لندن- “القدس العربي”: تساءل المؤرخ الفلسطيني- الأمريكي رشيد الخالدي، وأستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا، إن كانت هذه تستحق اسم الجامعة.
وفي مقال نشرته صحيفة ” الغارديان” أشار فيه إلى أن جامعة كولومبيا كانت دائما تدار كإمبراطورية مالية وليس كمؤسسة تعليمية، واليوم تتصرف كـ”فيشي على نهر هدسون”، في إشارة إلى حكومة فيشي الموالية للنازية في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.
لم يكن الأمر أبدا عن اقتلاع معاداة السامية، بل كان دائما عن إسكات فلسطين
وقال الخالدي في بداية مقاله “لم يكن الأمر أبدا عن اقتلاع معاداة السامية، بل كان دائما عن إسكات فلسطين. وكان هذا ما سيقود إليه تكميم أفواه الطلاب المحتجين، والآن تكميم أفواه أعضاء الهيئة التدريسية. ورغم استياء مؤيدي المذبحة الجماعية الإسرائيلية – الأمريكية في غزة من احتجاجاتهم، فإن أعدادا كبيرة من الطلاب الذين انتهكت حقوقهم في حرية التعبير عبر عقوبات قاسية كانوا يهودا”.
وأضاف أن العديد من أعضاء الهيئة التدريسية، الذين سيفقدون حريتهم الأكاديمية وحقهم في إدارة الجامعة، وربما يواجهون خطر الطرد، هم أنفسهم من اليهود، وبعضهم بلا شك إسرائيليون”. و”لو كان الأمر يتعلق حقًا بالتمييز، لكانت الجامعة قد اتخذت إجراءات ضد المضايقات المستمرة التي يتعرض لها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الفلسطينيون والعرب والمسلمون، وحلفاؤهم ومؤيدوهم، بدلًا من دعمها وتمكينها”. ويضيف أن جوهر القضية لا يتعلق بالتمييز، بل بحماية الأكاذيب الواضحة التي تروج بأن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية والإبادة الجماعية المستمرة منذ 17 شهرًا ضد الشعب الفلسطيني بأكمله لم تكن سوى “حرب على حماس”، أو أن أي شيء حدث في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يمكن أن يبرر المجازر المستمرة، التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 50,000 شخص في غزة، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إلى جانب التطهير العرقي الذي يتعرض له الفلسطينيون في وطنهم. فهذه الأكاذيب، التي صنعتها إسرائيل وتغلغلت في نظامنا السياسي ونخبنا الثرية، ظلت تُكرر بلا انقطاع خلال إداراتي بايدن وترامب، وفي وسائل الإعلام مثل نيويورك تايمز وفوكس نيوز، وها هي الآن تحظى بمصادقة رسمية من جامعة كانت يوما ما عظيمة.
الأكاذيب، التي صنعتها إسرائيل وتغلغلت في نظامنا السياسي ونخبنا الثرية، ظلت تُكرر بلا انقطاع خلال إداراتي بايدن وترامب، وفي وسائل الإعلام، وها هي الآن تحظى بمصادقة رسمية من جامعة كانت يوما ما عظيمة
ويضيف الخالدي أن هذه الأكاذيب متجذرة في عنصرية فاضحة. وقد كتب فرانز فانون أن ثنائية المستعمِر تصل أحيانًا “إلى نهايتها المنطقية، فتجرد المواطن الأصلي من إنسانيته، أو ببساطة، تحوله إلى حيوان”. وبالتأكيد، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يواف غالانت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واصفًا الفلسطينيين بأنهم “حيوانات بشرية”. فيما قال بنيامين نتنياهو عنهم: “لن أصفهم بالحيوانات البشرية، لأن ذلك سيكون إهانة للحيوانات”.
ويقول الخالدي إنه في ظل هذه الحرب الاستعمارية، ومن خلال هذه العدسات، تصبح حياة الفلسطينيين – كما هو الحال مع حيوات الملوّنين والسود – مجرد كتلة بلا قيمة أو هوية، مجردة من الإنسانية، في حين تُمنح حياة الآخرين قدسية ورثاء.
ويؤكد على ضرورة التمسك بهذه الحقائق لأطول فترة ممكنة، لأننا في هذا العالم الكابوسي الذي دخلناه، يصبح مجرد الإشارة إلى العرق والعنصرية، أو سيصبح قريبًا، انتهاكًا للقراءة المشوهة الحالية للقانون الفدرالي.
وبمجرد أن ينفذ الخونة الذين يديرون جامعة كولومبيا أوامر أسيادهم في واشنطن ومجلس أمنائها، ومع انتشار هذه الإجراءات إلى جامعات أخرى تحت التهديد، سيصبح التدريس، بل وحتى مجرد الاقتباس من نص قانوني، أمرًا محفوفًا بالمخاطر – تمامًا كما هو الحال مع ذكر العرق والعنصرية، ناهيك عن قضايا أخرى مثل الجندر والإعاقة وغير ذلك الكثير.
ويعلق الخالدي بأن الجامعات الأمريكية تقترب من وضع يشبه نظيره في الجامعات التشيلية خلال عهد بينوشيه، حيث حُظرت الأفكار والكتب، وطُرد الطلاب واعتُقلوا، واستولت السلطات على الأقسام الأكاديمية، وفُصل أعضاء هيئة التدريس والموظفون، تنفيذًا لأوامر حكومة استبدادية.
تقترب الجامعات الأمريكية من وضع يشبه نظيره في الجامعات التشيلية خلال عهد بينوشيه، حيث حُظرت الأفكار والكتب، وطُرد الطلاب واعتُقلوا، واستولت السلطات على الأقسام الأكاديمية، وفُصل أعضاء هيئة التدريس والموظفون، تنفيذًا لأوامر حكومة استبدادية
ويعلق الخالدي قائلًا: “لا ينبغي أن نحزن على ما آلت إليه جامعة كولومبيا، فمهما بلغت عظمتها، فإن ما يحدث اليوم ليس جديدًا”.
فقبل موجة الطرد الحالية وتعليق الدراسة، لم تطرد كولومبيا طالبًا بسبب احتجاج سلمي سوى مرة واحدة في تاريخها: كان ذلك في عام 1936، عندما فُصل طالب بسبب احتجاجه على منح النازيين منصة للتحدث. وفي عام 1953، وقّع رئيس الجامعة على رسالة تعلن أن الشيوعيين غير مؤهلين للتدريس. كما أقدم أمناء جامعة كولومبيا على فصل اثنين من أعضاء هيئة التدريس لمعارضتهما الحرب العالمية الأولى من منطلقات سلمية، بينما اعتُقل الطلاب الذين رفضوا المشاركة في الحرب لأسباب تتعلق بالضمير، بل وزُجّ بهم في السجن.
لطالما أُديرت جامعة كولومبيا كإمبراطورية تجارية وعقارية ضخمة وثرية أكثر منها كمؤسسة تعليمية. فهي مكان تُفرض فيه السياسات من قبل الأمناء والمانحين والمعاهد المهنية النافذة، وليس من قبل بقية أعضاء هيئة التدريس.
في ربيع عام 2024، صوّت ثلثا أعضاء هيئة التدريس في كلية الآداب والعلوم لصالح سحب الثقة من رئيسة الجامعة، التي رضخت للضغوط الخارجية، وتخلت عن مسؤولياتها، بل واستدعت شرطة نيويورك إلى الحرم الجامعي لأول مرة منذ عام 1968. لكن خلفتها تجاوزتها في ذلك، مما عزز التقاليد القمعية العريقة للجامعة وخضوعها المهين لإملاءات الحكومة، التي روج لها ودعمها بحماس عملاء وقحون داخل المؤسسة.
ويقول الخالدي إن كولومبيا، بعد استسلامها يوم الجمعة، بالكاد تستحق أن تُدعى جامعة. إذ سيخضع تدريسها وأبحاثها المتعلقة بالشرق الأوسط- وقريبًا مجالات أخرى – لمراقبة مشددة من قبل “نائب رئيس أول لشؤون التربية الشاملة”، وهو في الواقع نائب رئيس أول للدعاية الإسرائيلية. وقد أطلق عليها أنصار إسرائيل، الذين أغضبهم وجود أبحاث حول فلسطين في جامعة كولومبيا، اسم “بيرزيت على نهر هدسون”.
لكن إذا كانت لا تزال تستحق أن تُدعى جامعة، فيجب أن يُطلق عليها اسم “فيشي على نهر هدسون”.