ليس هذا الوضع بجديد على البشرية، فلطالما عُقدت الاتفاقات وسُويت مراحل الحروب حتى قبل البدء بها بين الأطراف القوية المتناحرة، ليتم التنسيق من فوق الطاولة ومن تحتها وعلى جانبيها، فيما الشعوب لها ما يظهر من هذا التنسيق، بعض مما فوق الطاولة، وبعض مما يتسرب من تحت الطاولة، وبعض مما تبثه الراديوهات الرسمية الحكومية تحكماً في الرواية وتشكيلاً للخطاب المحلي حولها. كل الشعوب في كل الأزمنة تعرف أن هناك دائماً لعبة تحاك في الخفاء خلف ظهورها، طبيعتها وتفاصيلها لا تعرفها، لكنها متأكدة من وجود اللعبة ومن استفادة أبطالها، وصولاً إلى قرننا الحادي والعشرين الغريب، حين أصبحت اللعب تحاك في العلن، فوق الطاولة، بتفاصيلها وردود الفعل المتوقعة تجاهها في تمثيليات غريبة باهظة الثمن.
أمريكا حذرت إيران، وإيران أنذرت قطر، وإسرائيل أخذت خبراً، كل من هذه الدول (أشير لإسرائيل على أنها دولة مجازاً) علمت مسبقاً أن هجوماً يحفظ ماء وجه المهاجم قادم عليها، وكلها أعطت موافقاتها وعملت ترتيباتها. إيران وأمريكا وإسرائيل تبادلت، في نهاية هذه الحرب، صواريخ غير فاعلة لم تؤثر فعلياً على البنى التحتية لأهدافها، لم توقع ضحايا، ولم ينتج عنها أي تسريب نووي. يقول مايكل ألن آدمز، الصحافي والمؤلف، عبر حسابه على «إكس»، إن قنابل أمريكا التي ضربت فوردو في إيران لها تأثير لا يزيد عن العشرة أمتار، وأن الموضوع كله استعراض قوى قامت أمريكا من خلاله «بعمل ثقوب باهظة الثمن على جانب الجبل» ولا شيء أكثر من ذلك. أمريكا تحاول الخروج من هذه الحرب بأي شكل، ومن خلال أي تمثيلية درامية، ولو تخلياً عن حليفتها المفضلة في الشرق الأوسط، ويبدو هذا واضحاً من تصريحات ترامب الأخيرة الناقمة على إسرائيل، أكثر من إيران، لخرقها اتفاق وقف إطلاق النار. هذه الحرب ليست في صالح أمريكا، وبالتأكيد ليست في صالح ترامب، الذي لن تخدم الحرب فكرته المجنونة بإمكانية مد فترة رئاسته لمدة ثالثة. وهكذا بدأت هذه التمثيلية الأخيرة، إنتاج وإخراج أمريكا.
لربما هي وسائل التواصل، ولربما هي القدرة السريعة في الحصول على المعلومة وتسريبها، ولكن لم يسبق للبشرية أن شهدت التمثيلية السياسية العسكرية بتفاصيلها كما شهدتها في هذه الحرب الخطرة والغريبة في آن. فما معنى أن يتم الإعلان المسبق عن التحذير المسبق لكل دولة تم ضربها، ثم يتم الإعلان المسبق عن رد الفعل اللاحق لهذه الدول، ثم يتم الإعلان المسبق عن رد الفعل المتوقع من الدولة المهاجمة الأولى، ثم يتم الإعلان المسبق عن رد الفعل على رد الفعل المرتبين جميعاً. ما معنى أن تخبرنا وسائل الإعلام مسبقاً عن الضربات والترتيب لها ونتائجها وردود الفعل المتوقعة لها؟ ليس هناك شك أن هذه الترتيبات تدخل في خانة حفظ ماء الوجه لكل طرف من الأطراف، وليس من شك أن هذه الضربات هي رسائل «مشتعلة» بين هذه الدول، رسائل استعراض قوى وتبيان الإمكانات، خصوصاً من إيران تجاه أمريكا وإسرائيل: أن إذا أردتكم سأصلكم.
يبقى أن ضربة إيران للموقع القطري، ولو كانت مرتبة مسبقاً ومعلنة، ومعتذراً عنها لاحقاً ومبررة، هي ضربة كنت، كمعجبة مؤخراً بالمواقف الإيرانية السياسية، أتمنى تفاديها أو توجيهها حيث الهدف المستحق والمؤثر: إسرائيل. هذه ضربة تبدو خالية من الذكاء الدبلوماسي على المدى البعيد، حيث إنه للتو بدأت تتحسن الصورة الإيرانية في شبه الجزيرة، وللتو بدأت إيران تحصد بعض التأييد تجاه دورها الدفاعي عن فلسطين والمتصدي وحيداً لإسرائيل، وللتو بدأنا نستطيع أن نمتدح الموقف الإيراني تجاوزاً لجرائمها السابقة في سوريا ولتجاوزاتها السابقة في لبنان. بهذه الضربة «المتفق عليها» لدولة قطر، تراجعت الدولة الإيرانية، في شعبيتها، خطوات كبيرة للوراء، وذلك على الرغم من الإنذار المسبق والتأثير شبه المعدوم لهذه الضربة التمثيلية الدرامية. لن ينسى العرب، وتحديداً أهل شبه الجزيرة العربية، هذه الضربة الإيرانية لهدف على الأراضي القطرية، ولو كان هدفاً أجنبياً، ولو كانت رسالة موجهة لعدوها الأمريكي، ولو كان العقل والمنطق يستدعيان منا مراجعة استحقاق ونتائج وجود قواعد أمريكية حربية على أراضينا الخليجية. رغم كل ما يقوله المشهد السياسي والعسكري، ورغم كل ما يوفره هذ المشهد من تبريرات للخطوة الإيرانية، ستبقى تلك الخطوة المفرغة من تأثير حقيقي والمعد لها مسبقاً، سابقة خطرة وإعلان امتداد عسكري، وضغينة ستتجذر في نفوس الخليجيين. إيران صوبت تجاه هدف في قطر، عرضت قطر وأهلها، ولو بنسبة واحد في المئة، لخطر وخوف وقلق، وهذه خطيئة لن ينساها أهل الخليج المتشككين أصلاً في إيران، ولن تغفرها الأغلبية من المكون السني الذين يقف الاختلاف الطائفي والتخوف من «المد الشيعي» بينهم وبين أي حالة إحسان ظن في هذا الجار.
بالطبع، لا يمكننا التغاضي عن التضحية التي قدمها الشعب الإيراني من حيث تعرضه لحرب كان يمكنه تفاديها، ومن حيث فقدانه لعدد من المدنيين، وكذلك من علمائه وقادته الذين يشكلون ثقلاً كبيراً في المجتمع. وبالتأكيد، لا يمكننا تجاهل أن إيران هي جبهة الصد الوحيدة القائمة ولا تزال، بل والتي تشكل ردعاً حقيقياً للقوى الأمريكية. لقد أوضحت هذه الحرب الإمكانيات الحقيقية للدولة الإيرانية، ولربما كان هذا أحد أهدافها من المشاركة في التمثيلية، كما أن نهاية هذه الحرب بصمود الدولة الإيرانية وباستمرار الخطاب القوي الانتصاري والمتوعد المقاوم دون أدنى زحزحة منها، هي نهاية تشكل انتصاراً داخلياً لإيران بلا شك. إن هذه التمثيلية الأخيرة أظهرت هزال العدو الإسرائيلي بلا شك وعضلات الجار الإيراني، ليثير الموقف الإيراني تجاوب ومساندة العالم أجمع، خصوصاً أن الاعتداء بدأ من إسرائيل، وذلك قبل يوم من الجلوس على طاولة تفاوض تم الإعداد لها والاتفاق عليها.
يقول آدمز على منصة «إكس» إن كلاً من أمريكا وإيران تستهدفان جماهيرهما المحلية اعتماداً على فكرة أن الجيل الأمريكي الذي يشاهد «فوكس نيوز» لا يطلع على الإعلام الإيراني، وأن معظم الإيرانيين لا يشاهدون «فوكس نيوز»، لذا ستتمكن كلتا الدولتين من تثبيت السردية الخاصة بها، وإعلان أنها هي من انتصرت وأنهت هذه الحرب بخطوتها الأخيرة. ربما يكون هذا صحيحاً، كما أن التفاف كل من الشعبين حول قيادته واضح، إلا أن المختلف الآن هو هذا الانقلاب الذي حازت إيران من خلاله على مساندة العالم وإعجابه من حيث تصديها منفردة للمتنمر الأمريكي، رغم ضعف المسرحية الأخيرة، الذي حازت أمريكا وتابعتها إسرائيل من خلاله على انخفاض احترام العالم لهما، بل وأضف لذلك تساؤل العالم حول منطقية وعدالة موضوع امتلاك السلاح النووي وأسباب أحقية أمريكا في الاستفراد به، بل لقد ذهب العالم إلى تفهم أهمية امتلاك إيران لسلاح كهذا بما أنها في حرب مستمرة من أجل البقاء. تبدت الصورة واضحة كما لم تبد للعالم من قبل، وهي رغم قتامتها ورعب العامل النووي الذي يشكل أجزاء كبيرة منها، صورة جديدة جيدة من حيث استعراضها للسوأة الأمريكية والإسرائيلية، ولحقيقة أنهما ليستا كينونتين مقدستين عسكرياً، بل هما قابلتان، وجداً، للدحر والهزيمة.
لكن، كان الأمل مستمراً في ألا تُجر إيران لحرب تدور، ولو تمثيلياً أو مجازياً، على أرض خليجية، ليتها لم تقصف الموقع القطري، ليتها استمرت في ضرب العدو الإسرائيلي، الذي من خلال ضربه تصل ذات الرسالة الموجهة للأمريكان. الخليجيون لن ينسوا هذه الضربة بمخاوفها ومعانيها، وهذا سيكون مكلفاً في قادم الأيام، هذه الأيام التي ستكون إبانها إيران في أشد الحاجة لمساندة وتعاون الجار. كما أن تكلفة هذا الجزء الأخير «المؤدب» من الحرب، حيث يستأذن كل طرف قبل إطلاق صواريخه، ستكون مرتفعة كذلك من حيث تغييرها لديناميكية الصراع، تأثيره، ونتائجه.
عشنا وشفنا حروباً مؤدبة، تهدف لإنهاء أفظع وأوضع وأحقر حرب في تاريخ البشرية.