غزة – «القدس العربي»: في خضم التحذيرات التي أطلقتها عدة جهات محلية ودولية، من خطورة تبعات القرار الإسرائيلي القاضي بمنع عمل 37 منظمة إغاثة دولية، أكد رئيس شبكة المنظمات الأهلية أمجد الشوا لـ «القدس العربي» ، أن هذا القرار الذي يتناقض مع القانون الدولي، تريد إسرائيل من خلاله أيضا إلى جانب تشديد الحصار والعقوبات على سكان المناطق الفلسطينية، منع شهود العيان من توثيق هذه الجرائم.
تغييب الشهود
وفي رده على سؤال «القدس العربي» حول مخاطر القرار الإسرائيلي وتأثيره على الواقع الفلسطيني خاصة في قطاع غزة، الذي يعاني من ويلات الحرب وتبعاتها، قال الشوا، إن القرار الإسرائيلي الذي بدأ في شهر مارس/ آذار من العام الماضي، حين أُعطيت هذه المنظمات مهلة تسعة شهور، لتلبية الشروط الإسرائيلية الجديدة لإصدار التراخيص، لكي تتمكن من العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث انتهت المدة نهاية مطلع العام الجديد، تريد من خلالها إسرائيل تمرير انتهاكاتها دون رقيب.
وأضاف «القرار يعد محاولة لإسكات صوت المنظمات الدولية، وخاصة التقارير التي صدرت عنها خلال فترة العدوان الإسرائيلي»، لافتا إلى أن وجود الموظفين الدوليين «يشكّل مراقبة ورقابة دولية على الأوضاع في قطاع غزة».
وأوضح أن إسرائيل تشترط في إصدار تراخيص جديدة لهذه المنظمات الأممية، أن يخضع الموظفون المحليون لـ «فحص أمني»، تتولى مهمته إسرائيل.
وهذا الفحص الأمني يعطي إسرائيل حق الاعتراض على أي موظف يعمل لصالح هذه المنظمات الإغاثية، بعد أن ترفع المنظمة التي تريد تشغيله في مشاريعها، اسمه للجانب الإسرائيلي.
وأكد الشوا أن هذا الأمر يتناقض مع مبادئ القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، وكذلك مبادئ ومعايير العمل الإنساني، وكذاك مبدأ الخصوصية والحفاظ على سرية المعلومات، وقال إن هذا الفحص الأمني الإسرائيلي «يمس بالأشخاص الذين سيتم فحصهم وفق معايير إسرائيلية، ولن يكون وفق معايير مهنية».
وأشار كذلك إلى أن معايير إسرائيل تتناقض مع معايير عمل هذه المنظمات الدولية، ما يعني أن معاناة الفلسطينيين ستتفاقم بشكل كبير جدًا، وسيطال الأمر الكثير من القطاعات، وأكثرها هشاشة في المجتمع من نساء وأطفال.
لا يوجد بديل عن خدماتها الصحية والإنسانية وتفكيك مخلفات الحرب
ومع بداية العام الجديد 2026، دخل قرار إسرائيل سحب تراخيص 37 منظمة إغاثة دولية حيز التنفيذ، ومن بين هذه المنظمات التي تعمل في المناطق الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة، «أطباء بلا حدود»، و»المجلس النرويجي للاجئين» ومنظمة «كير»، ومنظمة «وورلد فيجن»، و»أوكسفام».
وهذه المنظمات الإغاثية وغيرها تقدم خدمات في المجال الطبي والإنساني وكذلك المساعدات لسكان غزة الذين يعانون من ويلات الحرب، ومن بينها منظمات مثل «أطباء بلا حدود» تعد شريكا أساسيا في تقديم خدمات طبية منقذة للحياة، ومن شأن توقفها أن يؤثر على المرضى والمصابين بجراح خطيرة، والمصابين الذين يحتاجون لرعاية صحية ومتابعات دائمة.
مخاطر القرار
ولذلك أنذر الشوا من تداعيات القرار على قطاع غزة، الذي يمر بـ «مراحل متقدمة من الكارثة الإنسانية»، وقال «بهذا القرار الاحتلال الإسرائيلي يعمّق الأزمة الإنسانية بمعنى الكلمة في قطاع غزة». وأوضح الشوا أن هذه المنظمات غير الحكومية الدولية تعمل على الأرض الفلسطينية منذ عشرات السنوات، وقال «القرار يحمل عواقب خطيرة على الواقع الإنساني في قطاع غزة»، خاصة وأن العديد من هذه المنظمات تقدم خدمات للسكان فترة الحرب.
وأشار إلى أن القرار كذلك يعني منع الفرق التابعة لهذه المنظمات من الدخول إلى قطاع غزة، لتقديم خدمات متعددة في المجالين الإنساني والصحي، لافتا إلى أن من بين أعضاء هذه الفرق التي تدخل غزة مختصين في مكافحة «سوء التغذية» الذي يعاني منه سكان غزة، إضافة إلى فرق طبية تطوعية تعمل في المستشفيات الميدانية، وأخرى تعمل في مجال مكافحة الألغام، ومخلفات الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح أن تنفيذ القرار يضر كثيرا بمرضى وجرحى غزة، خاصة وأن من بين هذه المنظمات الإغاثية، من تقوم بإدارة مشاف ميدانية وعيادات طبية، تتعامل مع حالات «سوء التغذية»، وأخرى تشرف على برامج توفير مياه الشرب ومياه الاستخدام اليومي للسكان والنظافة، وأخرى مختصة في مجال الإيواء لنازحي الحرب، وبرامج الدعم النفسي.
وأنذر الشوا خلال حديثه لـ «القدس العربي»، من مخاطر منع دخول المساعدات الخاصة بهذه المؤسسات لسكان غزة، في هذا التوقيت، حيث تزداد حاجة السكان لهذه المساعدات، في ظل الواقع المرير الذي خلقته الحرب وتبعاتها.
وأضاف «جزء كبير من هذه الخدمات الأساسية سيتوقف بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي الذي يحظر تسجيل هذه المنظمات الأممية، وأوضح الشوا في ذات الوقت أن وجود موظفين دوليين، يشكّل نوعًا من الحماية المدنية في قطاع غزة.
ولفت الانتباه إلى أن قرار حظر هذه المنظمات الإغاثية، يتزامن مع استمرار حظر عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ومنعها من إدخال المساعدات إلى سكان غزة، مضيفا «المشهد الإنساني في قطاع غزة يزداد تعقيدًا بكل ما لذلك من معنى».
وكانت السلطات الإسرائيلية شرعت منذ عدة أشهر في حظر عمل «الأونروا» بالكامل، خاصة في مدينة القدس، تنفيذا لقرار «الكنيست» الإسرائيلي، وبسبب سيطرة إسرائيل على معابر غزة، ترفض السماح لهذه المنظمة الأممية، التي تعد من أكبر المنظمات التي تقدم خدمات للفلسطينيين، بإدخال أطنان كبيرة من المساعدات تكفي سكان غزة لثلاثة أشهر، وتشمل موادا غذائية ومستلزمات النزوح، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، الذي يعاني من الجوع ومن وضع اقتصادي سيئ.
وترفض إسرائيل التعامل مع إدارة «الأونروا»، كما تحظر وصول موظفيها الدوليين من الخارج، وعلى رأسهم المفوض العام فليب لازريني.
وعن مدى تأثر منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بهذا القرار، قال الشوا لـ «القدس العربي» :»بلا شك سيكون هناك تأثير على الشركاء المحليين»، ولفت إلى أن فقدان المؤسسات الدولية ترخيصها، سيفقدها القدرة على العمل المباشر مع شركائها على الأرض.
لا بديل
وأكد الشوا أنه لا يوجد أي بديل عن عمل هذه المنظمات، وخاصة «الأونروا»، وجدد التأكيد على أن هناك الكثير من الخدمات لا يمكن تقديمها بدون هذه المنظمات الدولية.
تجدر الإشارة إلى أن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، وصف قرار إسرائيل بتعليق عمل عدد من المنظمات الإنسانية أنه «أمر مشين» وقال إنه يأتي في سياق فرض قيود غير قانونية على الإغاثة الإنسانية.
وطالب المسؤول الأممي جميع الدول، ولا سيما الدول ذات النفوذ، على اتخاذ خطوات عاجلة والإصرار على أن تسمح إسرائيل فورا بدخول المساعدات إلى غزة دون عوائق، وقال محذرا «هذه التعليقات التعسفية تزيد الوضع سوءا بالنسبة لسكان غزة، الذين يعانون أصلا من ظروف لا تُطاق».
أما مفوض «الأونروا» فقال «إن التقاعس عن التصدي لمحاولات السيطرة على عمل منظمات الإغاثة، سيُقوّض بشكلٍ أكبر المبادئ الإنسانية الأساسية المتمثلة في الحياد والاستقلالية والنزاهة والإنسانية التي يقوم عليها العمل الإنساني».