تجري في مناطق الضفة الغربية محاولة عنيفة ومجرمة للتطهير العرقي. مجموعات من المستوطنين المسلحين والعنيفين يلاحقون ويعتدون ويصيبون ويقتلون أيضاً فلسطينيين يعيشون هناك. أعمال الشغب هذا تتضمن إحراق حقول زيتون وبيوت وسيارات واقتحام البيوت واعتداءات جسدي ضد السكان. ويعتدون على قطعان الأغنام ويحاولون تشتيتها وسرقتها. المشاغبون، الإرهابيون اليهود، ينقضون على الفلسطينيين بكراهية وعنف، بهدف واحد وهو طردهم من مكان سكنهم. كل ذلك على أمل تمهيد الأرض للاستيطان اليهودي، في الطريق إلى تحقيق حلم ضم كل المناطق.
كل ذلك يحدث أمام عيون رجال الشرطة والجنود المغمضة. من يحاولون الدفاع عن المشاغبين يقولون إن الأمر يتعلق بأقلية ضئيلة، بضع عشرات من المراهقين المجرمين الذين لا يمثلون الجمهور الذي يعيش في المناطق، والذي يعارض كما يبدو أعمال العنف. ولكن الأمر يتعلق بمئات الشباب العنيفين، الذين لم يكونوا يمكنهم القيام بأعمال الشغب هذه لو لم يتم تسليحهم بسلاح بمبادرة وتشجيع من وزير الأمن الوطني بن غفير. بكلمات أخرى، في الضفة الغربية، تعمل مليشيات مدعومة وبمساعدة غير مباشرة ومباشرة من قبل مسؤولين في حكومة دولة إسرائيل.
وشرطة إسرائيل هي أيضاً مصدر الإلهام للإرهابيين اليهود. فكل يوم يتم ارتكاب أعمال بلطجة ضد الفلسطينيين، وللدهشة فإن الشرطة لا تنجح في تشخيص المشاغبين أو منع أعمالهم قبل حدوثها أو اعتقال أي منهم بعد تنفيذ أعمال الشغب. في حالات كثيرة، ضحايا الأعمال الإجرامية هي هدف الشرطة لإنفاذ القانون. الفلسطينيون يتم اعتقالهم، وليس الإرهابيين اليهود. لو تعلق الأمر بحدث لمرة واحدة أو بفشل للشرطة صدفة لأمكن محاولة تبرير إخفاقاتها، لكن حسب الوضع الحالي، لا مناص من الاعتراف بأن الأمر يتعلق بسياسة متعمدة. شرطة إسرائيل تساعد بشكل ناجع وكسياسة على تنفيذ الأعمال الإجرامية.
يجب التساؤل أيضاً بشأن أداء جهاز “الشاباك” إزاء الأحداث المتكررة من النشاطات الإرهابية التي تنفذ على يد يهود. يبدو أن “الشاباك” لا يستخدم ضد الإرهابيين اليهود نفس الوسائل التي يستخدمها بنجاعة ضد الإرهاب الفلسطيني. فهو لا يعمل بشكل حثيث لإحباط الإرهاب اليهودي قبل تنفيذه، أو تشخيص المشاغبين والعثور على زعماء هذه العصابات واعتقالهم.
وأصبحت وزارة الدفاع شريكة في هذه السياسة. فنحن نذكر بيان وزير الدفاع “لم يعد هناك أوامر اعتقال إدارية ضد اليهود”، كان هذا تلميحاً واضحاً للمشاغبين بأن العائق الوحيد ربما الذي كان يمكن أن يردعهم أزيل من أمامهم.
الجيش الإسرائيلي في “المناطق” (الضفة الغربية) لا يقوم بخطوات تمنع أعمال الشغب، بل وإنه في حالات كثيرة يتعاون مع المشاغبين أو يظل قريباً من الأحداث، يشاهد ولا يفعل أي شيء.
زعماء الجمهور المتدين، ورؤساء حركة المستوطنين، ورؤساء المجالس الإقليمية في الضفة الغربية، يوفرون غطاء دفاعياً ويوفرون الدعم، الدعم السياسي والمساعدة الجماهيرية وحماية المشاغبين من الذين يمكن أن يتخذوا ضدهم وسائل يقتضيها القانون، الإرث والأخلاق اليهودية. ويعتبر رئيس المجلس الإقليمي لـ “منطقة بنيامين”، يسرائيل غانتس، من أبرز رؤساء المجالس الإقليمية. لا ننسى تأبينه لتسالا غاز من مستوطنة “بروقين”، التي كانت مع زوجها في الطريق للولادة في المستشفى عندما قتلت بوحشية على يد إرهابيين فلسطينيين (المولود توفي بعد بضعة أيام). قال غانتس: “الطريقة الوحيدة لمنع مثل هذه الهجمات العنيفة هو تحويل مراكز المدن والقرى التي يخرج منها القتلة إلى خراب”. الحشد الكبير الموجود صمت، ولم يسمع أي صوت احتجاج على التحريض من أي قائد من قادتهم البارزين.
الزعماء يمثلون موقف جزء كبير من اليهود الذين يعيشون في أراضي الضفة. لا طريقة لتبرير أو الدفاع عن هذا الجمهور. يقول كثيرون من الذين يمثلون الإرهابيين اليهود في برامج وسائل الإعلام بأن “شبيبة التلال” (الإرهابيون المستوطنون) فئة صغيرة جداً، أقلية من مثيري الشغب، معظمهم يعانون من أعراض عدم التكيف الاجتماعي. هذا ادعاء باطل. فالجالية اليهودية التي تعيش في الأراضي المحتلة تتستر على المشاغبين وتحميهم وتقدم لهم كل الدعم العملي الذي يحتاجونه للاختباء وحماية أنفسهم من الذين يجب أن يصلوا إليهم من أجل وقفهم. لا تفسير آخر لصمت سكان الأراضي المحتلة اليهود إزاء ما يحدث أمام أنظارهم. قد يعود ذلك إلى أن مثيري الشغب يعملون في بيئة داعمة ومشجعة. أما الجالية اليهودية الكبيرة، التي تعد مئات الآلاف والتي تقيم في الأراضي المحتلة، فتمتنع عن الرد؛ لأن هؤلاء الشباب يمثلون كما يبدو إرادتهم وتطلعهم وأملهم في أن يتمكنوا ذات يوم من التخلص من الجيران الفلسطينيين، وأن يصبحوا المالكين الوحيدين للأرض التي وعد بها إله إسرائيل، حسب عقيدتهم، الشعب اليهودي وحده.
في دولة سليمة (إسرائيل لم تعد دولة سليمة منذ سنوات)، كان يتوقع أن تتصدى الشرطة والنيابة العامة والمحاكم والحكومة ورئيس الحكومة ورئيس الدولة بحزم لهؤلاء الذين يثيرون الشغب. ولكن أي دولة تُنتهك فيها قواعد السلوك العام وتسحق أبسط مبادئ كرامة الإنسان والتسامح، ستكون فرصة وقوف أي جهة من هذه الجهات بقوة لوقف الجرائم، ضئيلة جدا.
في ظل غياب رد طبيعي من الدولة فإنه لا مناص من الأمل في أن يرد المجتمع الدولي، ويتخذ إجراءات سياسية تجبر الحكومة على استخدام الالية التي يجب عليها استخدامها في دولة ديمقراطية. كل ذلك من أجل وقف الجرائم ضد الانسانية التي ترتكب برعايتها وحمايتها وتأييدها ودعمها. ربما لن يكون مناص من توقع أن تكون محكمة الجنايات الدولية في لاهاي هي العنوان الحتمي للتحقيق، وكشف المسؤولين، واتخاذ التدابير التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى اعتقالهم ومحاكمتهم.
مذكرات الاعتقال التي صدرت ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي بدعوى أنهما المسؤولون عن الجرائم ضد الإنسانية في الحرب في غزة، لم يكن لها أي أساس. من المنطقي الادعاء بأن جرائم حرب ارتكبت في قطاع غزة أيضاً. الآن، أصبح معروفاً وجود أحداث غير عادية هناك تندرج ضمن تعريف جرائم الحرب، وسيتعين على الدولة التعامل مع الأمور التي سيتم التحقيق فيها وكشفها. ولكن لا يمكنني تأييد الادعاء الذي المتكرر، وجود سياسة متعمدة أدت إلى ارتكاب هذه الجرائم. لذلك من المنطقي الافتراض بأن إصدار مذكرات الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت لم يستند إلى أدلة قوية تشير إلى مسؤوليتهما الشخصية المباشرة.
وفيما يتعلق بما يحدث في المناطق المحتلة، فالأمر مختلف كلياً. هنا كل شيء مكشوف وواضح أمام كل المسؤولين عن إنفاذ القانون. والصمت والامتناع عن الرد الحازم والمناسب والتستر والدعم، كل ذلك يقع على عاتق الحكومة ومن يقودها.
عندما يأتي الرد الدولي الحتمي على هذه الجرائم فسيجادل كثيرون بأن هذا تعبير آخر عن معاداة السامية وكراهية إسرائيل. معاداة السامية توجد في العالم وتتجلى مظاهرها الكثيرة في أوروبا وأمريكا وأستراليا أيضاً، ما يحتاج إلى رد حازم، وهو الأمر الذي لا يترجم دائماً إلى تعبير مناسب في أفعال وقرارات زعماء العالم. ولكن من يتخذون خطوات ضد الإرهابيين اليهود وأنصارهم يستحقون التقدير والامتنان، وكلما أسرعوا في ذلك كان أفضل.
إيهود أولمرت
هآرتس 5/2/2026