«مقدمة كامبرج لـ إرنست همنغواي» كتاب متوسط الحجم يقع في 202 صفحة، ولا يزعم استطراداً الكثير من التضخيم أو النزوع الموسوعي أو الأكاديمي، صدر بالإنكليزية في سنة 2025 التي تجرّ أذيالها، عن دار نشر الجامعة البريطانية العريقة، بتحرير مايكل ثرستون. المناسية المعلنة هي الذكرى المئوية لكتاب همنغواي الأول «في زمننا»، 1925، وكان مجموعة قصصية نُشرت أولاً في باريس قبل نيويورك؛ والتمهيد النقدي يشير إلى أنّ أعمال القاصّ والروائي الأمريكي (1899ــ1961) تناولت «البحث عن المعنى صبيحة الحرب العظمى وفي غمرة تحديات طرحتها أعراف اجتماعية سريعة التبدّل، وأسلوبه النثري أثّر في أجيال من الصحافيين والكتّاب».
كذلك، تضيف مقدمة كامبرج، «جُرح همنغواي في ساحة قتال، وزُجّ على امتداد حياته في رغائب متصارعة. وكان أيضاً فناناً عميق الالتزام، ومجرّباً لا يكلّ حول عناصر الشكل السردي وأسلوب النثر». وبذلك فإنّ «مناقشات الكتاب المفصلة، يحدوها تحليل دقيق للشكل وأُطُر نقدية معاصرة، تستجلي التعقيد الذي استخدمه همنغواي لالتقاط شخصيات معوّقة وعلاقات رومانتيكية في سياقات تاريخية وثقافية متغيرة». ويطمح الكتاب، إذن، أن «يكون مفيداً للطلاب والأساتذة في ميدان الدراسات الأدبية والحداثة».
وهو يحقق قسطاً واسعاً من هذا الغرض، على امتداد ثمانية فصول؛ تبدأ من استعراض سيرة همنغواي، وتمرّ بأبرز أعماله، وتنتهي عند استقباله على نطاق القراءة العامة. وهذه السطور تثمّن عالياً، وعلى نحو خاصّ، قرابة 20 صفحة يخصصها المحرر لمشاركة همنغواي في الحرب الأهلية الإسبانية، بين 1936 وحتى 1938؛ حين تطوّع للقتال إلى جانب الجمهوريين، صحبة العشرات من كتّاب وفناني العالم.
فضيلة أخرى لهذه الوقفة، الموضوعية والنزيهة، عند الشطر الإسباني من حياة همنغواي الصاخبة والطافحة بجموح الارتياد والتجوال والمغامرة؛ أنّ محرر الكتاب لا يُلقي بالاً لحكاية عالية الجاذبية في أوساط الغرب اليمينية، أو حتى الليبرالية: أنّ همنغواي كان عميلاً للمخابرات السوفييتية، وتمّ تجنيده سنة 1941، عن طريق عملاء سوفييت التقوا به في لندن وهافانا. وكان كتاب «جواسيس: صعود وسقوط الـ KGB في أمريكا»، تأليف جون إيرل هيننز وهارفي كليهر وأليكساندر فاسيلييف، قد استند إلى إفادات فاسيلييف الضابط السابق في الجهاز السوفييتي؛ الذي زعم أنّ اسم همنغواي السرّي كان «آرغو»، وارتباطه دام تسع سنوات، بعدها تيقن الضباط السوفييت أنّ هذا «العميل» لا يقدّم أيّ معلومات سياسية أو أمنية، ولعله تجنّد لأسباب تخصّ التوثيق لعمله الروائي، على غرار ما فعل في ميادين أخرى كرحلات الاستكشاف والصيد ومصارعة الثيران.
وهذه سطور لا تبرئ المؤلفين من حافز واحد محوري على الأقلّ، إلى جانب الحوافز الترويجية الأخرى، هو الرغبة الجامحة في نبش و/ أو تلفيق ما تيسّر من أسرار فضائحية الطابع، عن المتطوعين الأجانب الذين قاتلوا في صفوف الجمهوريين أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. وتلك رغبة طغت في أمريكا أوّلاً، لكنها انتقلت سريعاً إلى بريطانيا وفرنسا، فضلاً عن إسبانيا ذاتها بالطبع. كيف لا، و»الكتائب الأممية»، كما سُمّيت، ضمّت أكثر من 40 ألف متطوّع، تقاطروا من 53 بلداً (بينها مصر والمغرب!)؛ للمشاركة في حرب لاحَ أنها ــ لمرّة واحدة على الأقلّ ــ ذات معنى بالنسبة إلى الشعوب التي تدفع عادة أثمان الحروب، وليس بالنسبة إلى القوى الحاكمة التي اعتادت جني ثمارها.
الشاعر البريطاني اليميني روي كامبل، لم يجد شتيمة مقذعة بحقّ موجة التطوّع الواسعة سوى التصريح بأنها «حرب الخونة والمائعين والمثليين»، ملمّحاً إلى الشاعر الإسباني فدريكو غارثيا لوركا، الذي كان بين أوائل ضحايا الفاشية الإسبانية في صفوف الأدباء والفنّانين. شتائم أقلّ وقاحة اعتبرتها «حرب الشعراء»، تحت وطأة حرج شديد إزاء أسماء المنخرطين في صفّ الجمهورية: شعراء أمثال رفائيل ألبيرتي، أنطونيو ماشادو، بابلو نيرودا، أوكتافيو باث، لويس ماكنيس، و. هـ. أودن؛ وروائيون بينهم ألكسي تولستوي، همنغواي، أندريه مالرو، أنطوان دو سانت ــ إكزوبيري، جورج أورويل؛ وفنانون أمثال بول روبسون، بابلو بيكاسو، خوان ميرو…
ولا يصحّ أن يُنسى تطوّع كريستوفر سانت جون سبريغ الذي سوف يوقّع، باسم كريستوفر كودويل، كتاب «الوهم والواقع»، 1937، غير البعيد عن تقديم أوّل إسهام معمّق في صياغة علم جمال ماركسي حول مفهوم الشعر. كذلك كانت تلك التجربة الإسبانية الفريدة بمثابة حاضنة لولادة حفنة من أثمن الأعمال الإبداعية، حول الحرب والسلام والحرية والتعاضد الأممي؛ بينها قصيدة أودن «إسبانيا»، ونصّ أورويل «تحية إلى كاتالونيا»، ورواية مالرو «أيام الأمل»، فضلاً عن لوحة بيكاسو الأشهر «غيرنيكا».
وإلى جانب روايته «لمن يُقرع الجرس»، 1948، كتب همنغواي سنة 1939 نصّاً نثرياً قصيراً فاتناً، وجدانياً على غير العادة، يرثي 750 من شهداء «لواء لِنْكِن»، كانوا في عداد 2800 متطوّع أمريكي قاتلوا إلى جانب الجمهوريين الإسبان؛ وشكّلوا أوّل مفرزة قتالية يسارية في تاريخ الولايات المتحدة، كما سجّلوا سابقة أولى دراماتيكية حين عهدوا بقيادة اللواء إلى أمريكي أسود.
ويصعب على أية ذاكرة تستعيد همنغواي أن تضرب صفحاً عن ذلك الطور المفصلي في حياة كانت بالفعل صاخبة؛ غير خالية، مع ذلك، من فواصل ألق سياسي وإنساني وإبداعي فائق للمألوف.