دون أي تأثير أو مفعول.
ومن المعروف أنه قد انعقدت حتى الآن عدة جولات تفاوضية بين «قسد» وممثلين عن «الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا» من جهة، والحكومة السورية من جهة أخرى، لم تسفر عن شيء، ولم يتمكن المتفاوضون من إحداث اختراقات كان من شأنها فتح الآفاق أمام التوصل إلى اتفاق. بل على العكس من ذلك كانت الانسدادات وعمليات تبادل التهم بالتعطيل والتهرّب من الاستحقاقات عبر المماطلة والتسويف. وكان القاسم المشترك بين كل تلك الجولات التفاوضية تركيزها على البنود التطبيقية الإجرائية الإشكالية وأهملت الموضوع المفصلي، ونعني به التوافق السياسي حول رؤية مشتركة، واتخاذ خطوات عملية مطمئنة على الأرض بخصوص معالجة الموضوع الكردي الذي يتشخص في الاضطهاد المزدوج الذي يعاني منه الكرد منذ عقود طويلة. ونعني بذلك حرمانهم من الحقوق القومية المشروعة من ثقافية واجتماعية وسياسية وإدارية؛ وتعرّضهم في الوقت ذاته لجملة من المشاريع والإجراءات التمييزية مثل الإحصاء والحزام والتعريب القسري والحرمان من المشاركة في إدارة الدولة، وسدّ الأبواب أمام شبابهم للانتساب إلى كليات الجيش والشرطة، والحصول على البعثات الدراسية الداخلية منها والخارجية وغيرها من السياسات والإجراءات التمييزية.
وبهذه المناسبة نرى أن الخطوة الأهم التي ينتظرها الكرد من الحكومة السورية الحالية هي أن تقدّم تصورها لحل الموضوع الكردي في صيغة وثيقة، تكون أرضية للنقاش والتفاعل على أمل دفع الأمور نحو التوافق على حل عادل يكون في مصلحة كل السوريين من دون أي استثناء.
الوضع السوري العام ليس على ما يُرام. لا بد من الاعتراف بهذا الواقع لفتح المجال أمام الجهود الوطنية الباحثة عن الحلول الواقعية الممكنة. وبغض النظر عن التباينات بين مواقف مختلف الأطراف والتوجهات حول طبيعة هذه الحلول أو جدواها، فإنه من المؤكد أن ذلك لن يحل عبر الترويج لفكرة تحالف الأقليات، أو القول بأن الحل هو ما يقره المكوّن الأكبر عددياً. فرغم الأحداث المؤسفة التي كانت في الساحل والسويداء وقبلها حادثة الهجوم على الكنيسة في دمشق، وبعدها ما حصل في الأشرفية والشيخ مقصود، وهي الأحداث التي أدانها معظم السوريين وتعاطفوا مع ضحاياها الأبرياء بغض النظر عن انتماءاتهم المجتمعية؛ رغم كل ذلك يظل التحالف السياسي العابر للطوائف والقوميات والجهات والتوجهات هو الضامن لحقوق سائر السوريين من جميع الانتماءات. ولكن ذلك لن يكون من دون وجود دولة عادلة حيادية تكون على مسافة واحدة من جميع مكوناتها المجتمعية ومواطنيها الأفراد، دولة مؤسساتية تطمئن الجميع من خلال تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية بنزاهة أكيدة، وشفافية لا تفسح المجال أمام القيل والقال؛ وتحقيق المصالحة الوطنية المجتمعية الشاملة؛ وإتاحة المجال أمام السوريين للتعبير عن آرائهم، وعرض وجهات نظرهم وبرامجهم بشأن مقاربة المشكلات الموجودة في مختلف الميادين، وإيجاد الحلول الواقعية الممكنة لها، وتقديم المشاريع المستقبلية للنهوض بالاقتصاد السوري لتمكين المواطنين من الحصول على شروط العيش الكريم من خلال فرص العمل. وهذا يستوجب بطبيعة الحال إصدار القوانين الخاصة بحرية التنظيم والاجتماع والاعتصام والتظاهر تحت سقف الدستور والقوانين المنبثقة عنه؛ والقطع النهائي مع الخطاب الطائفي العنصري بكل أشكاله.
وأخيراّ وليس آخراً، تبقى الوحدة الوطنية المرتكزة على الخطاب الوطني الجامع، واحترام الحقوق الجمعية لسائر المكوّنات على قاعدة وحدة الشعب والوطن، والتعامل مع سائر المواطنين كأفراد متساوين في الحقوق والواجبات بموجب الدستور والقوانين المنبثقة عنه، هي الضمانة المطمئنة لسائر السوريين.
*كاتب وأكاديمي سوري