خروقات إسرائيلية متصاعدة تهدد الهدنة.. وغزيون لـ”القدس العربي”: حتى الخروج من المنازل أصبح مخاطرة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة- “القدس العربي”: رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تتواصل الخروقات الإسرائيلية على الأرض بوتيرة متصاعدة، مخلفةً مزيدًا من الضحايا المدنيين، ومثيرةً تساؤلات متزايدة حول مستقبل الهدنة وإمكانية صمودها في ظل استمرار القصف وإطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع.

وفي أحدث تلك الخروقات، ارتقى شهيدان، الجمعة، جراء قصف إسرائيلي استهدف مناطق شرقي مدينة غزة. وأفادت مصادر طبية لـ”القدس العربي” بوصول جثمان المواطن أيمن أحمد النبيه (54 عامًا) إلى مستشفى المعمداني شرق المدينة، بعد استهدافه بقصف مدفعي في حي التفاح شرقي غزة.

وفي حي التفاح، حيث وقع القصف، ما تزال آثار القذائف واضحة في الشوارع والمنازل المتضررة، بينما يعيش السكان حالة من القلق الدائم خشية تكرار الاستهداف.

يقول أحد سكان الحي، أبو محمد العمريطي، وهو يقف قرب منزله المتضرر: “كنا نظن أن وقف إطلاق النار سيمنحنا بعض الأمان، لكن القصف لا يزال يتكرر. نعيش حالة خوف دائمة، خاصة مع استمرار إطلاق النار باتجاه المناطق الشرقية”.

ويضيف لـ”القدس العربي”: “الحياة هنا صعبة جداً، لا كهرباء ولا مياه كافية، وحتى الخروج من البيت أصبح مخاطرة”.

ووفق شهود عيان لـ”القدس العربي”، فإن المدفعية الإسرائيلية قصفت المنطقة التي وُجد فيها النبيه، وهي منطقة تقع خارج نطاق انتشار وسيطرة جيش الاحتلال بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار، ما يعكس اتساع دائرة الخروقات الميدانية للاتفاق.

وفي حادثة أخرى، أعلن المصدر الطبي ذاته استشهاد الشاب عبد الوهاب أسعد قمبور (32 عامًا) إثر قصف إسرائيلي استهدف حي الشجاعية شرقي المدينة، حيث نُقل جثمانه إلى مستشفى المعمداني.

وبينما يشيّع الأهالي شهداءهم في ظل أجواء من الحزن والغضب، تقول أم أحمد، وهي قريبة أحد الشهداء: “استشهد وهو يحاول تأمين لقمة العيش لعائلته. خرج من البيت ولم يعد. ترك لنا ألماً كبيراً وذكريات لن ننساها”.

وتضيف لـ”القدس العربي”: “كنا نأمل أن تنتهي الحرب وأن نعيش بأمان، لكننا ما زلنا نفقد أبناءنا”.

تصعيد ميداني

ولم يقتصر التصعيد على مدينة غزة، إذ أطلقت آليات الاحتلال النار باتجاه المناطق الشرقية لمدينة خان يونس جنوب القطاع، فيما قصفت المدفعية الإسرائيلية مناطق شرقي غزة بشكل متكرر خلال الساعات الماضية.

كما أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية النار في بحر مدينة غزة، في وقت شنت فيه طائرات الاحتلال غارة جوية على محيط مستشفى الدرة شرقي حي التفاح شمال شرقي المدينة، ما أثار حالة من القلق في صفوف السكان والمرضى داخل المنطقة.

وتقول أم خالد عرادة، وهي من سكان حي التفاح: “نعيش بين الخوف والقلق. كلما سمعنا صوت قصف أو طائرة نخشى أن يعود التصعيد من جديد”. وتتابع حديثها لـ”القدس العربي”: “الأطفال هنا لم يعرفوا معنى الأمان منذ شهور”.

وفي وسط القطاع، استهدف طيران الاحتلال محيط مدارس الثانوية شرقي مخيم البريج، بالتزامن مع إطلاق دبابات الاحتلال نيرانها بشكل مكثف باتجاه المناطق الشرقية للمخيم، ما أجبر السكان على مغادرة مناطقهم خشية تجدد القصف.

حصيلة متزايدة

وتعكس هذه الحوادث استمرار التدهور الأمني رغم الإعلان عن الهدنة، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة أن إجمالي عدد الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار ارتفع إلى 636 شهيدًا، إضافة إلى 1704 إصابات بجروح متفاوتة.

كما تمكنت الطواقم الطبية من انتشال 753 جثمانًا من تحت الأنقاض في مناطق متفرقة من القطاع خلال الفترة ذاتها، في ظل استمرار عمليات البحث بين الركام.

وحسب بيانات الوزارة، فقد ارتفع العدد التراكمي لضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 72120 شهيدًا، إضافة إلى 171802 مصاب بجروح مختلفة.

تحذيرات أممية

وفي جنيف، قالت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، إن مخزون الأدوية في قطاع غزة منخفض للغاية في ظل تدني مستوى وصول الإمدادات الطبية إلى القطاع.

وذكرت مديرة منظمة الصحة العالمية في إقليم شرق المتوسط حنان بلخي، إن إمدادات بعض المواد مثل الشاش والإبر نفدت بالفعل.

وقالت: في غزة، لا يزال النظام الصحي في غاية الهشاشة، كما أن مخزونات الأدوية الأساسية، ومستلزمات علاج الرضوح، والمواد الاستهلاكية الجراحية منخفضة للغاية، في حين يتسبب نقص الوقود في الحد من القدرة التشغيلية للمستشفيات.

وأضافت، أنه بدون وصول المساعدات الإنسانية بشكل ثابت، بما في ذلك النقل الآمن للإمدادات الطبية واستئناف عمليات الإجلاء الطبي، سيظل المرضى يواجهون تأخيرات في الحصول على الرعاية تهدد حياتهم.

وقالت بلخي إن المنظمة تمكنت من إدخال بعض الإمدادات الطبية والوقود يومي الثلاثاء والأربعاء، لكن بعض الشاحنات لا تزال متوقفة في العريش بمصر.

وأضافت أن الشاحنات التي دخلت القطاع لا تزيد عن 200 شاحنة كحد أقصى من أصل 600 شاحنة مطلوبة يوميا، موضحة أن هذا غير كاف لتلبية احتياجات غزة، داعية إلى السماح بدخول المزيد من الوقود لتشغيل المستشفيات.

وأوضحت، أن نصف مستشفيات غزة البالغ عددها 36 مستشفى لا تزال مغلقة منذ وقف إطلاق النار، وأن المستشفيات المفتوحة تعاني من صعوبة في الاستمرار في تقديم الخدمات الحيوية كالعمليات الجراحية وغسيل الكلى والرعاية المركزة.

مخاوف سياسية

سياسيًا، يرى مراقبون أن استمرار هذه الخروقات يضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار صعب، خصوصًا مع تزايد العمليات العسكرية الإسرائيلية في المناطق الشرقية للقطاع.

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي إياد جودة إن استمرار الاستهدافات الإسرائيلية في غزة يعكس هشاشة التفاهمات القائمة.
ويضيف في حديث لـ”القدس العربي” أن “الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار تشير إلى أن إسرائيل تحاول فرض واقع ميداني جديد عبر الضغط العسكري، في ظل غياب آليات رقابة دولية حقيقية تلزم الأطراف بتنفيذ الاتفاق”.

ويؤكد جودة أن “استمرار هذه الخروقات قد يؤدي إلى تقويض الهدنة بشكل كامل إذا لم تتدخل الأطراف الدولية الراعية للاتفاق للضغط من أجل وقف الانتهاكات وضمان حماية المدنيين”.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى مصير الاتفاق مرهونًا بمدى قدرة الوسطاء الدوليين والإقليميين على إلزام الأطراف بتطبيق بنوده، في وقت يواصل فيه سكان القطاع مراقبة التطورات الميدانية بقلق، خشية عودة المواجهة العسكرية الشاملة.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية