سلام القوة والهيمنة… والعصر الذهبي لإسرائيل

حجم الخط
0

في خطابٍ مثير ألقاه دونالد ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي، بدا وكأنه لا يتحدث إلى برلمان دولةٍ أجنبية، بقدر ما يخاطب جمهورا يؤمن بأنه صانع مجدهم وراعي مشروعهم الأبدي في الهيمنة على الشرق الأوسط، ففي كلماته التي مزجت بين الفخر والتهديد، قال ترامب إن «السلام سيتحقق من خلال القوة»، وإن لدى بلاده «أسلحة لم يحلم بها أحد»، وأضاف بوضوح، أن كثيرا من هذه الأسلحة «قُدّمت لإسرائيل» لتكون قادرة على فرض رؤيتها الخاصة للسلام، مؤكِداً أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كان يتصل به مراراً «ويطلب شتى أنواع الأسلحة»، وأنه لبّى معظم تلك الطلبات، لأن إسرائيل، كما قال «أحسنت استخدام الأسلحة الأمريكية».
هنا لا يتحدث ترامب عن سلام، بل عن إعادة تعريف لمفهوم السلام نفسه، إذ يجعله مرادفاً للهيمنة والتفوق العسكري، سلامٌ تصنعه الطائرات والصواريخ، لا العدالة والاتفاقات، سلامٌ يتأسس على الرعب لا على القيم أو التفاهم، وهو جوهر العقيدة الترامبية التي تنظر إلى السياسة الدولية كصفقةٍ محكومةٍ بالقوة والمكسب، لا بالمبدأ أو القانون، ومن خلال هذه العدسة يمكن فهم المعنى العميق لعبارته حين قال، إن هذا اليوم هو «فجر تاريخي لمستقبل شرق أوسط جديد»، فذلك «الفجر» الذي يبشر به ليس إلا بداية عصرٍ من إعادة التشكيل، تُكرّس فيه إسرائيل بوصفها القوة المركزية والمهيمنة، فيما تتحول بقية دول المنطقة إلى محيطٍ سياسي واقتصادي يدور في فلكها وتحت وصاية واشنطن.
وما يزيد هذا المعنى وضوحا إشارته إلى «إعادة اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية»، وهو تصريح لا يهدف إلى استئناف علاقاتٍ دبلوماسيةٍ منقطعة، بل إلى ترميم منظومةٍ كاملة من التحالفات التي تآكلت بعد حرب غزة، حيث يسعى ترامب إلى إحياء فكرة «الشرق الأوسط الجديد» من بوابة التطبيع الشامل، أي بناء نظامٍ إقليمي يقوم على دمج إسرائيل في قلب العالم العربي وشرعنة وجودها، من خلال اتفاقات أمنية واقتصادية، تُقدَّم على أنها طريق الازدهار بينما هي في حقيقتها غطاءٌ لاستمرار الاحتلال وتوسيع النفوذ الأمريكي ـ الإسرائيلي.
الخطاب في جوهره إعلانٌ عن «سلامٍ إمبراطوري» لا يختلف عن «سلام القوة» الذي طالما تبنتْه واشنطن في مناطق النفوذ، سلامٌ يُفرض لا يُبنى، وتُكتب بنوده على أجنحة الطائرات المقاتلة لا في قاعات المؤتمرات، سلامٌ يُراد له أن يُعيد صياغة الوعي العربي، من خلال لغة التفوق الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، ويجعل من التطبيع خيارا قسريا لا مفر منه تحت عنوان «العصر الذهبي لإسرائيل والشرق الأوسط».
أما حديثه عن نتنياهو بوصفه «شخصاً ليس من السهل التعامل معه، لكن هذا ما يجعله عظيماً»، فهو يكشف جانبا نفسيا عميقا في رؤية ترامب للقوة، فالإعجاب المتبادل بين الرجلين لا يقوم على القيم المشتركة بقدر ما يقوم على الانبهار المتبادل بالعدوانية والدهاء، فكلاهما يرى في الصلابة والعناد طريقاً إلى العظمة، وفي الابتزاز وسيلةً لتحقيق الانتصار، لذلك بدا ترامب وكأنه يعيد رسم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية على أساس الشراكة في الغطرسة لا في القيم، وفي السيطرة لا في المبادئ.
إن خطابه أمام الكنيست ليس احتفاءً بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي فحسب، بل هو إعلانٌ لمرحلةٍ جديدة من الصراع، مرحلةٍ تُرسم فيها خرائط الشرق الأوسط بمداد القوة والسلاح، وتُختزل فيها معاني السلام إلى معادلةٍ تقوم على أن من يملك التفوق العسكري يملك الحق، ومن يملك السلاح يملك الشرعية، وهو منطق الإمبراطوريات القديمة الذي يُعاد إنتاجه في ثوبٍ حديثٍ تحت شعار «السلام من خلال القوة».
وفي النهاية يمكن القول، إن ترامب لم يعلن أمام الكنيست مشروع سلامٍ جديداً، بل أعلن مشروعاً للهيمنة مغلفاً بخطابٍ منمّق عن الازدهار والتناغم، فالشرق الأوسط الذي يتحدث عنه ليس شرق أوسط جديداً كما يزعم، بل هو شرق مكسور الإرادة، تُرسم له ملامح الخضوع باسم السلام، وتُكتب له حدودٌ جديدة بمداد الدم والسلاح.

كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية