رؤية الشاعر البصرية لأشياء الكون، هي دليله الشخصي والسري إلى مدارج رؤياه. لذا، فإنه يسير مقتفيا أثر ما يراه، عله يلمح بفعل صدفة طائشة أو سانحة، ما لم يخطر من قبل على بصر أحد سواه. تماما، كما لو أنه يبحث عن لُقْيَة مستحيلة، في متاهات المرئي واللامرئي على حد سواء.
لكن قبل ذلك، سنجد أنفسنا لا محالة بصدد تفصيل القول في إشكالية الرؤية، مستبعدين في هذا السياق، الوضعية التي يكون فيها الفرد بصدد معايشته لما هو فيه، حيث الرؤية هنا مندمجة عمليا ووظيفيا في ما تطالب الذات مبدئيا بإنجازه، دون أن تتورط في الاستجابة إلى أي دلالة مشهدية ذات بعد إضافي، قد يؤثر سلبا على تركيزها.
كما أننا سنستثني هنا تلك اللحظة، التي يحدث أن تقع فيها العين فريسة أحوال داخلية /لا واعية، تغرق العين في مشاهدها. ما يجعلها تعمى تماما عن رؤية ما هو ماثل أمامها.
بمعنى أن الوضعية التي نسعى إلى مقاربتها، هي تلك التي تنصرف فيها الرؤية نسبيا عما يدور خارج بؤرة اهتماماتها الروتينية أو الوظيفية، كي تصبح متروكة تماما لرياح الصدفة، التي قد تحط بها الرحال في أي مشهد محتمل يخترق دائرة الرؤية العادية، دون سابق إنذار. ولعل الإطار الأكثر تمثيلا لموضوعنا، هو الذي يوجد فيه الفرد في مكان عام، حيث لا يُلزِم بصره بتوخي رؤية محددة. والشيء نفسه، حينما يكون موجودا في أحد المواقع، التي لا تستدعي منه سوى معاينة ما يحدث، لا أكثر ولا أقل. فإذا كنت مقتنعا سلفا بأنك في الحالات العادية والطبيعية، تجبر على مشاهدة ما يقع فقط في مجال رؤيتك، حيث يندرج كل ما عداه في حكم العدم، فإن الرؤية الشعرية لا تلبث أن تكاشفنا بخصوصيتها المغايرة. إنها فضلا عن تبينها لما هو مُعطىً، ولِما هو بادٍ بشكل جلِيٍّ وواضح في عين المكان والزمان، إلا أنها مؤهلة في الآن ذاته لرؤية ما اعتبرناه منذ حين في ذمة العدم. ومن المؤكد أن السر يكمن في العلاقة الاستثنائية التي يؤسسها الشاعر مع الزمن، والتي يستند فيها إلى تذاوته التلقائي، مع أي لحظة زمنية يعتبرها منسجمة مع إطار رؤيته. ففي حالة ما إذا كان الشيء المعروض أمام العين يجعلك في علاقة مباشرة بـ»هنا» والآن، أي بالزمن الحاضر وبإكراهاته الملحة، حيث تكون معنيا أساسا بالتفرغ لرؤية ما هو أمامك، من أجل ضبط دلالة تجليه، فإن عين الشاعر معنية إلى جانب ذلك، برؤية ما يقع خارج مجال النظر، أي خارج مجال «هنا والآن». ومجال النظر هذا، ليس في نهاية المطاف سوى ذلك الشيء المشع من ذاكرة الزمن الماضي، المستقبل، أو الحلم. علما بأن ما يقع خارج المجال البصري المادي والواقعي، لا ينظر إليه إلا بعين الرؤيا، سواء كان ذا بنية طبيعية ملموسة ومعلومة، أو عكس ذلك، أي على هيئة فكرة، هاجسٍ، أو حال يتقمص شكل صورة سبق لنا أن رأيناها، أو رأينا ما هو شبيه بها.
إن ما يهمنا في هذا السياق، هو تلك الرؤية المضاعفة والمزدوجة، التي يتحرك بها الشاعر في مضائق الكون وفي رحابه. إنه يرى بعين العقل ما يراه الآخرون، وفي الوقت نفسه، يرى بعين المخيلة التي قد تكون هي ذاتها عين الذاكرة أو الحلم، ما لا يراه هؤلاء، إنه نوع من التزامن البصري، الذي تنتظم فيه عناصر عالمين، يبدوان من حيث الظاهر متناقضين ومتعارضين، إلا أنهما في واقع الأمر جد متكاملين. أولهما العالم المكشوف والمتاح للرؤية العامة، وثانيهما العالم المتحرك في دواخل الشاعر، والذي يتمظهر هو أيضا في تشكيلات، لا تقل وضوحا عن تلك المرئية في العالم الواقعي.
تقنيا، قد يبدو الأمر شبيها بالرؤية المزدوجة التي يلقيها أي شخص على المشهد العام المتاح أمامه، بتزامن مع ملاحقته المتسارعة للمشاهد المتحركة على شاشة هاتفه الذكي، حيث تتداخل بلاغة واقع طبيعي هو في متناول الجميع، ببلاغة واقع رقمي، من الممكن أن يكون افتراضيا من حيث بنيته الكلية، أو ذا سند واقعي. وهو في جميع الأحوال، واقع لا يخص سوى المعني به. عموما، إن ما يهمنا أساسا هنا، هو التأكيد على البون الذي يميز الرؤية المزدوجة لدى الشاعر، مقارنة بالإنسان العادي المتأبط ليل نهار لهاتفه الذكي. فإذا كان هذا الأخير غالبا ما يعيش تجربة جد عادية، إن لم نقل سلبية، خلال تنقل بصره في الوقت ذاته، بين ما هو ماثل أمامه على مستوى الواقع، والعوالم المتلألئة على الشاشة الرقمية، فإن الشاعر يعيش تجربة مختلفة بشكل جذري، بالنظر للطابع التفاعلي الذي تتميز به مراوحته البصرية بين عالمه الخارجي والباطني. بمعنى أن النظرة العادية، التي قد تكون متطرفة في حيادها، لا تكلف نفسها بشكل أو بآخر، عناء دمج المشاهد الواقعية في إبدالها الافتراضي، ما دام كل منهما يستقل بخصوصيته، وبإطاره المنفصل تماما عما عداه، حيث يوجد ثمة حاجز شبه حديدي، يفصل بين المشاهد. فيما العين وبإيقاع آلي، تتنقل بين شجيرة المقهى، والذئب الافتراضي المطل من الشاشة. حيث ما من هاجس ينشغل بردم هذا الحاجز، كي يتمكن الذئب من التسلل إلى حيث نحن الآن، ليحظى بقيلولته المشتهاة تحت فيء الشجيرة ذاتها. غير أن الأمر يختلف تماما بالنسبة للشاعر، فجلوسه هنا في المقهى، كما أن وقوفه بالشرفة، أو إطلالته من النافذة، ليست سوى ذريعة تمويهية لتفقد عوالمه الداخلية.
إنه وبفعل نداءات ملحاحة هي نداءات الشعر، مدعو لتأثيث الفضاءات الواقعية المعروضة أمامه، بتفاصيل عوالمه الباطنية، التي يراها هي كذلك بالوضوح نفسه، وبالإشراق نفسه. باعتبار أننا سنجد أنفسنا وجها لوجه، أمام إشكالية النسيج الشعري، التي هي إشكالية زمنية بامتياز.
إن خيوط المَشاهد المُخزَّنة في الذاكرة الشعرية، وعلى امتداد أزمنة مختلفة، تتداخل مع خيوط المشاهد المعروضة الآن أمامنا، كي تهدينا نسيجا شعريا تشع خيوطه بضوء أزمنة مختلفة بما فيها أزمنة الحلم. هكذا هي حياة الشاعر المتماهية مع حياة الشعر، ما من لحظة تفنى أو تزول، وما من زمن تالٍ ينفي سابقه. إن رؤيته لما هو فيه الآن، يقدح شرارة ما سبق أن كان فيه من قبل، وما سيكون فيه لاحقا، ضمن شرط معين من شروط حياته اليومية أو الحلمية، كي تغادر الدلالات سياقاتها وأزمنتها الأولى والأصلية، لتشرع في نهاية المطاف، بالإعلان عن حضورها المختلف في زمن تركيبي، هو زمن الشعر الذي تنضوي فيه أطياف كل الأزمنة المعيشة بقديمها وحديثها، فضلا عن تلك المحلوم بها.
إنها خصوصية الشعر، المتمثلة في استعادته للطبيعة التركيبية التي كانت الأصل في هوية الجوهر الإنساني، حيث ينعدم الخيط الفاصل بين الظاهر والباطن. بين الواقع والحلم. بين ما كان وما سيأتي. وحيث الكائن يمارس حضوره الكلي، بكل ما يتفاعل فيه من طاقات تخييلية، وتأملية، وانفعالية. قبل أن تتدخل السلطات المتعالية على مرّ الأزمنة، وبكل مرجعياتها، لتعيث فيه تقطيعا وتشظية.
و هنا تكمن أهمية القول الشعري، إنه يتدخل بثقله الدلالي، كي يعطل آلية اشتغال هذه السلطات، من أجل أن يستعيد الكائن حقه في الوجود على طريقته الخاصة به، وبجماع ما يتفاعل في دواخله من أحوال، منتقلا خلال ذلك من أزمنة الرؤية إلى زمن الرؤيا.
شاعر من المغرب