زهرة بريّة

فائدة طريفة للّغة جاءتنا بها الممثلة الكوميدية الأمريكية ليلي توملين: «اخترع الإنسان اللغة كي يُشبع رغبته في التذمر والاحتجاج». رحل عن دنيانا في هذه الأيام داود الفرحان، أبلغ «المتذمرين والمحتجين» على النظام السابق وحزب البعث، من كتّاب المقال الصافي بنكهة عراقية تُجيد كيفية الارتفاع بالنفس بواسطة خيال الأدب. مرونة المواضيع التي كان يتناولها، وطريقته الساخرة في الشكوى والاستنكار، والتي تدعو القارئ إلى الابتسام وتقطيب الجبين من الغضب في آن واحد، بالإضافة إلى شهادته عما يجري في بلاده، حيث يكون الصدق ضماناً للحقيقة، كلّ هذا جعل عموده الصحافي كأنما مميّزا بالأصفر، يأخذ عين القارئ إليه مباشرة، ولا يشعر بمرور الوقت في أثناء المطالعة، التي ربما أعادها أكثر من مرة.
في تلك السنين، كان داود الفرحان يمتلك مساحة من الحرية في الكتابة، يتجرّأ فيها بالقول على المسؤولين الكبار، بمن فيهم صدام حسين نفسه، الذي سنّ قانوناً بقطع لسان من يوجّه إليه كلاماً خشناً أو مثيراً للريبة، وقد طالت عقوبة الإعدام مواطنين كانوا يلمّحون بذلك بواسطة الإشارة. الشائع هنا أن الفرحان كان يشغل مركزاً مرموقاً في وزارة إعلام النظام، ومقالاته في الصحف يُقصد منها الدعاية بأن في البلاد أصواتاً معارضة لسياسة الدولة، وإسكات من يدّعي أنّه ثمة تضييق على حريّة الرأي. بمعنى أدقّ، كانت هناك نوايا غير سليمة وراء كتابات الفرحان، الذي ربما كان يسخر من ورائنا من نفسه، ومن نجاحه في عالم الصحافة. بشكل عام، صعب جداً أمر الإبداع عندما لا يكون مقصوداً، وينفلت من صانعه على الرغم من إرادته. ما هي الظروف التي أدّت بداود الفرحان، صاحب الموهبة الفذّة في كتابة المقالة، إلى اللعب على الحبلين؛ فهو قريب جداً من سلطة القرار في النظام الحاكم آنذاك، ومن أشدّ منتقديه والساخرين ـــ أو أنه الوحيد الفريد في زمانه ممن زاولوا هذا الباب في الصحافة. حتى الطبّ النفسي يعجز عن فهم الغرابة في طبيعة أفكار الإنسان الممزق، والإنسان المتمرد، وإذا دخل الإبداع الأدبي على الخطّ، زاد كثيراً من غموض الحالة وتعقيدها.
بين زمن وآخر يُطرح هذا السؤال: هل يمكننا التعامل مع الإبداع الأدبي، بمعزل عن شخصية الأديب؟ هل يجوز للفنان، أو للعبقري بلفظ أعمّ، أن يسعد ذاته ضمن ظروف شخصية محددة بعيداً عن الآخرين؟ الموضوع يشبه نهراً موحلاً لا أريد الخوض فيه، وأكتفي بالقول إن سلوك الإنسان لا تحدّده الاعتقادات والرغبات والنوايا وحدها، فمن الثابت عن الأنظمة الشمولية أنها تُبدع في ابتكار الأساليب التي تذلّ فيها مواطنيها، وتحاول تغيير مصائرهم. لكن الالتزام الإنساني والحسّ الأخلاقي أمران ضروريان جداً للأديب، في مختلف ظروف الزمان والمكان. إنه يشبه كثيراً رجلَ الدين في عصور الإيمان الذهبية، أيّ ثلمة في تاريخه الشخصي تقذف به إلى خارج الحلبة، وليس له شفيع عندها أو منقذ. هذا صحيح تماماً، وصحيح أيضاً أنه لا توجد في الحياة حقائق مطلقة، بل صياغات مختلفة للقناعات ذاتها.
الأدب طبيعة ثانية في الوجود، يقوم بصنعها الإنسان، فهو طبيعة الطبيعة إذن. وهذه استعارة بلاغية غير وافية؛ الأصح القول إنه الطبيعة الحقيقية للعالم، فقد تم تصويره وإدراكه بواسطة قلب الأديب لا عينه. وإذا كانت تربة الوطن عامة للجميع، وهواؤه وماؤه وكلّ ما في السماء، تكون الطبيعة الوليدة عامة أيضاً وتشملنا كلنا. أدب داود الفرحان اشترك في صنعه كلّ العراقيين، حتى أولئك الذين ينتمون إلى أحزاب المعارضة، وارتحلوا وسكنوا ديار المنفى، وكذلك الأموات الذين تشرّبت الأرض بخيالاتهم، وتشبّعت، يشكلون جزءاً حيوياً في تجربة الأديب، بل حتى قوانين حمورابي التي اندثرت قبل مئات السنين، لأنها باتت عنصراً مهماً في المناخ التاريخي للبلد.
عندما كان موفداً من قبل الحكومة العراقية إلى اليابان، كتب داود الفرحان موضوعاً أسبوعيّاً في مجلة «ألف باء»، تناول فيه المواقف التي تعرّض لها، مقارناً بين اليابان والعراق. جُمعت هذه المقالات في مؤلَّف حمل عنوان «بلد صاعد بلد نازل»، كتاب الفرحان الوحيد. لكن نتاجه الأهم هو المقالات التي كان يصدرها في زمان النظام السابق، وضاعت في صحف الثورة والجمهورية والقادسية وغيرها، ولا أدري إن كان أرشيفها باقٍ أم أنه تبخّر مع النظام السابق. يقول رولان بارت: «الأدب مخزنٌ للأشياء المفقودة». في إمكاني إذن، وفق هذه القاعدة، وعن طريق التأليف الأدبي، استعادة روح أو جوهر مقالتين منهما:
كانت فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة تجوب البلاد للتحرّي عن أسلحة الدمار الشامل، ووطئ الموظفون بأقدامهم بيت الرئيس صدام أيضاً وغرفة نومه، بينما كان هو مشغولاً بكتابة رواياته، فاقداً إحساسه بالحقيقة واتّصاله بالواقع. في ذلك اليوم، يقصد داود الفرحان إحدى دوائر الدولة لغرض تمشية معاملة تخصّ راتبه، ويجد الشعارات والزينة في كل مكان في المبنى. المناسبة هي 7 نيسان (عيد) تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي. يحاول الكاتب العثور على موظف أو عامل في الدائرة يفهم عنه طلبه، لكن الجميع كانوا منشغلين بالاحتفال وتثبيت صور جديدة للرئيس صدام حسين، ويقرّر عندها أننا نتحدّى فرق التفتيش بواسطة الاحتفالات، التي حوّلت كلّ شيء في البلاد إلى مادة للعرض والزينة فقط. ينتهي المقال بكلمتين غيّرتا المعنى كله: (كلّ شيء…)، أي حتى رئيس الدولة عندنا لا يقوم بدور حقيقي، فهو موجود للعرض والزينة فحسب. لاحظوا معي أن هذا المغزى يُمكننا نسخه ونقله إلى أغلب بلداننا في الزمن الحاضر، وتكون فحواه مطابقة تماما.
ليس هناك أمة أكثر بؤساً من تلك التي تسقط تحت حكم الطاغية، إذ تؤدي الكوارث المتعاقبة: «ويلٌ إثرَ ويل» بتعبير غيرترود أمّ هاملت في المسرحية، بعد سلسلة طويلة من الويلات تتآكل الحياة في البلاد، فتغدو باهتة مرسومة بالأسود والأبيض. يذهب داود الفرحان إلى السوق المركزي المملوك للدولة، وفي نيّته شراء مروحة هوائية لأن الصيف على الأبواب. لم يعثر على بُغيته، ويعود حاملاً لفّة من أنابيب من البلاستك أو المطاط لنقل المياه عند سقي حديقة المنزل. التورية واضحة إذا علمنا أن هذه الأنابيب كانت تُستعمل في عراق البعث في تعذيب السجناء، بعد أن تُحشى بمادة صلبة كالحديد أو القار وما شابه.
حجر الأساس في أدب داود الفرحان هو الفراهة في لغته، تقف وراءها قوة عقلية كبيرة، مكّنته من رسم الأشياء التي يستطيع القارئ رؤيتها وسماعها ولمسها. في العالم الذي بناه صدام حسين في العراق، وعلى الرغم من بساطتها الظاهرة، كانت كتابات الفرحان تطبع الشكّ لدى القارئ، وتجعله ينظر إلى التمزّقات في المجتمع من خلال عدسة مكبرة، فتنتابه أحاسيس غاضبة ويشعر بالرغبة في الانتقام، وما يترتب عليه من سلوى الأمل بتغيير النظام الحاكم. كان الفرحان يقود إذن ما يمكن وصفه بالحزب المعارض، مؤسسه هو والناطق باسمه وجميع جمهوره، ولم يبلغ هذه المنزلة لولا أن مقالاته كانت مأنوسة عند عامة القرّاء، يستوعبها الساذج والمتعلم، مثلما يقربها الناقد المتخصص. ميزة الأدب العظيم الأهم أنه يشبه الأزهار البريّة الصارخة؛ تبذل سحرها وتتيحه للجميع، وتزهر وتزدهر في أحلك الظروف.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية