سام شتاين: دربونا على الرماية باستخدام مجسمات الفلسطينيين

وائل الحجار
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: نشأ سام في نيويورك، في بلدة صغيرة في لونغ آيلاند في الولاية، تُدعى لورنس، حيث يكوّن اليهود الأرثوذكس غالبية المجتمع، كما يروي بنفسه في حوار مع «القدس العربي». يصف مجتمعه بأنه يقع «في منزلة بين الأرثوذكسية الحديثة والأرثوذكسية المتشددة جدّا». يقول إنه التحق بمدارس يهودية خاصة خلال طفولته، ولم يلتق أو يتفاعل بشكل حقيقي مع أي أطفال من غير يهود. كانت البيئة شديدة الانغلاق، وغير منفتحة على أي عامل خارجي، وتتلقى قيمها، «وغالبيتهم من الطينة نفسها، ويتشاركون الرؤى ذاتها حول كل شيء، لاسيما الصهيونية”.
راودت سام الشكوك مبكرا، لكنها لم تصل أبدا إلى التشكيك بالصهيونية، «فالصهيونية وإسرائيل كانتا دائما بمنزلة الأمر الذي لا يُمسّ»، ويحرص على التنويه بأن ما يتحدث عنه لا ينطبق على كل البيئات الأخرى من العالم اليهودي ـ الأمريكي، الأكثر تنوعا.

من المدرسة في أمريكا إلى الضفة

يروي سام بعضا من جوانب التعليم خلال المدرسة. «في حصصنا يبدأ المعلم أو الحاخام بخطاب جانبي مدته خمس دقائق عن إسرائيل، فيتحدث عن مدى كراهية العرب لنا جميعا، ويقول إنهم (أي العرب) يريدون أرضنا لأنّها ملكنا، ولأنهم لا يستطيعون امتلاكها، وأننا لا نرتكب أي خطأ، من غير أي يتطرّق إلى النقاط الجوهرية في المسألة. فلا يوجد ذكر للسياق التاريخي، ولا لما يحدث فعليا على الأرض. لا ذكر للاحتلال، ولا لنقاط التفتيش، ولا للمنطقة «ج»، ولا لأيٍّ من هذه الأمور». لكن ما الذي دفع سام إلى الذهاب إلى «إسرائيل»؟

طالب «مخينا» الأسبق … ناشط اليوم ضد الاستعمار

“بعد المرحلة الثانوية في مجتمعي، كان يُتوقع منك بشكل عام أن تذهب وتدرس التوراة في إسرائيل لمدة سنة، وليس بالضرورة دائما في مكان يعدّ في «إسرائيل». وهذا ما فعله سام. «أتذكر أنني لم أكن أعرف حقيقة إلى أين أريد أن أذهب. أرسل لي الحاخام البرنامج، فبدا مثيرا للاهتمام، وأكثر حيوية، وهذا ما جذبني». كان برنامج «المخينا» الذي التحق به سام، غريبا عليه في البداية. بحث عنه وعن ماهيته، فاستنتج أنه يحضّ في أحد جوانبه على التوجّه إلى الجيش الإسرائيلي. لكن هذه الفكرة لم تأخذ حيزا واسعا من تفكيره كما يقول، وقرر الالتحاق بالبرنامج. لكن إلى أين؟ يتذكر سام: «كنت أتحدث مع فتاة من عمري، فسألتني أين مقصدي؟ فأجبتها: إلى «إفرات». وإفرات واحدة من المستوطنات الكبيرة في تكتل مستوطنات «غوش عتصيون». فقالت: بعد الخط الأخضر؟ يا لك من صهيوني جيد! وكانت تلك أول مرة أسمع فيها عبارة «الخط الأخضر». لم أكن أعرف ماذا يعني ذلك.. عرفت أنني كنت بعد الخط، وأن هذا ما جعلني صهيونيا جيدا!”.

بعد الخط الأخضر

سافر سام إلى فلسطين. لم تكن أول مرة له في الضفة الغربية، فهو يكاد يجزم بأنه زارها قبل ذلك خلال عطل برفقة والده، لكنه ليس متأكدا من المكان. «لم نكن نقول «الضفة الغربية» أبدا. كنا نقول فقط «غوش عتصيون»، أو «يهودا والسامرة»، وما إلى ذلك. أعتقد أن كل شيء هناك كان أكثر حدة لناحية الخطاب والدعاية، وهذا منطقي. وأظن أن هذا ينطبق على البرامج المشابهة التي ذهب إليها زملائي، وحتى إن لم تكن في المستوطنات”.
لكن هل كان سام يفكر حقا في الانضمام إلى الجيش؟

“ليس حقا. بعض زملائي في الصف كانوا يفكرون في ذلك أكثر مني بكثير”.
كان الأب في حالة سام هو الدافع والمشجع له لكي يلتحق بالجيش. «لم يكن يريدني أن أقضي سنة فراغ. كان يرغب في أن أنضم مباشرة إلى الجيش. وفي النهاية، فكرت في ذلك، ولحسن الحظ لم أفعل، فالتحقت مباشرة بالجامعة”.

جنبا إلى جنب مع «شبيبة التلال»

شكلت برامج «المخينا» جزءا من التيار الديني الصهيوني، ومن المجتمع، يقول سام. تقوم الفكرة كلها على قضاء نصف الوقت بدراسة التوراة والدراسات اليهودية، والنصف الآخر في القيام بشيء «أكثر نشاطا بقليل». «في الصباح، كنا نستيقظ ونحضر دروس التوراة، حتى وقت الغداء. كل ثلاثاء مثلا، كنا نذهب في رحلة ومسير مختلف. وفي مساء الأربعاء، كانت لدينا حصص “Krav Maga” (تعني مكافحة الإرهاب). وكل هذا قد يبدو ظاهريا طبيعيا، حتى المسير والتطوع، إلا أنهما كانا مرتبطين بشكل عميق بالجناح اليميني في الصهيونية”.

«كان‭ ‬المعلم‭ ‬يلقننا‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬يكرهوننا‭ ‬ويريدون‭ ‬أرضنا»

أدرك سام أن المجموعات التي يحتك بها ويتشارك معها في أنشطة داخل الضفة الغربية، ينتمي بعضها إلى تنظيم شديد التطرف.. وهو تنظيم مارس العنف علانية بحق الفلسطينيين، لدرجة ان رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك وصفه بأنه «إرهاب محلي الصنع وإرهاب يهودي الصنع». أحد الأنشطة «التطوعية»، الأولى كانت في مركز لـ»الشباب المعرّضين للخطر» في مستوطنة قريبة، «حيث أدركت لاحقا أن هؤلاء الشباب كانوا جميعا من «شباب التلال»، وأن هذا المركز كان في الأساس بؤرة استيطانية. كنا نذهب معهم للسباحة في نبع ماء”.

رماية على مجسمات فلسطينيين

يروي سام أنه خلال نشاطه في الضفة مع المستوطنين، ضمن برنامج «المخينا»، كان يحدث أن يرافق عددا من الفتية إلى قرية فلسطينية. «كنا نسرق من قرية ما، ونساعدهم على بناء ما يمكن استخدامه لسرقة المزيد من الأرض». كما يتحدث عن تجربة «تطوع» في مأوى للحيوانات في مستوطنة تُسمى «إلعازر» (على أرض قرية الخضر الفلسطينية غرب بيت لحم). يقول إن الفكرة بدت له «أكثر براءة. لكن عندما يفكر فيها الآن، يتساءل: «يا إلهي، كم هو أمر غير سويّ أن تكون في مأوى حيوانات داخل مستوطنة، في حين أن المستوطنة بحد ذاتها انتهاك لحقوق الإنسان!». أما حصص «مكافحة الإرهاب» «ماغا كرافا»، فـ»كان طابعها العسكري ظاهرا جدا. كانوا يوفرون لنا تدريبات على إطلاق النار، وكانت الأهداف صورا عنصرية لفلسطينيين يرتدون الكوفية ويحملون سكاكين”.
عمر سام خلال تلك الفترة ثمانية عشر عاما.

وقد شارك في البرنامج، كما يؤكد، طلاب معظمهم من الولايات المتحدة الأمريكية، وآخرون من كندا، ويتشاركون كلهم مع مستوطنين محليين. يقول «كنا موجودين في الحرم نفسه مع «يشيفوت هسدر»، وهي في الأساس مدرسة للدراسات اليهودية مدمجة ضمن نظام التجنيد في الجيش. أُنشئت، على ما أعتقد، لجذب المزيد من أفراد المجتمع الأرثوذكسي في إسرائيل للتجنيد، عبر القول لهم: «يمكنكم دراسة التوراة لسنتين، ثم الخدمة في الجيش لسنة أو سنتين، ثم الدراسة مجددا، ويمكنكم أن تكونوا في الجيش بطريقة تتناسب مع دينكم». يتذكر سام شتاين أنه لم يكن مندمجا بشكل كامل مع المستوطنين المحليين. فلغته العبرية كانت ضعيفة جدا في ذلك الوقت، لكن أقرانه كانوا يتلقون دروسا مشتركة مع المستوطنين، ويعيشون في المستوطنات.

عرب وليس فلسطينيين

لا تزال صورة الفلسطيني كما أريد لها راسخة في ذاكرة سام.
“في الأساس كانوا مجرد «عرب». لم نستخدم كلمة «فلسطيني»، بل فقط «عرب». وإذا ذُكرت الكلمة، فللحديث عن أنهم «مجرد عرب» وأنهم في الحقيقة «أردنيون» أو غير ذلك من الهراء». فالصورة السائدة التي تلقاها هي أن الفلسطينيين «كلهم إرهابيون. بهذه البساطة. هذا ما قيل لنا». ويكرر أن تدريبات الرماية التي خضع لها كانت «عبارة عن إطلاق النار على إرهابيين يحملون سكاكين ويرتدون الكوفيات». يقول «كان ذلك يثير لديّ شكوكا كبيرة. فهو يتعارض مع قيم أخرى كنت قد نشأت عليها في أمريكا، فضلا عن معرفتي بالفصل العنصري ومعرفتي بالعنصرية في أمريكا تجاه الأمريكيين السود. وسماع هذا النوع من العنصرية الذي يصنّف جميع الناس بطريقة معينة، جعلني قادرا على إدراك أنه هراء، حتى لو لم أستطع، أو لم تكن لديّ الأدوات، لتفكيك نظام القمع بأكمله وتحليله وفهمه”.
فالحاخامات الذين تفاعل معهم سام «يتحدثون بسلبية عن جميع الفلسطينيين. وكنت دائما أقول لنفسي: هذا غير منطقي”.

«إسرائيل محتلة من العرب»

ماذا عن واقع الاحتلال من وجهة نظر القانون الدولي.. فحسب الفهم السائد «المينستريم» للقانون الدولي تعد الأراضي التي غزتها إسرائيل عام 1967 أراضي محتلة، بما في ذلك القدس الشرقية والضفة الغربية. يقول سام إن كلمة الاحتلال ـ قبل التحاقه ببرنامج «المخينا»، نادرا ما كانت تذكر. وعندما تذكر ففي سياق حديث أحد الحاخامات، أو المدرسين عن فهمه كيف لا يوجد أصلا احتلال.
يقول سام «لقد جردوا كلمة «احتلال» من أي معنى حقيقي، وبدلا من الحديث عن القانون الدولي والإقرار بأن هناك تعريفا لكلمة «احتلال» وأن الضفة الغربية محتلة، أصبح الأمر يتعلق بتحويل «الاحتلال» إلى مجرد كلمة رنانة، وأنه إذا تحدث شخص ما عن الاحتلال، فهو لا يتحدث عن أمر قانوني، بل يفصح عن رفض وجود اليهود في الأرض». وهكذا «يصبح بإمكانهم تصوير أي شخص يذكر كلمة «احتلال» معاديا للسامية. واحدة من أولى المرات التي أذكر أنني سمعت فيها كلمة «احتلال» كانت عندما قالها أحد حاخاماتي في «المخينا». كنا في مستوطنة، وكان هذا الحاخام يعيش في مستوطنة أخرى، وكان يشتكي من أن وصول الإسرائيليين إلى «جبل الهيكل» مقيّد، وقال: «إسرائيل محتلة من العرب.”
وكانت المصادر التي يستند إليها المدرسون «اللاهوت والأيديولوجيا والمشاعر فقط”.

تشويه الديانة

التناقض لا ينحصر بمفاهيم القانون الدولي الإنساني، بل بين قيم تدعو إليها الديانة اليهودية، وواقع الحال تحت سطوة مؤسسات التعليم الصهيونية، وفي المجتمع المعبّأ بالأيديولوجيا. يشرح سام عن ذلك في مقاربة للقيم التي كانت سائدة في مجتمعه في الولايات المتحدة الأمريكية. «لقد نشأتُ – وهذا في مجتمعي الخاص وجزئي من العالم اليهودي، وليس بالضرورة أن يكون صحيحا في بقية العالم اليهودي الأمريكي – في مجتمع عنصري جدا، وفي مجتمع يسوده التفوق العنصري في كثير من الجوانب، ليس فقط عنصريا، بل طبقيا أيضا، و(يميّز لناحية) من يملك المال. برز التناقض: أن تقرأ التوراة وتقرأ الآيات التي تدعو إلى الإحسان إلى الجار، وتتعلم من التلمود كيف تعيد بشكل صحيح شيئا فقده صاحبه إليه، والمدى الذي عليك أن تصله لتكون لطيفا مع محيطك. ثم تغلق الكتاب، ويبدأ الحاخام بقول أشياء عنصرية فظيعة، فظيعة.. في الحقيقة، الفكرة الجوهرية كانت أن كل هذه الأخلاقيات، إلى حد ما، لا تطبّق إلا على اليهود الآخرين”.

هذا هو الفصل العنصري

يعيد سام بداية شكوكه إلى المدرسة.. لكن في الكلية الجامعية بدأ يلتقي بأمريكيين غير يهود، وليبراليين، وأشخاص مختلفين، للمرة الأولى في حياته. “الحدث الأبرز، عندما التقيت بأحدهم وقد تحول إلى أحد أعز أصدقائي، وما زلت قريبا جدا منه حتى الآن، وقد نشأ بالطريقة نفسها التي نشأت عليها، لكنه بدأ أيضا يشكك وأصبح ناقدا صريحا للاحتلال أكثر مني، ولاسيما في البداية. أعتقد أنه كان ينتقد الرواية التي تربينا عليها. وهذا دفعني للتفكير، وإلى إعادة النظر في الأمر”.
خلال وجوده في مستوطنات الضفة، لم يحتكّ سام كثيرا بالفلسطينيين.
“كنا نرى الفلسطينيين طوال الوقت. لكننا لم نتفاعل معهم أبدا. كان هناك واحد أو اثنان يعملون في المستوطنة.. لكن لم نتبادل معهم حديثا حقيقيا. وأول مرة أذكر أنني التقيت بفلسطيني، أو استمعت إليه كان ذلك في الكلية، وكان للأمر أثر كبير». ويروي «كان هناك طالب فلسطيني في عمري جاء ليتحدث في «هليل» في جامعتي، وهو نادي الثقافة اليهودية، وفي الواقع هو نادٍ صهيوني جدا. كان الفلسطيني من بيت لحم، وكان لذلك وقع كبير عليّ، لأنني تذكرت كيف كنت ساذجا في التفكير أننا «جيران» لمجرد أن (مستوطنة) «إفرات» تقع إلى جوار بيت لحم. لقد ذكر عرضا، أنه احتاج للذهاب إلى القدس للحصول على موعد في السفارة (الأمريكية) للحصول على تأشيرة، ثم التوجه إلى الأردن، قبل أن يستقل الطائرة إلى الولايات المتحدة. أتذكر أنني قارنت ذلك بنفسي، وكيف أنني أنا ركبت الطائرة وسافرت إلى حيث أردت، من دون عناء. عندها قلت لنفسي: هذا هو الفصل العنصري”.

ناشط مع الفلسطينيين

قرر سام الالتحاق بجامعة تل أبيب للدراسات العليا، بعد الكلية مباشرة وبعد سماعه الشاب من بيت لحم، فضلا عن «تجارب أخرى دفعتني إلى مسار تحول سياسي كبير». و»عندما ذهبت إلى تل أبيب، كنت أعرف أنني أريد أن أشارك في نشاط تضامني مع الفلسطينيين. تواصلت مع كل من استطعت العثور عليهم، وانضممت إلى مجموعة تسمى “All That’s Left”، وهي مجموعة من اليهود الأمميين يعيشون في فلسطين وإسرائيل، ويشاركون في نشاط مناهض للاحتلال والفصل العنصري. كان ذلك في 2019، وبدأت أذهب إلى الضفة الغربية بشكل أكثر، ربما كل بضعة أسابيع مرة، وأقضي وقتا مع مجتمعات فلسطينية، خاصة في مسافر يطّا. وسرعان ما وجدت نفسي أهتم بذلك أكثر من اهتمامي بدراستي العليا. تركت الجامعة وانتقلت إلى القدس لأكون أقرب إلى كل شيء، وأركز أكثر على الحركة. كان ذلك في صيف 2020 بسبب كورونا. عندها بدأت أذهب إلى الضفة الغربية كل أسبوع تقريبا، وأحيانا أكثر، وأقضى الليالي في مجتمعات فلسطينية، حيث وجود الناشطين، وكانوا موجودين هناك تحسبا لعمليات الهدم في الصباح، وبدأت أشعر بأن ذلك أصبح حياتي وليس مجرد نشاط أقوم به في وقت الفراغ». ثم في ربيع 2021، شارك سام في برنامج مع «مركز اليهودية اللاعنفية»، يدعى «هينونو» ويعني «نحن هنا» بالعبرية. ويقضي هذا البرنامج بالعيش في قرى فلسطينية مختلفة لمدة ثلاثة أشهر. «كنا أربعة أو خمسة ناشطين يهود من العالم. عشت في أم الخير في مسافر يطّا لثلاثة أشهر كجزء من ذلك. وهناك بنيت صداقات مؤثرة جدا»، «أمضيت شهر رمضان، ودخنت الأرجيلة وشربت الشاي والقهوة مع الشباب، شكل ذلك لحظة فارقة بالنسبة لي”.

«هذه حياتي»

عندما انتقل سام للعيش وقضاء الوقت والمشاركة مع الفلسطينيين، كان عمليا قد تخلى قبل ذلك عن الكثير مما كان قد تعلمه. وهو ما دفعه إلى القيام بهذه التجربة.
لكن وجوده مع الفلسطينيين، عمّق ذلك. «يوجد دائما فرق بين أن تعرف شيئا وأن تختبره بنفسك. وأن يكون لديك أصدقاء، يمكنني أن أقرأ الأخبار وأفهم أن الاحتلال فظيع، وأن كل ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة، وفي النقب، وفي الضفة الغربية، وفي جميع أنحاء المنطقة فظيع. لكن الأمر مختلف تماما، عندما ترى بنفسك، وتعيش بنفسك ما يحدث لأصدقاء لك، ولأولئك الذين يستضيفونك، وللأشخاص الذين تهرع معهم لتوثيق هدم منزل، أو لتوثيق رعي مستوطنين أغنامهم في أرض فلسطينية خاصة، أو لمستوطنين يرمون الحجارة على الناس، أو يهاجمونهم، أو لجنود يعتقلون الناس». ثم، في آخر الليل، تجلس في خيمة، تشرب الشاي والقهوة وتشاهد كرة القدم مع هؤلاء الناس، الذين يرحبون بك في منازلهم.. هذا مختلف تماما. أعتقد أن وجود مثل هذه العلاقات هو فعلا ما جعل الأمر يتحول من «هذا شيء سيئ يحدث، وأنا أهتم به، وهو خطأ، وسأفعل ما بوسعي لمقاومته» إلى «هذه حياتي”.

عودة الهذالين

لا يذكر سام عودة الهذالين، إلا عندما نسأله عنه. وعودة، قتله المستوطن الإرهابي ينون ليفي في أم الخير في مسافر يطا نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي.. يتمالك سام نفسه..
“أعتقد أنك تعرف الإجابة على هذا السؤال.. كنت قريبا جدا من عودة الهذالين. عشت في أم الخير لمدة ستة أشهر بمفردي، بلا برنامج ولا منظمة. سألت الناس هناك إذا كان بإمكاني المجيء، فرحبوا بي. كنت قريبا جدا من عودة في أم الخير، وكان هو مضيفي طوال تلك الفترة، أكثر من نصف عام. في 28 يوليو، أطلق عليه مستوطن إسرائيلي النار وقتله”.

«بعض‭ ‬المستوطنين الذين‭ ‬كنا‭ ‬نتفاعل‭ ‬معهم‭ ‬أعضاء في‭ ‬تنظيم‭ ‬شبيبة‭ ‬التلال‮»‬

تعرض سام إلى مضايقات كثيرة بسبب تحوله.
واجه ردود فعل سلبية من أشخاص نشأ وترعرع معهم.. وما زال يواجه ذلك بين الحين والآخر. «في الحقيقة، أنا محظوظ. فآخرون تعرضوا لما هو أسوأ، لكن أشخاصا عرفتهم منذ المدرسة الثانوية كانوا يصرخون بي، ويكتبون تعليقات لئيمة على منشوراتي في وسائل التواصل الاجتماعي، بل يبعثون لي برسائل أكثر وقاحة. لم أعد أتحدث معهم، فما أهمية الأمر؟”.
سلطات الاحتلال الإسرائيلي وضعت سام أيضا في مرمى الاستهداف.
“أنت تهديد. أنت منبوذ وتهديد. وكل الناشطين الذين يقومون بهذا العمل مستهدفون إلى حد ما، سواء كان ذلك باعتقال بلا أي سبب على الإطلاق، أو بالتعرض للعنف، سواء من المستوطنين أو من الجنود. كل واحد منا تعرض لمثل هذا.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية