جورج كلوني والانتاج الدرامي الأمريكي في مواجهة تشويه الحقيقة

حجم الخط
0

جورج كلوني والانتاج الدرامي الأمريكي في مواجهة تشويه الحقيقة

انتج واخرج افلاما تناقش قضايا شائكة وحساسة علي المستوي السياسي:الطاهر الأسودجورج كلوني والانتاج الدرامي الأمريكي في مواجهة تشويه الحقيقةسيهيمن الممثل (والمنتج والمخرج أيضا وهو ما برهن عليه بقوة الآن) جورج كلوني George Clooneyعلي المشهد السينمائي لهذه السنة وبالتالي جوائز أكاديمية الفنون حتي ولو لم يتحصل علي أغلبها (مازال من المبكر الحسم في ذلك). الأهم من ذلك أن كلوني حقق ذلك من خلال المراهنة علي أشرطة تناقش قضايا شائكة وحساسة علي المستوي السياسي الراهن. وبشكل ما فإنه أقحم هووليود، بعد غياب ملحوظ في السنوات القليلة الأخيرة، في خضم النقاش النخبوي المتزن والملتزم ومن ثمة فهو يساهم، مثل الكثيرين غيره (شون بين وروبرت ريدفورد مثلا)، في إستعادة دورها الضروري كواجهة سياسية مستقلة في الولايات المتحدة. إن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن هووليود ليست ولم تكن لونا واحدا أو منبرا آليا للدعاية للقوة الامبراطورية بل هي وكانت دائما تحتوي علي مجال للرأي المخالف ومنبرا إعلاميا للمعارضة لما هو رسمي. وذلك علي عكس الفكرة النمطية التي تتكرر بشكل مضجر خاصة في وسائل الاعلام العربية الآن.غ2فأقول ذلك وفي ذهني فقرة إعلامية وردت يوم الجمعة الماضي في الجزيرة هذا الصباح تم فيها استضافة مسؤول إداري مكلف بالسينما في وزارة الثقافة اللبنانية، وكان موضوع اللقاء هو مهرجان السينما الأوروبية الذي تم تنظيمه في بيروت في الأسبوع الماضي. وقد كرر هذا المسؤول ومضيفة البرنامج بشكل متناسق مقولات مغرقة في التعميم والسطحية من نوع السينما الاوروبية الناعمة والهادفة في مواجهة السينما الأمريكية العنيفة والسطحية . طبعا كان المعني بـ السينما الاوروبية السينما الفرنسية تحديدا وهو ما يمكن فهمه من كم الأفلام الفرنسية المعروضة في المهرجان ولكن أيضا من نوع الأشخاص المكلفين بالترويج للمهرجان خاصة من بين الديناصورات الفرنكفونية اللبنانية التي استفاقت بشكل مفاجئ في الفترة الأخيرة لأسباب تتعلق بالتحديد بالظروف السياسية. علي كل حال هناك مشكل حقيقي في التصور العربي السائد للسينما الأمريكية: حيث يوجد اعتقاد أنها متشابهة وهذا غير صحيح. وفي الواقع يتحمل جزءا هاما من المسؤولية الموزعون المحليون للسينما الأمريكية الذين ينتقون أفلاما دون غيرها توصف عادة وبشكل تضليلي بـ التجارية وهي بالتحديد من نوع أفلام المغامرات بالرغم أن بقية الأنواع السينمائية يمكن أن تكون مربحة مثلما يمكن لأفلام المغامرات أن تكون غير ناجحة. إن قائمة الأشرطة المنتقاة من قبل أكاديمية الفنون في السنوات الأخيرة فقط يمكن أن تعطي فكرة حقيقية عن مدي تنوع السينما الأمريكية بما في ذلك تلك المنتجة من قبل الشركات الهووليودية الضخمة: لنتفحص مثلا أشرطة، لم يسمع بأغلبها للأسف معظم المشاهدين العرب بالرغم من نجاحها الكبير في القاعات الأمريكية وحيازتها علي جوائز الأكاديمية (الأوسكار) وهي ليست بالتالي أشرطة علي الهامش، مثل الساعات The Hours سنة 2002، و 21 غرام 21 Grams سنــة 2003، و ميستك ريفير Mystic River سنة 2003… إلخ وهي جميعا أشرطة مميزة من حيث المحتوي ولكن أيضا من ناحية الأسلوب الفني بشكل يجعلها بحق طليعية وتستحق أن تُدرس في المدارس السينمائية. في مقابل ذلك فإن السينما ألاوروبية تعاني أزمة ثقة كبيرة يجعل أغلب إنتاجاتها إما بدون هوية محددة (تقليد أعمي ومبتذل لأشرطة أمريكية محددة سواء المغامرات والعنف) أو هي تجريبية بشكل مفرط مما يجعلها إمكانات سينمائية عوضا عن أن تكون مصادر حقيقية للإلهام ويتعلق ذلك تحـديدا بتيار أساسي في السينما الفرنســـية مثل أشرطة حون لوك غودار Jean-Luc Godard أو أيضا في السينما الألمانية أشرطة راينر فاسبيندر Rainer Fabinder. ولكن بالرغم من ذلك توجد تجارب سينمــائية أوروبية ناجحة في السنوات الأخيرة حازت علي اهتـــمام واسع (بما في ذلك في الولايات المتحـــدة بالمناسبة وحتي من قبل أكاديمية الفنـون) مثل الشريط الفرنسي أميلي Amelie سنة 2001، والشريط الألماني اركضي لولا… أركضي Run Lola Run سنة 1998، ولو أن مخرجي الشريطين والممثلين الأساســــــيين فيهما قامـــوا بتكرار غير ضروري لنفس الـرؤية والقصة في أشرطة أخري لاحقة. وفي نفس الاتجاه يتميز الممثل ـ الملحن ـ المخرج البوسني الأصل أمير كوستوريشا Emir Kusturica بنوع سينمائي مميز يمكن اعتباره تيارا أساسيا وناجحا في السينما الأوروبية الراهنة. وعموما وبمعني آخر لا توجد سينما أوروبية ناعمة وأخري أمريكية عنيفة وسطحية في المطلق. إن ذلك ينم ببساطة عن جهل مريب بالمشهد السينمائي العالمي. غ3فتميز جورج كلوني، إذا، بشريطين في هذا الموسم السينمائي، ونحن الآن في أوجه حيث لم يبق علي إسناد جوائز أكاديمية الفنون سوي أسابيع قليلة. الشريط الأول بعنوان ليلة سعيدة، وحظا سعيدا Good Night, And Good Luck والشريط الثاني بعنوان سيريانا Syriana .شريط ليلة سعيدة، وحظا سعيدا يتناول موضوعا حساسا في الظرف الراهن وهو مدي استقلالية الإعلام الإخباري الأمريكي عن الادارة الأمريكية وتحديدا عن مسألة المصلحة الوطنية وذلك في وقت يشهد تراجعا كبير من قبل الاعلام الأمريكي في أداء مهامه كإعلام إخباري مستقل، في وقت تصرف فيه أبرز الإعلاميين الأمريكيين في حرب العراق كمراسلين عسكريين لا يخفون موالاتهم للقوات الأمريكية الغازية، في وقت لبس فيه إعلامي محترم مثل تيد كابل Ted Coجورج كلوني والانتاج الدرامي الأمريكي في مواجهة تشويه الحقيقةle الخوذة والبدلة العسكريتين ودخل بغداد علي منصة دبابة أمريكية في صورة غازي أكثر من صورة إعلامي مستقل، في وقت منح فيه الإعلاميون الإخباريون الإدارة الأمريكية مجالا مفتوحا للدعاية الفضة للحرب دون محاولة التساؤل بجدية عن دوافعها ومبرراتها، وفي وقت قامت فيه صحف مرموقة مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست بالترويج المبرمج للحملة الدعائية التي سبقت الحرب علي العراق بدون أي تقصي مهني للمعلومات. يسترجع شريط جورج كلوني (وقد قام فيه بدور ثانوي في التمثيل ولكنه كان مخرجه والمنتج الأساسي له، حيث يبدو أنه عاني الكثير لتحقيق ذلك حتي أنه رهن فيلته الفارهة في الريف الإيطالي لتوفير المال اللازم) يسترجع إذا شريط جورج كلوني فترة مماثلة تميزت بتأثير الصراع الدولي الذي تخوضه الحكومات الأمريكية في استقلالية النخب المثقفة بما في ذلك المسؤولين الإعلاميين: استرجع الشريط مرحلة الماكارثية حينما قام السيناتور السيئ الصيت جوزيف ماكارثي Joseph McCarthy في بداية السنوات الخمسين بإعداد قائمات سوداء للملاحقة والاقصاء المهني في أوساط السينمائيين والكتاب والإعلاميين بدعوي ارتباطهم بالحركة الشيوعية وأقام في الكونغرس جلسات استماع رسمية ومفتوحة مازالت تحتفظ بذكراها المخيفة حتي الان. اختار كلوني شخصية شهيرة وأساسية في الإعلام الإخباري الأمريكي لمعالجة تلك الفترة: إدوارد موروو Edward Murrow وقد قام بأدائه بشكل رائع ديفيد ستراثيرن David Strathairn. كان موروو المحرر الإخباري الرئيسي في قناة سي بي أس CBS والمسؤول الأساسي مع فريد فريندلي Fred Friendly والذي قام بأدائه جورج كلوني علي برنامج إخباري أسبوعي شاهده الآن (See it Now). وكان موروو قبل ذلك مراسلا إذاعيا ذاع صيته خلال تغطيته للحرب العالمية الثانية وهو ما أهله لأن يكون من ضمن الجيل الأول للإعلاميين التلفزيين وذلك في بداية عصر الشاشة الصغيرة وانتشارها في المشهد الإعلامي الأمريكي خلال الخمسينات. وكان من ضمن الأوائل الذين صارعوا من أجل التأسيس لإعلام تلفزي إخباري جدي وواجه في هذا الاطار جهود تحويل التلفزة الي مجرد صندوق تسلية كما لاحظ في الشريط وهي مسألة تتكرر علي امتداد الشريط. لكن القضية الأساسية في الشريط هي قرار موروو مواجهة الأسلوب الترويعي والتضليلي للسيناتور ماكارثي في وقت ساد فيه الصمت علي الاعلام الاخباري بشكل يصل حد التواطئ وهو ما أثار حفيظة الاعلامي الأمريكي الذي رأي في ذلك تجاوزا خطيرا علي حرية الإعلام. وفي وقت لم يجرؤ أحد علي فضح أساليب ماكارثي قام موروو مع فريق العمل في برنامجه تجميع المعطيات اللازمة وشن حملة مضادة عليه وهو ما انتهي الي الإسهام في فضح ماكارثي ومحاصرته ومن ثمة تقديمه للتحقيق. وقد بقي أسلوب موروو في تقديم الأخبار خلال الحلقات التي تناولت أساليب ماكارثي مرجعية بالنسبة للإعلام الإخباري الأمريكي، وحتي الآن بقي أسلوبه الجذاب والجاد مؤثرا وهو ما تجسم رمزيا في الطريقة التي ينطق بها الجملة ـ الخاتمة في برنامجه، وهي عنوان الشريط: ليلة سعيدة، وحظا سعيدا . القصة معروفة ولكن كان التذكير بها ذي دلالات خاصة في الظرفية الراهنة وهو ما جلب انتباه وسائل الاعلام الأمريكية خاصة في مرحلة التراجع الأمريكي في العراق وانكشاف الأبعاد التضليلية التي سبقت الحرب هناك. لكن لم يكن الظرف السياسي وحده وراء النجاح الفني والجماهيري للشريط. كانت مهارات جورج كلوني كمخرج أساسي في تميز الشريط: حيث اختار أن يكون الشريط بالأبيض والأسود مما خلق سلاسة كبيرة بين الأجزاء الدرامية للشريط وتلك الوثائقية المأخوذة من أشرطة أصلية ترجع لفترة الخمسينات. كما كان التصوير في الاستوديوهات التلفزية (أين دارت أغلب أحداث الشريط) مناسبة للقفز بين الكاميرات المختلفة وشاشات الاستوديو العديدة وهو ما جعل المشهد الذي يحتكره المخرج التلفزي أي تعدد زوايا النظر يتحول الي مشهد متاح للمشاهد ومركب أساسي من درامية الشريط. وهكذا كان الانتقال من شاشة الي أخري ومن كاميرا الي أخري وسيلة أساسية لنقل معاني التردد والاضطراب والصراع التي ميزت معركة موروو مع ماكارثي. غ4فالشريط الثاني سيريانا تم افتتاحه يوم الجمعة. وشهدت قاعات السينما الأمريكية إقبالا كبيرا نظرا للحملة الدعائية التي سبقته والتي لم تكن مدفوعة الأجر في أغلبها بل طوعية نظرا لجلبه اهتمام النقاد والملاحظين السياسيين الذين أتيحت لهم فرصة المشاهدة المبكرة للشريط. تدور أحداث شريط سيريانا في نسق شديد التعقيد وأسرع بكثير من نسق شريط ليلة سعيدة، وحظا سعيدا . يلعب هنا كلوني دورا أساسيا في التمثيل الي جانب الممثل المميز والجاد مات ديمون Ma Damon كما تقاسم كلوني مع ديمون إنتاج الشريط بالاضافة الي الممثل الصاعد جيفري رايت Jerey Wright. سيناريو الشريط يتكون من أربع قصص متقاطعة. القصة الأولي وهي القصة المحورية تدور حول بوب (جورج كلوني) وهو عميل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (كان يعمل في الثمانينات في المنطقة العربية وتحديدا في بيروت) يعيش مرحلة تدهور قيمة عملاء الوكالة بعد انهيار جدار برلين وضياعهم وسط السياسة الأمريكية المضطربة في المنطقة العربية. يتصف بوب بالمشاغبة وخاصة رفضه الصمت علي الأداء البيروقراطي في الوكالة ويعيش عبر مراحل الشريط عملية استفاقة تؤدي به لبدء التساؤل عن دوافع أعمال الوكالة خاصة بعد فشل عملية اختطاف أمير عربي كُلف بها في بيروت وهو ما أدي الي تضحية الوكالة به والتحقيق معه علي أساس أنه مجرم يعمل لحسابه الخاص. ومن خلال بوب ينقلنا السيناريو الي مجال الأدوار التي تقوم بها الوكالة في المنطقة وتحديدا تعبيرها عن سياسة مستديمة للادارة الأمريكية في حماية مصالح الشركات النفطية الأمريكية وبشكل يتجاهل مصالح شعوب المنطقة. حيث يتم التركيز علي قطر عربي خليجي كبير فيه حقول نفطية واسعة يتجه ملكه، بدفع من نجله ناصر ، الي محاولة تنويع شركائه النفطيين علي قاعدة الكفاءة من خلال التعاقد مع شركات صينية و هو ما أثار حفيظة أحد الشركات النفطية الأمريكية العملاقة المتمركزة في تكساس. ويقوم هنا المحامي الرئيسي للشركة، وهو صديق قديم للملك، بمحاولة التدخل في شؤون العائلة المالكة ودعم الابن الأصغر للملك علي حساب نجله لخلافته، حيث يتم تصوير الملك في المراحل الأخيرة من حياته متنقلا علي كرسي متحرك، وهو يخضع في النهاية لضغط الأمريكيين ليعين ابنه الأصغر التافه والمقرب من الشركات النفطية الأمريكية وليا للعهد. بالتضامن مع ذلك تشن وكالة المخابرات المركزية حملة علي نجل الملك ناصر من خلال الترويج لصلاته بـ منظمات ارهابية ومن ثم العمل علي اختطافه (وهي العملية التي سيتكفل بها بوب ولكنها تفشل) حتي وإن أدي الأمر الي التعاون حتي مع حزب الله اللبناني. في النهاية، في آخر الشريط تنجح وكالة المخابرات المركزية في قتل ناصر بصاروخ موجه وذلك في خضم الصراع علي الخلافة وبالرغم من سعي بوب الي انقاذ الأمير (يموت بوب مع الأمير في القصف الصاروخي الي جانب زوجة الأمير وأطفاله). القصص الثلاث الأخري تدور حول القصة المركزية حيث تقوم بتوضيح الجوانب الجانبية للصراع. من جهة أولي يتم تصوير مدي الفساد الذي يميز الشركات النفطية الأمريكية حيث يكشف محام ناشئ (جيفري رايت) للشركة النفطية الأبرز، وهي ناتجة عن عملية دمج كبري، حجم الفساد المستشري فيها وكيف أن ذلك أداة أساسية لـ نجاح الشركة وبدفع من مالكيها. المشهد الرئيسي في هذا الخط الدرامي كلام متهم أساسي في أعمال الفساد سيتم التضحية به لحماية الشركة حيث يصرخ في وجه المحامي الشاب الفساد هو السبب في أننا ننتصر! . من خلال كواليس الشركة يتم التوغل في الارتباطات المريبة للتروستات النفطية بالدوائر السياسية والاستخبارية الأمريكية حيث تظهر الأخيرة بمثابة الخادمة لمصالح الأولي. من جهة ثانية يتتبع السيناريو مسار محلل اقتصادي وتحديدا نفطي أمريكي طموح وساذج (مات ديمون) يعيش في سويسرا وقريب من أوساط العائلة العربية الحاكمة، ينتهي الي الاقتراب من ناصر والتحول الي مستشاره الاقتصادي. وهنا نري من خلال المحلل الأمريكي الشاب صورة ناصر عن قرب حيث يشير الي امتعاضه من تبعية بلاده للولايات المتحدة ورغبته في تحديثها واستعمال ثروتها النفطية لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية وتذمره من التعامل الظالم في مملكة والده مع المرأة. ويتعرض الشريط الي محاولة ناصر تجميع أنصاره ولكنهم يشيرون الي وجود عشرة آلاف جندي أمريكي في البلاد، غير أنه يرد بأن هناك من يرفض الوجود الأمريكي مثله ومستعد لمواجهته. وهنا تأتي القصة الرابعة. قصة المهاجر الباكستاني الشاب الي القطر الخليجي والذي يخسر عمله في الحقل النفطي بعد شرائه من قبل الشركة الأمريكية العملاقة المتمركزة في التكساس. ليقع تدريجيا تحت تأثير مصري أصولي باسم عجيزة يدعوه للقيام هو وصديقه بعملية انتحارية ضد المصالح النفطية الأمريكية وتحديدا حقل نفطي بحري للشركة الأمريكية. وينتهي الشريط بنسق درامي مكثف مباشرة بعد قتل المخابرات الأمريكية للأمير ناصر بعملية الشاب الباكستاني من خلال اصطدامه بزورق بالحقل النفطي، حيث يقع تقديمه بشكل رومانسي كأنه مستعد للطيران وهو يقود الزورق المفخخ.سيناريو الشريط شديد التعقيد وسيجد المشاهد الأمريكي العادي صعوبة كبيرة في تتبع أبعاده الدرامية المختلفة. ويرجع هذا التعقيد الي أن السيناريو قائم بالأساس علي رواية See No Evil وهي لبوب باير Bob Baer وهو عميل حقيقي لوكالة المخابرات المركزية يشبه دوره الحقيقي في بعض الملامح دور بوب في الشريط ونقل في روايته معالم حقيقية من تجربته الفعلية. وقد شغل بوب باير مواقع متقدمة في وكالة المخابرات المركزية حيث عمل في الثمانينات في بيروت كما لعب دورا متقدما داخل العراق قبل الحرب (من داخل المجال الكردي في الشمال). غير أنه شكك في الحرب الأخيرة وحاول من خلال روايته مراجعة الدور الأمريكي في المنطقة ومسؤوليته في استمرار الاستبداد والفساد و الارهاب في المنطقة. ولهذا فقد أحدث وسيحدث الشريط ردات فعل قوية من قبل الأطراف المقربة من الادارة الأمريكية الراهنة المعروفة بقربها من الشركات النفطية ودعمها لعدد من العائلات العربية الحاكمة في الأقطار العربية النفطية. ويطرح في المقابل مراجعة راديكالية للصورة النمطية في الاعلام الأمريكي في علاقة بمصادر الاستبداد في المنطقة. كما أنه يطرح مراجعة للصورة النمطية التي تجعل من المعارضين للوجود الأمريكي معادين للتحديث وذلك من خلال تقديم الصورة الإيجابية لـ ناصر ، بل بالعكس يشير الي أن تواصل التخلف يرجع للفساد المستشري بتشجيع من المصالح النفطية. من جهة أخري يقدم الشريط صورة رومنسية للـ الارهاب جعلت له أبعادا إنسانية من خلال تتبع صورة الشاب الباكستاني البريئة تقريبا. ولهذا فقد بدأ البعض باتهام كلوني وستيفان قاقان Stephen Gaghan مخرج وكاتب سيناريو الشريط بشرعنة الارهاب . مهما كان شريطا كلوني مثيرين للجدل فإنه يستحق الاحترام لجرأته وشجاعته علي خرق محظورات سادت أخيرا في المشهد الاعلامي والسينمائي الأمريكي. وأثبت بعد كل ذلك أنه مثقف وليس مجرد نجم سينمائي ثري وفارغ. وأصبح من الواضح أن أكاديمية الفنون لن تستطيع تجاهل الشريطين حيث ستمنحهما في أقل الأحوال الترشيح لجوائز الأوسكار. إن السينما في هذه الحالة تصبح بديلا، ولو بشروطها الدرامية الخاصة، عن الفراغ الذي يمكن أن يتركه الإعلام الإخباري. وفي الواقع هذه الحالة الجديدة بدأت في التكثف منذ مدة ليست بالقصيرة غير أنها عرفت أوجها السنة الماضية مع النجاح الواسع للشريط الوثائقي لمايكل مور 9/11 فاهرينهايت . باحث تونسي يقيم في أمريكا الشمالية[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية